كشفت هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية عن تصاعد الانتهاكات بحق الأسيرات الفلسطينيات داخل معتقل الدامون الإسرائيلي، مؤكدة أن المعتقلات يواجهن أوضاعا معيشية وصحية بالغة القسوة، في ظل نقص الطعام ومستلزمات النظافة واستمرار التضييق عليهن، بينما بلغ عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال نحو 9500 معتقل، بينهم 95 أسيرة و360 طفلا و3324 معتقلا إداريا.

 

وتكشف شهادات وتقارير المؤسسات الفلسطينية أن ما يجري داخل الدامون لا يتعلق بمخالفات فردية أو ظروف احتجاز عارضة، بل بمنظومة متواصلة من الحرمان والعقاب والإهمال، تجعل الاحتجاز نفسه أداة لاستنزاف الأسيرات جسديا ونفسيا، في وقت تستمر فيه الاعتقالات وتتسع أعداد الفلسطينيين المحتجزين دون محاكمة أو عبر إجراءات تفتقر إلى الضمانات القانونية الكافية.

 

الجوع والإهانة داخل الدامون

 

ترسم التقارير الصادرة عن هيئة شؤون الأسرى صورة قاسية للحياة اليومية للأسيرات داخل معتقل الدامون، حيث تتداخل مشكلات نقص الغذاء مع الإهمال الطبي والحرمان من مستلزمات النظافة والقيود المتواصلة المفروضة على الحركة والاحتياجات الأساسية، بما يحول تفاصيل الحياة اليومية إلى وسيلة إضافية للعقاب.

 

وأكدت الهيئة في أحدث تقاريرها أن الأسيرات يتعرضن لانتهاكات متواصلة، في ظل تدهور واضح للأوضاع الصحية والمعيشية وحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية، وهي أوضاع تأتي امتدادا لسلسلة من التقارير التي وثقت خلال الأشهر الماضية استمرار التضييق داخل المعتقل.

 

وفي تقرير سابق صادر في يوليو 2026، وصفت الهيئة واقع الأسيرات في الدامون بأنه مزيج من القهر والجوع والإهانة، مشيرة إلى أن إجراءات العقاب قد تمتد إلى تفاصيل شديدة البساطة، وأن مخالفات مرتبطة بأدوات الطعام أو النظافة يمكن أن تتحول إلى ذريعة لفرض عقوبات جماعية على المعتقلات.

 

وأشارت الهيئة إلى حالات جرى فيها منع الأسيرات من الخروج إلى ساحة المعتقل لفترات ممتدة، بما يعكس طبيعة العقوبات الجماعية المستخدمة داخل السجن، حيث لا يقتصر التضييق على الأسيرة التي تنسب إليها مخالفة، وإنما يمتد في بعض الحالات ليشمل مجموعة كاملة من المعتقلات.

 

ولا تنفصل أزمة الغذاء عن بقية جوانب المعاناة، إذ تتحدث التقارير الفلسطينية عن رداءة الوجبات المقدمة من حيث النوعية والكمية، بينما سبق أن وثقت تقارير عن الدامون تقديم وجبات غير صالحة للاستهلاك في بعض الفترات، إلى جانب الاكتظاظ والإهمال الطبي ونقص الاحتياجات الأساسية.

 

ويمثل الحرمان من أدوات النظافة الشخصية جانبا آخر من الضغط اليومي على الأسيرات، خصوصا في بيئة احتجاز مغلقة تحتاج إلى مستوى مرتفع من الرعاية الصحية والنظافة، بينما يؤدي تقليص المستلزمات الضرورية إلى زيادة احتمالات المشكلات الصحية ومضاعفة الأعباء الجسدية والنفسية على المعتقلات.

 

ولا تبدو هذه الظروف جديدة أو مرتبطة بواقعة منفردة، فقد وثقت هيئة شؤون الأسرى في مايو 2026 أوضاعا وصفتها بالقاسية داخل الدامون، وأشارت إلى زنازين وغرف ضيقة تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية، بالتزامن مع شكاوى من المرض والجوع والإهمال الطبي.

 

إهمال طبي يهدد الأسيرات

 

يتصدر الملف الصحي قائمة المخاطر التي تواجه الأسيرات، إذ تتحدث التقارير الحقوقية الفلسطينية عن حالات مرضية تحتاج إلى متابعة وعلاج مستمرين، بينما تحول ظروف الاعتقال والإجراءات المفروضة داخل السجن دون حصول بعض المعتقلات على مستوى الرعاية الطبية الذي تتطلبه أوضاعهن.

 

ومن بين الحالات التي وثقتها هيئة شؤون الأسرى، حالة الأسيرة الإدارية سهير شريف حسن زعاقيق، التي قالت الهيئة إنها كانت تعاني قبل الاعتقال من مشكلة صحية تحتاج إلى تدخل جراحي، لكنها ظلت تعاني من الإهمال الطبي أثناء احتجازها في الدامون.

 

وتكشف مثل هذه الحالات خطورة الجمع بين الاعتقال والحرمان من العلاج، لأن السجن يصبح بالنسبة للمريضة بيئة يمكن أن تتفاقم فيها الحالة الصحية بسبب ضعف الرعاية أو تأخير الفحوص والإجراءات الطبية الضرورية، وهو ما يضاعف مسؤولية سلطات السجون تجاه حياة المحتجزات.

