تقترب ذكرى مذبحتي مجزرة رابعة العدوية والنهضة، اللتين وقعتا في الرابع عشر من أغسطس لعام ألفين وثلاثة عشر. وفرقت قوات الأمن المصرية اعتصامين متزامنين في القاهرة والجيزة باستخدام القوة المسلحة المفرطة ضد المعتصمين. وأسفرت تلك العملية عن استشهاد مئات الأشخاص وإصابة الآلاف في يوم واحد، لتسجل الأيام دموية لا تُنسى في التاريخ. وتحرم الشريعة الإسلامية سفك الدماء المعصومة بغير حق، وتعد حفظ النفس البشرية من أهم المقاصد الشرعية الكبرى. وتجعل هذه الاعتبارات الشرعية والأخلاقية من تلك الأحداث واحدة من أشد اللحظات قتامة في تاريخ مصر الحديث.

 

وجرى هذا التفريق العنيف وسط حشود كبيرة من المدنيين العزل. واحتج هؤلاء المواطنون سلميا ضد الإطاحة بالرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي، ورفعوا مطالب سياسية مشروعة. وحولت المقاربة الأمنية القاسية تلك الميادين الواسعة إلى ساحات تشبه جبهات القتال الحقيقية. وانتشر استخدام الذخيرة الحية بكثافة وعشوائية، وغاب أي ممر آمن يسمح للمتظاهرين بالخروج والنجاة بأرواحهم. وتكشف الوثائق مقتل أكثر من تسعمائة متظاهر خلال هذا الفض العنيف، وبقيت هذه الجرائم دون أي تحقيق مستقل يضمن محاسبة المتورطين.

 

"أسفرت عملية فض الاعتصام عن استشهاد مئات الأشخاص وإصابة الآلاف في يوم واحد، لتبقى جراح هذه المأساة مفتوحة."

  تقرير يورو ميد رايتس عام 2025 

 

وتشكل هذه الأحداث الدامية انتهاكات جسيمة لحق الإنسان في الحياة، وحقه في التجمع السلمي. وتكفل الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان والتشريعات الإسلامية السمحة هذه الحقوق الأساسية وتوجب حمايتها وصيانتها من أي تعدٍ. ولم تنته المأساة عند مجرد تفريق المعتصمين، بل استمرت تداعياتها الكارثية لسنوات طوال، وتوسعت لتشمل قمع كافة أشكال المعارضة. وشهدت البلاد موجات واسعة النطاق من الاعتقالات والمحاكمات التي استهدفت مئات من قادة المعارضة المعترضين على سياسات الدولة.

 

وطالت الملاحقات الأمنية حتى الأشخاص الذين اشتُبه بمجرد تعاطفهم مع المعتصمين أو انتمائهم لتيارات المعارضة المختلفة. وشملت حملات القمع الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان في مصر، حيث واجهوا ترهيبا مستمرا وملاحقات قضائية جائرة. ونقلت السلطات الكثير من هؤلاء المعتقلين لاحقا إلى مجمع سجون بدر الواقع شمال العاصمة القاهرة. وأصبح سجن بدر ثلاثة رمزا للانتهاكات المستمرة التي تسلب الإنسان كرامته التي كرمه الله بها.

 

تداعيات فض الاعتصام والاعتقالات التعسفية

 

ويعاني السجناء في تلك السجون من الحبس الانفرادي لفترات طويلة، ويُحرمون من الزيارات العائلية التي تخفف عنهم وطأة السجن. وتفرض الإدارة قيودا شديدة تمنع تواصلهم مع العالم الخارجي، وتمنعهم من تلقي الرعاية الطبية الضرورية لحفظ أجسادهم وعقولهم. وخاض العديد من المعتقلين البارزين، بمن فيهم قادة سياسيون وشخصيات دينية وأكاديميون، إضرابات مفتوحة عن الطعام على مر السنين. واحتج هؤلاء السجناء على ظروف احتجازهم القاسية، مما يسلط الضوء على خطورة الوضع الإنساني المتدهور.

 

"ويعاني السجناء في مجمع بدر من الحبس الانفرادي لفترات طويلة، ويُحرمون من الزيارات العائلية والرعاية الطبية الضرورية."

