أكد وزير العمل حسن رداد، خلال مؤتمر المصريين بالخارج في مصر، أن الدولة تقف خلف أبنائها العاملين خارج البلاد وتحمي حقوقهم وكرامتهم، بينما يضع مؤشر دولي لعام 2026 مصر ضمن أسوأ 10 دول عالميا في حقوق العمال.
وتصطدم هذه الرسالة المطمئنة بواقع مختلف يواجهه عمال داخل البلاد، حيث تتكرر شكاوى تتعلق بالأجور والتنظيم النقابي والفصل والنقل والاحتجاجات، بما يفتح سؤالا مباشرا حول حدود الحماية حين يصبح العامل داخل الحدود المصرية.
وفي المقابل، استعرض رداد منظومة تبدأ بالتدريب المهني وتأهيل الباحثين عن العمل، ثم مراجعة عقود العمالة المسافرة ومراقبة شركات الإلحاق والتوجيه قبل المغادرة، مؤكدا أن الهدف هو توفير مسارات عمل أكثر أمانا للمصريين في الخارج.
ومع ذلك، فإن تقرير الاتحاد الدولي للنقابات لعام 2026 يرسم صورة أشد قتامة للداخل المصري، إذ أبقى مصر ضمن قائمة أسوأ 10 دول في العالم بالنسبة للعاملين، ومنحها تصنيفا يفيد بعدم وجود ضمان فعلي للحقوق.
الحريات النقابية تحت الضغط
وبحسب الاتحاد الدولي للنقابات، واصلت السلطات عرقلة تسجيل النقابات المستقلة، وظلت 14 نقابة على الأقل غير قادرة على العمل خلال 2026، ما يحرم قطاعات من العمال من التمثيل المستقل خارج الهياكل النقابية المعترف بها رسميا.
كما أشار المؤشر إلى فرض متطلبات توثيق معقدة وتأخير أو رفض شهادات التسجيل، إلى جانب استمرار شروط مرتفعة لتأسيس الاتحادات النقابية، بينها اشتراط 15 ألف عضو موزعين على 10 منظمات نقابية، وهو ما وصفه بالشرط غير الواقعي.
ومن ناحية أخرى، يقول الاتحاد إن العاملين الذين يسعون إلى تأسيس نقابات مستقلة أو الدخول في مفاوضات جماعية قد يواجهون الفصل أو النقل، بينما يتعرض ناشطون لخطر الاحتجاز أو الملاحقات بسبب أنشطة مرتبطة بالتنظيم العمالي.
وفوق ذلك، وصف التقرير تدخل الدولة في الانتخابات وإدارة التنظيمات النقابية بأنه واسع ومنهجي، معتبرا أن مناخ الخوف من الانتقام يضعف قدرة العمال على الاعتراض على الممارسات غير العادلة أو ظروف العمل الخطرة.
وفي هذا الإطار، حذر الأمين العام للاتحاد الدولي للنقابات لوك تراينغل من تراجع حقوق العمال عالميا، معتبرا أن حكومات عديدة لا تكتفي بالفشل في حماية العاملين، بل تشارك أحيانا في تقويض حقوقهم وحرياتهم الأساسية.
وبالتالي، تصبح المفارقة واضحة بين حديث رسمي مصري عن صون كرامة العامل في الخارج، وبين تقييم دولي يقول إن العامل داخل البلاد لا يملك ضمانا كافيا لحقوق التنظيم والمفاوضة والإضراب دون احتمالات تعرضه لعواقب وظيفية.
غير أن الاتحاد العام لنقابات عمال مصر يرفض هذه الصورة، ويستند في دفاعه عن أوضاع العمال إلى التشريعات الجديدة وآليات الحوار الاجتماعي وبرامج الحماية، معتبرا أن تقييمات دولية عديدة لا تقدم الصورة الكاملة لسوق العمل المصري.
أجور تتآكل واحتجاجات تتوسع
وفي سياق مواز، يرى كمال عباس المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية أن الحد الأدنى للأجور في مصر لم يعد كافيا لمواجهة تكاليف المعيشة، مؤكدا أن تحسين أوضاع العاملين يرتبط كذلك بحق التنظيم والإضراب والتضامن.
وبحسب عباس، لا يمكن اختزال حقوق العمال في زيادة رقمية للأجر وحدها، لأن قدرة العامل على الدفاع عن حقه والتفاوض الجماعي وامتلاك تنظيم مستقل تمثل عناصر أساسية لأي منظومة حماية يفترض أن تعمل خارج إطار الشعارات الرسمية.
