كشفت تطبيقات وزارة التموين والتجارة الداخلية لمنظومة الخصم المباشر، التي بدأت مطلع أغسطس في مختلف محافظات مصر، عن توقف نحو 1500 مخبز من أصل 26.5 ألف مخبز، فيما يواجه قرابة 4000 مخبز آخر خطر التعثر بسبب المديونيات والحسابات البنكية.

 

وتضع الأزمة آلاف الأسر أمام مخاوف مرتبطة بتوافر الخبز المدعم، بعدما انتقلت مشكلات إدارية ومالية تخص أصحاب المخابز إلى قلب منظومة تمس الغذاء اليومي للملايين، بينما تؤكد الوزارة أن الإجراءات الجديدة تستهدف ضبط الدورة المالية دون الإضرار بالمواطنين.

 

وقبل بدء التنفيذ، اضطرت وزارة التموين إلى تأجيل تطبيق المنظومة من أول يوليو إلى أول أغسطس، بعدما طالب ممثلو المخابز بمهلة إضافية لاستكمال الإجراءات الإدارية وتفعيل الحسابات البنكية، في مؤشر مبكر إلى وجود صعوبات لم تكن محسومة قبل التعميم.

 

ومع دخول القرار حيز التطبيق، كشف مصدر بمجلس إدارة شعبة المخابز أن نحو 1500 مخبز توقفت عن العمل بسبب مشكلات في الحسابات البنكية المسجلة لدى الوزارة، وهي حسابات أصبحت شرطا أساسيا لإتمام التسويات واستمرار الحصول على الدقيق.

 

الحسابات تعطل الأفران

 

وفي هذا السياق، كان رئيس الشعبة العامة للمخابز عبد الله غراب قد طالب قبل التنفيذ بمنح أصحاب المخابز وقتا إضافيا لاستكمال الإجراءات المطلوبة، وهو ما استجابت له الوزارة بتأجيل المنظومة شهرا كاملا قبل بدء تطبيقها إلزاميا.

 

وبحسب غراب، جاءت المهلة لإتاحة الفرصة أمام أصحاب المخابز لتفعيل حساباتهم البنكية وتوفيق أوضاعهم، بما يسمح بتطبيق النظام دون اضطراب في إنتاج وصرف الخبز، لكن توقف مئات الأفران بعد بدء التنفيذ يكشف استمرار جانب من المشكلات.

 

وفي المقابل، ترتبط بعض الحسابات المتوقفة بحجوزات إدارية أو نزاعات ميراث حالت دون استخدامها، وهي مشكلات قديمة لم تكن تمنع المخبز من الاستمرار بالطريقة السابقة، لكنها أصبحت بعد التحول الجديد عقبة مباشرة أمام الحصول على مستلزمات التشغيل.

 

كما أن نسبة المخابز المتوقفة، التي تقترب من 5.7% من إجمالي نحو 26.5 ألف مخبز تمويني، تثير تساؤلات بشأن مدى كفاية فترة توفيق الأوضاع، خصوصا أن الوزارة كانت تعرف مسبقا أن الحساب البنكي عنصر أساسي في النظام.

 

ومن جهة أخرى، تقوم فلسفة الخصم المباشر على إنهاء التعامل بالدقيق باعتباره بضاعة أمانة، والتحول إلى تسويات مالية أكثر سرعة بين هيئة السلع التموينية والمطاحن والمخابز، مع الاعتماد على الحسابات المصرفية بوصفها قناة أساسية لهذه الدورة.

 

وبالتالي، أصبح الخلل المصرفي في حساب صاحب المخبز قادرا على تعطيل منشأة تقدم سلعة شديدة الحساسية، وهو ما ينقل الأزمة من نطاق التسوية المالية إلى نطاق الأمن الغذائي المحلي، خاصة في المناطق التي تعتمد على عدد محدود من الأفران.

 

وعلاوة على ذلك، أكد خالد فكري رئيس شعبة المخابز بالغرفة التجارية بالقاهرة قبل التطبيق أن فترة التأجيل ضرورية بسبب الضغوط التي واجهها أصحاب المخابز وضيق الوقت المتاح لإنهاء إجراءات الحسابات المصرفية المطلوبة للعمل بالنظام الجديد.

وبحسب فكري، كان الهدف من الشهر الإضافي تمكين المخابز من استكمال الإجراءات وتفعيل الحسابات دون التأثير على انتظام إنتاج الخبز، وهو ما يجعل حالات التوقف الحالية مؤشرا يحتاج إلى مراجعة تنفيذية تتجاوز الاكتفاء بالتأكيدات الرسمية السابقة.

 

غير أن فكري شدد كذلك على أن الخصم المباشر يمثل علاقة مالية بين المخابز والمطاحن وهيئة السلع التموينية، ولا يفترض أن يغير سعر الخبز أو وزنه أو حصة المواطن المستفيد من الدعم.