تقرير يورو ميد رايتس عام 2025

 

وتعمقت الأزمة الحقوقية في مصر بشكل ملحوظ منذ تلك الأحداث الدامية التي شهدتها مجزرة رابعة. وتدهورت الأوضاع نتيجة لسياسات الدولة الرامية إلى إحكام السيطرة الأمنية وتدمير الفضاء المدني بشكل كامل. واستغلت السلطات نظام العدالة الجنائية وتشريعات مكافحة الإرهاب لمعاقبة المعارضين وتكميم أفواههم وصدهم عن المطالبة بحقوقهم. وأخضعت قوات الأمن آلاف الأشخاص للإخفاء القسري، حيث يغيب الضحايا لأسابيع أو أشهر متواصلة. ويتعرض هؤلاء المختفون للتعذيب وسوء المعاملة لانتزاع اعترافات قسرية، وتستخدم النيابة هذه الاعترافات كأدلة في المحاكمات.

 

وسجلت المنظمات الحقوقية تعرض أكثر من أربعة آلاف وأربعمائة شخص للإخفاء القسري بين عامي ألفين وخمسة عشر وألفين وأربعة وعشرين. ولا يزال مصير المئات من هؤلاء الضحايا مجهولا حتى الآن، مما يضاعف مأساة عائلاتهم وذويهم. ويقبع آلاف السجناء في الحبس الاحتياطي المطول، وتستمر معاناتهم لسنوات عديدة دون محاكمة عادلة. وتستند هذه الفترات الطويلة من الاحتجاز إلى تهم تتعلق بالإرهاب دون أي تحقيق شفاف أو أساس قانوني سليم.

 

سجون قاسية وغياب المحاسبة القانونية

 

وابتكرت السلطات ممارسة قمعية تُعرف باسم التدوير، لضمان استمرار الاعتقال التعسفي للمنتقدين إلى أجل غير مسمى. ويُتهم المعتقلون في قضايا جديدة بناء على تهم ملفقة مشابهة للالتفاف على أوامر الإفراج وأحكام البراءة الصادرة بحقهم. واعتمدت السلطات بشكل متزايد على نظام مؤتمرات الفيديو لعقد جلسات تجديد الحبس الاحتياطي عن بُعد. وعزلت هذه الممارسة المعتقلين تماما عن محاميهم وقضاتهم، ومنعتهم من الإبلاغ عن الانتهاكات أو إظهار آثار التعذيب.

 

وتعاني السجون المصرية من ظروف قاسية ولا إنسانية، وتتسم بالاكتظاظ الشديد الذي يمنع السجين من أبسط حقوقه في الراحة. وتفتقر العنابر إلى التهوية والإضاءة الجيدة، وتندر فيها الرعاية الطبية الكافية كنوع من العقاب المتعمد المرفوض شرعا وقانونا. وفارق مئات المعتقلين الحياة داخل السجون نتيجة للإهمال الطبي أو التعذيب وسوء المعاملة على أيدي الحراس. وضمت قائمة الضحايا قيادات سياسية إسلامية بارزة كالرئيس الأسبق محمد مرسي والدكتور عصام العريان، جراء الحرمان المطول من الرعاية الصحية.

 

ولا تقتصر الانتهاكات على أسوار السجون، بل امتدت لتشمل تكميم أفواه الصحفيين والإعلاميين المستقلين في شتى أرجاء البلاد. وطالت حملات القمع العشرات منهم بالاحتجاز والمحاكمات الجائرة بتهم نشر أخبار كاذبة لمجرد تغطيتهم للأحداث بموضوعية. وحجبت الحكومة مئات المواقع الإخبارية والحقوقية لمنع وصول الجماهير إلى المعلومات المستقلة وإخفاء الحقائق عن الشعب. وسعت السلطات جاهدة لقوننة القمع من خلال تعديلات دستورية سلطوية وتشريعات بالغة القسوة.

