ظل الشريط الأسود الداكن الممتد أسفل أعين الصقور، والمعروف علميًا باسم "شريط الملار"، واحدًا من أكثر السمات الشكلية التي أثارت فضول علماء الأحياء لعقود طويلة. ورغم الاعتقاد السائد بأن هذا الريش الداكن يساعد الصقور على تقليل انعكاس أشعة الشمس وتحسين الرؤية أثناء الصيد، فإن هذا التفسير ظل مجرد فرضية علمية لم تحظ بإثبات مباشر.
لكن دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة كيب تاون في جنوب إفريقيا قدمت لأول مرة أدلة علمية قوية تدعم هذه الفرضية، لتفتح الباب أمام فهم أعمق للعلاقة بين التطور البيولوجي والقدرات البصرية الفائقة التي تتمتع بها الطيور الجارحة.
أول دليل علمي يدعم الفرضية القديمة
اعتمد الباحثون في دراستهم على تحليل الخصائص الشكلية لشريط الملار لدى صقور الشاهين، وهي من أسرع الطيور في العالم وأكثرها مهارة في الصيد الجوي.
وأظهرت النتائج وجود علاقة واضحة بين حجم الشريط الأسود ودرجة قتامته وبين البيئة التي يعيش فيها الطائر، إذ تبين أن الصقور التي تعيش في مناطق تتعرض لمستويات مرتفعة من الإشعاع الشمسي تمتلك أشرطة مالار أعرض وأكثر سوادًا مقارنة بتلك التي تعيش في مناطق أقل تعرضًا للشمس.
ويرى الباحثون أن هذه النتيجة تمثل أول دليل ميداني واسع النطاق يؤكد أن هذه العلامة ليست مجرد سمة جمالية، وإنما تكيف تطوري يمنح الصقور ميزة بصرية تساعدها على البقاء والنجاح في الصيد.
آلاف الصور من عشرات الدول
واجه الفريق البحثي تحديات كبيرة في جمع البيانات، خاصة في ظل القيود التي فرضتها جائحة كورونا على السفر وإجراء الدراسات الميدانية.
وللتغلب على هذه العقبة، لجأ العلماء إلى قواعد بيانات رقمية عالمية تعتمد على مساهمات مراقبي الطيور حول العالم، أبرزها منصتا iNaturalist ومكتبة Macaulay التابعة لجامعة كورنيل.
واستطاع الباحثون جمع وتحليل أكثر من ألفي صورة لصقور الشاهين التقطت في 94 دولة، من بينها جنوب إفريقيا وروسيا والولايات المتحدة وكندا، مع الاعتماد على الصور المرفقة بإحداثيات جغرافية دقيقة.
وقام الفريق بتقييم كل صورة وفق مجموعة من المعايير شملت عرض شريط الملار وطوله ووضوحه، مع مراعاة تأثير زاوية التصوير ووضعية الطائر حتى لا تؤثر على دقة النتائج.
مقارنة دقيقة مع الظروف البيئية
لم يكتف الباحثون بتحليل الصور فقط، بل ربطوا كل صورة بالظروف البيئية المحيطة بمكان التقاطها، بما في ذلك معدلات الإشعاع الشمسي ودرجات الحرارة وكميات الأمطار وغيرها من العوامل المناخية.
وكشفت المقارنات الإحصائية عن ارتباط واضح بين قوة شريط الملار وارتفاع مستويات أشعة الشمس، وهو ما يعزز فرضية أن اللون الأسود يؤدي دورًا بصريًا مهمًا في تقليل تأثير الوهج.
كيف يساعد اللون الأسود الصقور على الصيد؟
يوضح الباحث المشارك في الدراسة، أرجون عمار، أن الأسطح البيضاء أو الفاتحة تعكس أشعة الشمس بصورة كبيرة، وهو ما قد يؤدي إلى ارتداد الضوء نحو العين والتأثير سلبًا على جودة الرؤية.
أما الريش الأسود فيمتص الضوء بدلًا من عكسه، وهو ما يقلل من الوهج ويزيد قدرة الصقر على تمييز التفاصيل الدقيقة.
ويمنح ذلك الصقور حساسية أعلى للتباين البصري، وهي القدرة التي تسمح لها برؤية الفريسة بسرعة وسط خلفيات شديدة السطوع، مثل السماء المفتوحة، أثناء الانقضاض بسرعات هائلة قد تتجاوز مئات الكيلومترات في الساعة.
ويرى العلماء أن هذه الميزة تمنح الصقور أفضلية كبيرة في عمليات الصيد، خاصة عند مطاردة الطيور الأخرى أثناء الطيران.
ليست الصقور وحدها
تشير الدراسة إلى أن شريط الملار لا يقتصر على صقور الشاهين فقط، بل يظهر لدى العديد من أنواع الصقور والطيور الجارحة الأخرى.
كما توجد علامات داكنة مشابهة حول أعين حيوانات مفترسة مختلفة، مثل الفهود، الأمر الذي يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه العلامات تمثل تكيفًا تطوريًا مشتركًا بين الحيوانات التي تعتمد على الرؤية الدقيقة أثناء المطاردة.
أبحاث جديدة على عشرات الأنواع
وفي إطار استكمال هذا العمل العلمي، تعمل الباحثة الرئيسية ميشيل فريتوس، التابعة لمعهد فيتزباتريك، على دراسة نحو 40 نوعًا مختلفًا من الصقور.
وتهدف الأبحاث إلى معرفة الأسباب التي تجعل بعض الأنواع تمتلك خطوط مالار واضحة وقوية، بينما تفتقر إليها أنواع أخرى مثل صقر "ميرلين"، رغم انتمائها إلى المجموعة نفسها.
كما يسعى العلماء إلى معرفة ما إذا كانت هذه العلامات مرتبطة بسرعة الطيران فقط، أم أنها تؤدي وظائف إضافية تتعلق بالحماية البصرية أو التواصل بين أفراد النوع.
نافذة جديدة لفهم التطور الطبيعي
يرى الباحثون أن نتائج الدراسة تمثل خطوة مهمة نحو فهم كيفية تطور الصفات الشكلية لدى الحيوانات استجابةً للظروف البيئية المحيطة بها.
كما تؤكد النتائج أن كثيرًا من السمات التي تبدو بسيطة في المظهر قد تكون نتاج ملايين السنين من التطور الطبيعي، وأنها تمنح أصحابها مزايا حقيقية تساعدهم على البقاء والتكيف مع البيئات المختلفة.
ويأمل العلماء أن تسهم الدراسات المستقبلية في الكشف عن وظائف أخرى محتملة لعلامات العين السوداء لدى الحيوانات المفترسة، بما يعزز فهم آليات التطور والانتقاء الطبيعي في عالم الكائنات الحية.