 

لكن الفصل بين المواطن والدورة المالية يصبح نظريا عندما يؤدي تعثر تلك الدورة إلى إغلاق المخبز نفسه، لأن استمرار حصة البطاقة لا يضمن عمليا سهولة الحصول عليها إذا انخفض عدد نقاط الصرف العاملة داخل المنطقة.

 

مديونيات تهدد آلاف المخابز

 

وفي موازاة أزمة الحسابات، يواجه نحو 4000 مخبز بلدي خطر الخروج من منظومة الخبز المدعم بسبب عدم قدرتها على سداد الحد الأدنى من الغرامات والمديونيات المستحقة، ما يوسع نطاق الأزمة المحتملة إلى ما يتجاوز المخابز المتوقفة بالفعل.

 

ومع ذلك، أعلنت وزارة التموين منح المخابز المدينة تيسيرات لسداد مستحقاتها على أقساط، بما يسمح باستمرارها في العمل حاليا، ويؤجل احتمالات خروجها من المنظومة، لكنه لا يلغي المشكلة المالية التي تواجه أصحابها خلال الفترة المقبلة.

 

ومن ثم، تجمع المنظومة الجديدة بين شرط وجود حساب مصرفي فعال وبين التزامات مالية سابقة على آلاف المخابز، وهو ما يجعل قدرة المخبز على البقاء مرتبطة بدرجة متزايدة بسلامة وضعه المالي والإداري وليس بقدرته الإنتاجية فقط.

 

وفي الإطار ذاته، قال خالد صبري سكرتير شعبة المخابز إن تأجيل التنفيذ إلى أغسطس استهدف إتاحة الفرصة لجميع الأطراف لاستكمال الاستعدادات اللازمة، بما يضمن نجاح التطبيق وعدم التأثير على انتظام إنتاج وصرف الخبز المدعم.

 

وبناء على ذلك، فإن ظهور أزمة بهذا الحجم عقب بدء التطبيق يضع معيار نجاح المنظومة تحت الاختبار، لأن الغاية المعلنة كانت منع الارتباك، بينما أصبحت المشكلات البنكية سببا مباشرا في توقف نحو 1500 منشأة تموينية عن العمل.

 

وفوق ذلك، يزداد القلق مع وجود 4000 مخبز تحمل مديونيات وغرامات، إذ يمكن لأي تشدد مستقبلي في إجراءات التحصيل أن يوسع عدد المتعثرين، حتى إذا كانت التيسيرات الحالية قد جنبت تلك المخابز خطر التوقف الفوري.

 

ولهذا، تبدو القضية أبعد من نزاع محاسبي بين الوزارة وأصحاب الأفران، فكل مخبز يخرج من المنظومة يعني ضغطا إضافيا على المخابز المجاورة وزيادة الزحام واحتمالات صعوبة حصول المواطنين على حصصهم في المناطق الأكثر احتياجا.

 

الدعم أمام اختبار التنفيذ

 

وفي الوقت نفسه، يقدم وزير التموين شريف فاروق المنظومة باعتبارها خطوة لإعادة تنظيم العلاقة المالية بين الدولة والمطاحن والمخابز ورفع كفاءة التشغيل، مع التأكيد رسميا على عدم المساس بحق المواطنين في الحصول على الخبز المدعم.

 

كذلك أعلنت الوزارة أن النظام يستهدف إحكام الرقابة وتحسين تسوية المستحقات الخاصة بإنتاج الخبز، وهي أهداف يمكن أن تقلل التعقيدات المالية، لكنها تظل مرهونة بقدرة المخابز الصغيرة على استيفاء الشروط المصرفية والإدارية المطلوبة دون تعطل.

 

وفي المقابل، تكشف واقعة توقف 1500 مخبز أن تحسين الرقابة المالية لا يكفي وحده لضمان استقرار المنظومة، إذا لم تصاحبه آلية استثنائية لمعالجة الحسابات المجمدة والنزاعات القانونية التي لا يستطيع أصحاب بعض المخابز إنهاءها سريعا.

 

فضلا عن ذلك، فإن منح المخابز المدينة مهلة للسداد يمثل اعترافا ضمنيا بأن التطبيق الصارم للالتزامات المالية دفعة واحدة قد يؤدي إلى اضطراب واسع، خاصة عندما يصل عدد المنشآت المعرضة للمشكلة إلى نحو 4000 مخبز تمويني.

 

وفي المحصلة، يظل الاختبار الحقيقي للخصم المباشر مرتبطا بعدد المخابز التي تستطيع الاستمرار فعليا، وليس بسرعة التسويات المصرفية وحدها، لأن أي إصلاح إداري يفقد قيمته حين تصبح نتيجته تقليص منافذ حصول الأسر على الخبز المدعم.

 

وأخيرا، يضع توقف 1500 مخبز وتهديد 4000 أخرى وزارة التموين أمام مسؤولية معالجة آثار نظامها الجديد، قبل تحول ما تصفه بإعادة تنظيم الدورة المالية إلى أزمة أوسع يدفع ثمنها أصحاب المخابز والمواطنون الباحثون عن أبسط احتياجاتهم اليومية.