 

تشريعات سلطوية ومطالب بإحقاق الحق

 

ووفرت هذه القوانين المتعسفة الغطاء القانوني للممارسات التي تتنافى مع قيم العدل والرحمة في الإسلام. وعززت التعديلات الدستورية إشراف المؤسسة العسكرية، ووسعت نطاق القضاء العسكري ليشمل المدنيين من أبناء الشعب. ومنحت التعديلات القيادة السياسية سلطات واسعة قوضت استقلال القضاء والنيابة العامة بشكل كلي لا يترك مجالا للعدالة. واستخدمت الحكومة قوانين التظاهر والجمعيات الأهلية لتقييد حركة الفضاء المدني وإسكات الأصوات المستقلة الحرة.

 

"وتُعرض السلطات المتهمين لمحاكمات جائرة أمام محاكم عسكرية واستثنائية تفتقر لأبسط معايير العدالة، وتصدر أحكاما قاسية."

 تقرير يورو ميد رايتس عام 2025

 

وجرمت قوانين مكافحة الإرهاب والأمن القومي الفضفاضة ممارسة الحريات الأساسية، وقضت تماما على ضمانات المحاكمة العادلة. وجعلت هذه الترسانة القانونية من الاحتجاج السلمي عملا إرهابيا يعاقب عليه القانون بصرامة شديدة ومبالغ فيها. وشرّعت الدولة قانونا خاصا لضمان إفلات كبار قادة القوات المسلحة من العقاب الدنيوي والمحاسبة القانونية. ووفر هذا القانون حصانة رئاسية تحميهم من المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة في أعقاب فض الاعتصام.

 

وتُعرض السلطات المتهمين لمحاكمات جائرة أمام محاكم عسكرية واستثنائية تفتقر لأبسط معايير العدالة الإنسانية. وتصدر هذه المحاكم أحكاما قاسية تصل إلى الإعدام استنادا إلى اعترافات مشوبة بالتعذيب الجسدي والنفسي. ويتنافى هذا الإزهاق للأرواح مع أسس القضاء العادل في الإسلام الذي يحتاط بشدة في الدماء ويدرأ الحدود بالشبهات. وبذلت الحكومة المصرية جهودا مكثفة لتصوير نفسها كداعية للإصلاح بغية تفادي الضغوط الدولية المتزايدة وتخفيف الانتقادات.

 

وأطلقت الدولة مبادرات متتالية مثل الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان والحوار الوطني، لكنها مبادرات تفتقر إلى الجدية والمصداقية. وتعمل هذه المبادرات كأدوات علاقات عامة تهدف إلى تلميع صورة البلاد دوليا، بينما يستمر القمع دون هوادة في الداخل. ويتسم تفاعل مصر مع الآليات الدولية لحقوق الإنسان بالقصور الشديد والرفض المستمر للتوصيات الجوهرية الهادفة لرفع الظلم. ورفضت الحكومة التوصيات الرئيسية الصادرة عن المراجعة الدورية الشاملة للأمم المتحدة لحفظ حقوق المستضعفين.

 

وتتجدد المطالبات مع اقتراب هذه الذكرى الأليمة لإجراء تحقيق مستقل وشفاف في أحداث القتل الجماعي في الميادين. ويجب على الدولة وضع حد فوري لمأساة الاعتقال التعسفي، وإطلاق سراح جميع المحتجزين ظلما لرفع البلاء عنهم ورد مظالمهم. وتتحمل السلطات مسؤولية الامتثال للمعايير الدولية المتعلقة بمعاملة السجناء وحفظ حقوقهم المكفولة شرعا وقانونا. ويعزز استمرار الصمت الرسمي إزاء هذه الانتهاكات الفادحة حالة الإفلات من العقاب في المؤسسات المختلفة. ويبقي هذا التجاهل الممنهج جراح ضحايا الانتهاكات نازفة ومفتوحة، ليترك وصمة عار دائمة في سجل حقوق الإنسان.

 

https://aohr.org.uk/rabaa-massacre-an-open-file-on-grave-human-rights-violations-in-egypt/
https://euromedrights.org/wp-content/uploads/2025/07/250811_EN_BaselineResearch_EMR.pdf#:~:text=June%202025.%20EuroMed%20Rights.%20Vestergade%2016%2C%202nd%20floor.%20DK-1456%20Copenhagen%20K.