وعلاوة على ذلك، شهدت شركات مياه الشرب والصرف الصحي احتجاجات عمالية للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور وصرف مستحقات تأخرت لسنوات وتثبيت عمال مؤقتين، وهي مطالب وصفتها منظمات حقوقية بأنها حقوق أقرتها الدولة نفسها.
وفي القليوبية، تمكن محصلون وقراء عدادات بعد احتجاجات استمرت شهورا من التوصل إلى اتفاق لتطبيق حد أدنى للأجور بقيمة 8000 جنيه ومنحهم عقودا جديدة تشمل التأمين والحقوق الاجتماعية التي لم يتمتعوا بها سابقا.
ومن ثم، تكشف تلك الوقائع أن بعض الحقوق التي يفترض أن تكون مضمونة بقواعد عامة لا تزال تحتاج في حالات عملية إلى احتجاج وتفاوض طويل حتى تصبح واقعا، وهو ما يضعف صورة الحماية المتكاملة التي تروجها المؤسسات الرسمية.
وفي الوقت نفسه، يؤدي ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية إلى زيادة الضغوط على العاملين، إذ تصبح قيمة الأجر الحقيقية أهم من قيمته الاسمية، بينما يضطر كثيرون إلى البحث عن أعمال إضافية لتغطية النفقات الأساسية.
وبناء على ذلك، يتحول ملف الأجور من قضية مالية داخل الشركات إلى مسألة أوسع تتعلق بقدرة الأسرة على تحمل تكاليف الغذاء والسكن والنقل والتعليم، خصوصا حين تتأخر علاوات أو تظل عقود العاملين هشة لسنوات.
القانون يواجه اختبار التطبيق
أما قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، فقد قدمته الحكومة باعتباره إطارا جديدا لتوسيع الحماية وتنظيم أنماط التشغيل المختلفة، لكن تقييم فاعليته يرتبط بمدى تنفيذ مواده داخل الشركات وليس بمجرد وجود النصوص القانونية.
وفي المقابل، تظل العمالة غير المنتظمة وعمال شركات التوريد من أكثر الفئات تعرضا للهشاشة، بسبب صعوبة إثبات علاقة العمل المباشرة في بعض الحالات، بما قد يعقد الحصول على حقوق مرتبطة بالأجر والتأمين والحماية من الفصل.
كما أن الباحثة والقيادية النقابية فاطمة رمضان دافعت على مدى سنوات عن حق العمال في تأسيس تنظيمات مستقلة تمثلهم فعليا، معتبرة أن غياب التمثيل الحقيقي يضعف قدرتهم على التفاوض بشأن الأجور وظروف العمل وحماية مصالحهم.
وبالمثل، توضح خبرة الحركة النقابية المصرية أن النص القانوني لا يكفي وحده إذا ظل العامل يخشى فقدان وظيفته بسبب المشاركة في احتجاج أو محاولة تأسيس نقابة، لأن الحق الذي يصعب استخدامه يفقد جزءا كبيرا من قيمته العملية.
فضلا عن ذلك، يوثق مؤشر 2026 استمرار مصر منذ سنوات ضمن الدول ذات التقييم الأسوأ لحقوق العمال، إذ حصلت على الدرجة 5 التي تعني عدم ضمان الحقوق، بينما تخصص الدرجة الأعلى للأسواق التي انهارت فيها سيادة القانون.
ومع ذلك، فإن ترتيب مصر رابعا في القائمة المنشورة لا يعني أنها رابع أسوأ دولة عالميا، لأن الاتحاد يعرض أسماء الدول العشر أبجديا ولا يمنح ترتيبا عدديا بينها، وهو فارق مهم عند تناول المؤشر صحفيا.
لذلك، تكمن قوة الانتقاد في التناقض نفسه دون الحاجة إلى تضخيم الرقم، فدولة تقول إنها تضمن كرامة مواطنيها العاملين بالخارج تواجه تقييما دوليا يضعها بالفعل ضمن المجموعة الأسوأ عالميا في حقوق العمال داخل حدودها.
وفي المحصلة، يظل خطاب حسن رداد عن الدولة القوية التي تحمي المصريين في الخارج مطالبا باختبار أكثر صعوبة في الداخل، حيث تصبح الحماية قابلة للقياس بالأجر العادل وحرية التنظيم واستقرار العمل وغياب العقاب بسبب المطالبة بالحقوق.
وأخيرا، فإن معالجة هذه الفجوة لا تبدأ بالمزيد من رسائل الطمأنة للمغتربين وحدهم، بل بضمان أن العامل الذي لم يغادر مصر يستطيع المطالبة بأجره وتنظيم نقابته والاعتراض على ظروفه دون أن تصبح وظيفته أو حريته هي الثمن.

