يواجه آلاف من مرضى السرطان في ولاية الجزيرة بالسودان أوضاعاً صحية وإنسانية بالغة القسوة، مع تدهور الخدمات في مستشفى الذرة بمدينة ود مدني، ونقص جرعات العلاج الكيماوي، وتوقف بعض الكوادر الطبية، ما دفع كثيراً من المرضى إلى البحث عن العلاج في المستشفيات الخاصة بأسعار تفوق قدرتهم المالية، بينما يهدد انقطاع الجرعات حياة مرضى سرطان الدم والأطفال وكبار السن بصورة خاصة.
ويبدأ سامي بشري يومه منذ الصباح الباكر حاملاً ملفه الطبي، متنقلاً بين المستشفيات والمراكز الصحية في ود مدني أملاً في الحصول على جرعته العلاجية، لكن رحلته تنتهي أحياناً أمام باب مركز خاص يطالبه بمبالغ لا يملكها، فيضطر إلى تأجيل العلاج رغم معرفته بأن الوقت ليس في صالحه وأن المرض قد يتقدم مع كل جرعة مفقودة.
أسعار تعجز عنها الأسر
يقول سامي إن ارتفاع أسعار العلاج في المستشفيات والمراكز الخاصة أجبره على إيقاف بعض الجرعات، بعد أن استنفدت أسرته مدخراتها، في وقت توقفت فيه جهات خيرية كانت تساعد مرضى السرطان على تحمل كلفة الأدوية والفحوص والعلاج، ما تركه أمام خيارات محدودة وقاسية بين الاستدانة أو الانتظار.
وبحسب شهادته، يصل سعر بعض علب الأدوية إلى ما يعادل 200 دولار أميركي، بينما تتراوح كلفة بعض جرعات العلاج الكيماوي التي تباع في السوق السوداء بين 200 و300 دولار، وهي مبالغ تفوق قدرة معظم الأسر التي تعيش أصلاً تحت ضغوط اقتصادية ومعيشية متزايدة.
ولا تتوقف الأزمة عند المرضى البالغين، إذ تواجه أسر الأطفال المصابين بالسرطان المصير نفسه، ومن بينهم أسرة الطفل قاسم بخيت المصاب بسرطان الدم، التي قالت والدته إن تدهور الخدمات في مستشفى الذرة ونقص الجرعات أدخلا الأسرة في دوامة من البحث والعجز المالي.
وأوضحت والدة قاسم أن طفلها يحتاج إلى جرعات علاجية لفترات طويلة، لكنها فوجئت بعد توجهها إلى المستشفيات الخاصة بأن تكلفة العلاج تتجاوز إمكانات الأسرة، بينما بدأت حالته الصحية تتدهور مع تأخر الجرعات، وفقد شهيته للطعام وكاد يفقد حياته بسبب غياب الأدوية.
ويرى المرضى وذووهم أن المشكلة لم تعد مجرد نقص مؤقت في دواء بعينه، بل تحولت إلى أزمة شاملة تهدد استمرارية الرعاية، إذ أصبح المريض مطالباً بتوفير العلاج بنفسه أو التنقل بين ولايات مختلفة، في وقت قد لا تسمح حالته الصحية أصلاً بتحمل مشقة السفر.
مستشفى الذرة تحت الضغط
وقالت شبكة أطباء السودان إن إضراب بعض الكوادر الطبية والنقص الحاد في جرعات العلاج الكيماوي أديا إلى تدهور الخدمات داخل مستشفى الذرة في ود مدني، مشيرة إلى أن توقف عدد من العاملين بسبب عدم صرف الرواتب والمتأخرات المالية لنحو شهرين أثر مباشرة في رعاية المرضى.
وأضافت الشبكة أن بعض المرضى يحصلون على نصف الجرعة داخل المستشفى ثم يجري تحويلهم لاستكمال العلاج في مؤسسات خاصة، وهو ما يضعهم أمام أعباء مالية إضافية، ويزيد مخاطر تأخر العلاج وعدم انتظام الجرعات التي تتطلبها بروتوكولات علاج السرطان.
وأعربت الشبكة عن قلقها من تكرار الأزمة للمرة الثالثة خلال العام، بعد فترات سابقة شهدت توقف العلاج الإشعاعي واستمرار نقص الأدوية والكوادر، معتبرة أن استمرار الوضع يهدد حياة المرضى ويحرمهم من حقهم في الحصول على الرعاية والعلاج بصورة منتظمة.
وطالبت وزارتي الصحة الاتحادية والولائية بالتدخل العاجل لصرف مستحقات العاملين وتأمين أدوية العلاج الكيماوي وإعادة استقرار الخدمات في مستشفى الذرة، باعتباره أحد أهم المراكز التي يعتمد عليها المرضى في ولاية الجزيرة والمناطق المجاورة.
ويقول أيمن سليمان، من مدينة المناقل، إن تأخر العلاج الكيماوي يضع المرضى أمام مخاطر حقيقية، خاصة أن الغالبية لا تملك المال لشراء الجرعات من القطاع الخاص، ما يجعل حياتهم مرتبطة بقدرة المؤسسات الحكومية على توفير الأدوية في الوقت المناسب.
مرضى الدم في الخطر
ويحذر الطبيب المتخصص في الأورام عصام عبدالماجد من أن مئات المرضى لم يتمكنوا خلال الفترة الماضية من الحصول على العلاج الكيماوي بسبب تدهور الخدمات في مستشفى الذرة والمراكز الصحية بولاية الجزيرة، مشيراً إلى أن الأزمة تسببت في وفيات، خصوصاً بين الأطفال وكبار السن.
وأوضح أن مواعيد الجرعات تختلف من مريض إلى آخر، إذ يحتاج بعض المرضى إلى العلاج مرة كل ثلاثة أسابيع، بينما لا يحتمل مرضى سرطان الدم تحديداً انقطاع العلاج لفترات طويلة، لأن التأخير قد يؤدي إلى تدهور سريع في حالتهم الصحية وتقليل فرص السيطرة على المرض.
وأكد عبدالماجد أن اضطرار المرضى إلى التنقل من ولاية إلى أخرى بحثاً عن الجرعات يضيف خطراً جديداً إلى حالتهم، فالرحلات الطويلة والمرهقة قد تكون شديدة القسوة على مرضى يعانون ضعف المناعة والإرهاق ومضاعفات العلاج.
وفي ظل استمرار الأزمة، يعيش المرضى وأسرهم بين الخوف من تقدم المرض والخوف من كلفة العلاج، بينما يتحول الحصول على جرعة يفترض أن تكون جزءاً من خدمة صحية أساسية إلى رحلة يومية غير مضمونة، قد تنتهي بدواء مرتفع السعر أو بعودة المريض إلى منزله من دون علاج.
ومع كل يوم تأخير، تتقلص خيارات المرضى الذين لا يملكون رفاهية الانتظار، وتزداد المطالب بتدخل عاجل يعيد توفير العلاج والكوادر داخل المستشفيات الحكومية، قبل أن يتحول نقص الجرعات من أزمة صحية متكررة إلى حكم بالموت على من لا يستطيعون دفع ثمن العلاج الخاص.