 

كما أن تردي التغذية يفاقم بدوره المشكلات الصحية، لأن نقص العناصر الغذائية الأساسية لا ينعكس فقط على الوزن والحالة البدنية، وإنما يمكن أن يؤثر في المناعة والقدرة على مقاومة الأمراض وتحمل الظروف النفسية والبدنية المرتبطة بفترات الاحتجاز الطويلة.

 

وتزداد المخاطر في ظل ما توثقه المؤسسات الفلسطينية من اكتظاظ ونقص في مستلزمات النظافة، إذ تتراكم عوامل عديدة في الوقت نفسه، تشمل الغذاء والرعاية الطبية والمساحة المتاحة والحركة والنظافة، لتنتج بيئة احتجاز تمثل تهديدا متواصلا للصحة الجسدية والنفسية.

 

وفي يونيو الماضي، حذرت مؤسسات فلسطينية من ظروف اعتقال النساء، مشيرة إلى اعتقال مئات الفلسطينيات منذ بدء الحرب على قطاع غزة، وبينهن طفلات ومسنات، ما يكشف اتساع نطاق الاستهداف وتأثير الاعتقالات في شرائح اجتماعية وعمرية متعددة.

 

ويمتد أثر هذه الاعتقالات خارج جدران السجون، إذ يؤدي احتجاز النساء إلى تمزيق روابط أسرية وحرمان أطفال من أمهاتهم، فضلا عن الضغوط النفسية التي تتحملها الأسيرة بسبب الانفصال عن أبنائها وعائلتها وعدم قدرتها على متابعة أوضاعهم أثناء فترة الاحتجاز.

 

9500 معتقل خلف القضبان

 

لا يمكن قراءة أوضاع أسيرات الدامون بعيدا عن الصورة الأوسع لملف الأسرى الفلسطينيين، إذ تشير أحدث الأرقام المتداولة عن مؤسسات الأسرى إلى وجود نحو 9500 أسير ومعتقل فلسطيني داخل السجون الإسرائيلية، بينهم آلاف المحتجزين إداريا دون محاكمة جنائية تقليدية.

 

وتشير البيانات إلى وجود 3324 معتقلا إداريا، وهو رقم يكشف حجم الاعتماد الإسرائيلي على الاعتقال الإداري الذي يسمح باحتجاز الفلسطينيين لفترات قابلة للتجديد استنادا إلى ملفات سرية، بما يحرم المعتقل في حالات كثيرة من معرفة الأدلة الكاملة المستخدمة لتبرير استمرار احتجازه.

 

وتتضمن الأرقام كذلك نحو 360 طفلا فلسطينيا خلف القضبان، وهو جانب يضيف بعدا شديد الحساسية إلى ملف الاعتقالات، لأن احتجاز الأطفال يثير تساؤلات تتعلق بالحماية القانونية للقاصرين والآثار النفسية والتعليمية والاجتماعية التي تتركها تجربة السجن عليهم.

 

أما عدد الأسيرات فقد شهد تغيرات خلال الأشهر الأخيرة مع استمرار عمليات الاعتقال والإفراج، لكن التقارير الحديثة تشير إلى نحو 95 أسيرة، بعدما كانت هيئة شؤون الأسرى تتحدث في يوليو عن قرابة 90 أسيرة تعيش ظروفا قاسية داخل منظومة السجون الإسرائيلية.

 

ولا تمثل الأعداد وحدها جوهر الأزمة، لأن خلف كل رقم مسارا إنسانيا وأسرة وحياة توقفت أو تغيرت بفعل الاعتقال، بينما تتفاقم المعاناة حين يقترن الاحتجاز بالتجويع أو الإهمال الطبي أو العقوبات الجماعية أو الحرمان من أبسط احتياجات الحياة اليومية.

 

وتحمل هيئة شؤون الأسرى والمحررين سلطات الاحتلال مسؤولية الأوضاع التي تواجه المعتقلين والأسيرات، وتواصل توثيق الشهادات والحالات الصحية والانتهاكات داخل السجون، في محاولة لإبقاء ملف الأسرى حاضرا أمام المؤسسات الحقوقية والرأي العام الدولي.

 

وتعيد تطورات الدامون طرح السؤال حول حدود الحماية التي توفرها القواعد الدولية للأشخاص المحرومين من حريتهم، فوجود النصوص والاتفاقيات لا يحمل قيمة عملية إذا بقيت شهادات التجويع والإهمال الطبي والعقوبات الجماعية تتكرر من دون مساءلة فعالة أو آليات قادرة على وقفها.

 

وتكشف حالة الأسيرات في النهاية وجها آخر من الكلفة الإنسانية المتواصلة التي يدفعها الفلسطينيون، إذ تنتقل المعاناة من ساحات الحرب والاقتحامات والاعتقالات إلى داخل الزنازين، حيث تتحول وجبة الطعام والعلاج والنظافة وساعات الخروج إلى حقوق يجري الصراع يوميا من أجل الحصول عليها.