لم تعد أزمة الذخائر في الجيش الأمريكي مجرد تحذيرات نظرية تصدر عن مراكز الأبحاث أو نقاشات داخل أروقة البنتاغون، بل تحولت إلى قضية استراتيجية تفرض نفسها بقوة بعد الحرب مع إيران، في ظل تقارير كشفت عن استهلاك غير مسبوق للصواريخ الدقيقة بعيدة المدى وأنظمة الدفاع الجوي، الأمر الذي أثار تساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة على خوض صراع جديد إذا اندلعت أزمة متزامنة مع الصين أو روسيا أو كوريا الشمالية.

 

وأعادت التقارير الأخيرة، وفي مقدمتها ما نشرته وكالة رويترز استنادًا إلى مصادر مطلعة، فتح ملف جاهزية الجيش الأمريكي، بعدما أكدت أن واشنطن استخدمت "تقريبًا جميع" صواريخها البرية بعيدة المدى من طرازي "أتاكمز" و"بريزم" خلال الحرب مع إيران، وهي أسلحة تمثل أحد أهم عناصر القوة الأمريكية في تنفيذ الضربات الدقيقة من مسافات آمنة.

 

صواريخ استراتيجية استُنزفت في أشهر قليلة


وبحسب المصادر، فإن الجيش الأمريكي اعتمد بكثافة على صواريخ "أتاكمز" و"بريزم"، التي تتجاوز تكلفة الصاروخ الواحد منها مليون دولار، لتجنب المخاطرة بإرسال الطائرات المأهولة إلى مناطق شديدة الخطورة.

 

وتتميز هذه الصواريخ بقدرتها على إصابة أهداف بعيدة بدقة عالية، وقد لعبت دورًا رئيسيًا في الحرب الأوكرانية، كما يُنظر إلى صاروخ "بريزم" باعتباره الجيل الجديد الذي سيحل تدريجيًا محل "أتاكمز".

 

لكن استخدام معظم هذه الذخائر خلال أشهر قليلة أثار مخاوف داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، خاصة أن هذه الصواريخ تمثل عنصرًا أساسيًا في أي مواجهة محتملة مع الصين أو روسيا.

 

الاستنزاف لم يقتصر على الصواريخ الهجومية


الأزمة لم تتوقف عند الذخائر الهجومية، إذ كشفت تقارير أمريكية أن أنظمة الدفاع الجوي تعرضت أيضًا لاستنزاف كبير.


فوفق تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، استهلكت الولايات المتحدة نحو 65% من صواريخ "باتريوت" الاعتراضية خلال الفترة بين فبراير ويوليو، كما انخفض مخزون صواريخ "ثاد" بنسبة لا تقل عن 38%.

 

كذلك تحدثت مصادر مطلعة عن استهلاك يقارب نصف المخزون العالمي الأمريكي من صواريخ "توماهوك"، التي تعد السلاح الرئيسي للبحرية الأمريكية في تنفيذ الضربات بعيدة المدى ضد الأهداف المحصنة.

 

كيف يؤثر نقص الذخائر على الجيش الأمريكي؟


يرى خبراء عسكريون أن انخفاض المخزون لا يعني فقدان الولايات المتحدة قدرتها القتالية، لكنها قد تضطر إلى تعديل أساليبها العسكرية إذا اندلع صراع جديد قبل إعادة بناء المخزون.

 

ويظهر تأثير نقص الذخائر في عدة جوانب أبرزها: تقليص القدرة على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى، وزيادة الاعتماد على الطائرات المقاتلة والعمليات المباشرة، وهو ما يرفع المخاطر البشرية.، وتراجع قدرة الردع أمام الصين وروسيا إذا اعتقد الخصوم أن المخزون الأمريكي أصبح محدودًا، وصعوبة إدارة أكثر من حرب في توقيت واحد، وزيادة الضغط على الصناعات الدفاعية لتسريع الإنتاج.

 

التأثير على التدريبات العسكرية


لا يقتصر تأثير نقص الذخائر على ساحات القتال، بل يمتد أيضًا إلى برامج التدريب العسكري.


فعندما تنخفض المخزونات، غالبًا ما تعطي الجيوش الأولوية للعمليات القتالية والاحتفاظ بالمخزون الاستراتيجي، وهو ما قد يؤدي إلى تقليل استخدام الذخائر الحية في المناورات والتدريبات، والاعتماد بصورة أكبر على المحاكاة الإلكترونية أو الذخائر التدريبية الأقل تكلفة.

 

ورغم أن الجيش الأمريكي يمتلك منظومات تدريب متقدمة، فإن التدريب بالذخيرة الحية يظل عنصرًا أساسيًا للحفاظ على جاهزية الوحدات القتالية، خاصة القوات الصاروخية ووحدات المدفعية والدفاع الجوي.

 

لماذا حدثت الأزمة؟


ويرى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن الحرب مع إيران ليست سوى العامل الأكثر وضوحًا، بينما تعود جذور الأزمة إلى تراكمات استمرت سنوات.
وأوضح المركز أن هناك ستة أسباب رئيسية وراء تراجع المخزون الأمريكي.

 

أولها الاستخدام المكثف للذخائر خلال الحرب مع إيران، حيث استُهلكت كميات كبيرة من صواريخ "باتريوت" و"ثاد" و"بريزم" و"توماهوك" وصواريخ أخرى بعيدة المدى.

 

أما السبب الثاني فيرتبط بإرث ما بعد الحرب الباردة، عندما خفضت الولايات المتحدة مشتريات الذخائر بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، اعتمادًا على استراتيجية تقوم على خوض نزاعات إقليمية محدودة بدلًا من الاستعداد لحرب كبرى.

 

ويتمثل السبب الثالث في تقلص القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية، إذ انخفض عدد الشركات الكبرى المنتجة للأسلحة من 51 شركة إلى خمس فقط، مع تصميم خطوط الإنتاج لتلبية احتياجات السلم، وليس الإنتاج الضخم خلال الحروب.

 

ويشير المركز إلى سبب رابع يتعلق بأولويات الإنفاق داخل البنتاغون، حيث تذهب الحصة الأكبر من الميزانية إلى شراء الطائرات والسفن والدبابات، بينما تحصل الذخائر على تمويل أقل رغم أهميتها في الحروب طويلة الأمد.

 

أما السبب الخامس فهو استمرار العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، سواء ضد الحوثيين أو في دعم العمليات المرتبطة بالحرب بين إسرائيل وحماس، ثم الحرب مع إيران، وهو ما أدى إلى استهلاك واسع للذخائر المتطورة.

 

أما العامل السادس فيرتبط بالمساعدات العسكرية لأوكرانيا، التي لم تكن السبب الرئيسي للأزمة، لكنها أسهمت في استنزاف بعض الأنواع المهمة، خاصة صواريخ "باتريوت" و"أتاكمز" و"HARM" و"ستينغر".

 

إعادة بناء المخزون تحتاج سنوات


وتعمل الإدارة الأمريكية على زيادة إنتاج الذخائر منذ عدة سنوات، مع توسع شركات الصناعات الدفاعية في إنشاء خطوط إنتاج جديدة.

 

وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة تمتلك ذخائر أكثر من أي دولة أخرى، مشيرًا إلى أن شركات الدفاع تنتج حاليًا كميات قياسية وتوسع مصانعها بصورة غير مسبوقة.

 

في المقابل، يؤكد محللون أن المشكلة ليست في التمويل وحده، وإنما في الزمن اللازم لإنتاج الذخائر، إذ تستغرق دورة تصنيع وتسليم العديد من الصواريخ المتطورة ما بين عامين وأربعة أعوام بعد توقيع العقود، وهو ما يعني أن إعادة تكوين المخزونات لن تكون سريعة.