تشهد الأسواق موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية، بعد زيادة أسعار الخبز السياحي والمكرونة في عدد من المحافظات، بالتزامن مع صعود أسعار الدقيق الحر نتيجة الارتفاع المستمر في أسعار القمح عالميًا، وهو ما يضيف أعباءً جديدة على ملايين الأسر التي تعاني بالفعل من ارتفاع تكاليف المعيشة.
ويأتي هذا الارتفاع في وقت تواجه فيه الأسواق العالمية اضطرابات متزايدة في سلاسل الإمداد، إلى جانب تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة البحر الأسود، التي تعد المصدر الرئيسي لصادرات القمح إلى العديد من الدول، وفي مقدمتها مصر، أكبر مستورد للقمح الروسي في العالم.
قفزة في أسعار القمح العالمية
قال نائب رئيس غرفة صناعة الحبوب باتحاد الصناعات، عبد الغفار السلاموني، إن أسعار القمح العالمية ارتفعت خلال الأسبوعين الماضيين من 217 دولارًا إلى 235 دولارًا للطن، بزيادة بلغت نحو 18 دولارًا للطن، أي ما يعادل 8.3%، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على تكلفة إنتاج الدقيق الحر داخل السوق المصرية.
وأوضح أن الزيادة جاءت نتيجة تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة البحر الأسود، إلى جانب المخاوف المتعلقة بحركة تصدير القمح من كبار المنتجين عالميًا، وهو ما أدى إلى زيادة أسعار الشحن والاستيراد وارتفاع تكلفة الخامات التي تعتمد عليها المطاحن المحلية.
زيادة كبيرة في أسعار الدقيق
بدوره، أكد سكرتير شعبة المخابز باتحاد الغرف التجارية، خالد فكري، أن أسعار الدقيق الحر استخراج 72% ارتفعت بنحو ألفي جنيه للطن خلال أسبوعين فقط، ليتراوح سعر الطن حاليًا بين 19 و20 ألف جنيه، مقارنة بالمستويات السابقة.
وأشار إلى أن هذه الزيادة دفعت عددًا من أصحاب المخابز إلى رفع سعر رغيف الخبز السياحي بنحو 25 قرشًا للرغيف، بما يعادل زيادة تصل إلى 12.5% بالنسبة للرغيف الذي كان يباع بجنيهين، في محاولة لتعويض جزء من ارتفاع تكاليف الإنتاج.
وأضاف أن الخبز السياحي يخضع في الأساس لآليات العرض والطلب، إلا أن وزارة التموين سبق أن حددت أسعارًا استرشادية لعدة أوزان بهدف الحد من المغالاة في الأسعار، لافتًا إلى أن التطورات الأخيرة قد تستدعي إعادة النظر في تلك الأسعار بما يتناسب مع الزيادة الفعلية في تكلفة الإنتاج.
الأسعار الاسترشادية للخبز
وكانت وزارة التموين قد أقرت في أبريل 2024 أسعارًا استرشادية للخبز السياحي، حددت فيها سعر رغيف وزن 80 جرامًا عند 150 قرشًا، ووزن 40 جرامًا عند 75 قرشًا، ووزن 25 جرامًا عند 50 قرشًا، كما حددت أسعار خبز الفينو بواقع 150 قرشًا للرغيف وزن 50 جرامًا، وجنيه واحد للرغيف وزن 35 جرامًا، وذلك بعد موجة ارتفاع سابقة في أسعار الدقيق.
المكرونة تلحق بموجة الارتفاع
وامتدت الزيادات أيضًا إلى أسعار المكرونة، حيث أوضح عضو شعبة مطاحن الدقيق باتحاد الغرف التجارية، محمد شرف، أن أسعار الدقيق ارتفعت بفعل الزيادة المستمرة في أسعار القمح العالمية، إلى جانب اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
وأشار إلى أن السوق المصرية تعتمد بصورة كبيرة على القمح المستورد في إنتاج الدقيق الحر، ما يجعلها أكثر تأثرًا بأي تغيرات في الأسواق الدولية، موضحًا أن سعر طن المكرونة ارتفع إلى نحو 20 ألف جنيه مقابل 19.7 ألف جنيه قبل أسبوعين، بزيادة بلغت 300 جنيه للطن.
وأكد أن هذه الزيادة لا ترتبط بارتفاع الطلب داخل السوق المحلية، وإنما تعود بصورة أساسية إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج والخامات، مشيرًا إلى أن المطاحن لا تزال توفر احتياجات السوق بشكل طبيعي رغم الضغوط الحالية.
اضطرابات البحر الأسود تضغط على الأسواق
وتوقع عضو شعبة مطاحن الدقيق استمرار الأسعار عند مستوياتها الحالية، أو تسجيل زيادات جديدة خلال الفترة المقبلة إذا استمرت أسعار القمح العالمية في الصعود، خاصة مع استمرار الضغوط على حركة التجارة الدولية وارتفاع تكاليف الشحن، مؤكدًا أن تراجع الأسعار مرهون باستقرار الأسواق العالمية وانخفاض تكاليف النقل البحري.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تعرض صادرات القمح الروسية عبر البحر الأسود لضغوط لوجستية متزايدة، بعدما فرضت روسيا قيودًا على نقل الحبوب بالشاحنات إلى ثلاث محطات تصدير رئيسية في مينائي نوفوروسيسك وتامان، بالتزامن مع تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة على مسارات الملاحة في المنطقة.
وتشمل القيود محطتي "NZT" و"KSK" في ميناء نوفوروسيسك، ومحطة "ZTKT" في ميناء تامان، وهي محطات تتجاوز طاقتها السنوية 20 مليون طن، بما يمثل أكثر من 40% من إجمالي صادرات روسيا البحرية من الحبوب، والتي تتجه إلى أسواق رئيسية من بينها مصر وتركيا.
مصر تعتمد بشكل كبير على القمح الروسي
وتعد مصر أكبر مستورد للقمح الروسي، إذ استوردت نحو 4.5 مليون طن خلال النصف الأول من عام 2026، وفق بيانات التجارة الدولية، بينما تعتمد بدرجة كبيرة على إمدادات البحر الأسود لتلبية احتياجاتها من القمح المستخدم في إنتاج الخبز والدقيق.
كما تشير بيانات الموانئ الروسية إلى أن ميناء نوفوروسيسك صدّر إلى مصر نحو 1.5 مليون طن من القمح خلال شهري يناير وفبراير الماضيين، في حين صدّر ميناء تامان نحو 29.3 ألف طن خلال الفترة من الأول من يناير وحتى 26 فبراير.
تحديات الأمن الغذائي
ويعكس الارتفاع الأخير في أسعار الخبز السياحي والمكرونة حجم التأثر الكبير الذي تشهده السوق المحلية بأي تغيرات في أسواق الحبوب العالمية، في ظل الاعتماد الواسع على القمح المستورد لتلبية احتياجات الاستهلاك، وهو ما يجعل الأسعار المحلية مرتبطة بصورة مباشرة بتقلبات الأسواق الدولية وتكاليف الشحن والتوريد.
ويرى مراقبون أن تعزيز الإنتاج الزراعي المحلي وزيادة إنتاج القمح يمثلان أحد المسارات المهمة لتقليل الاعتماد على الاستيراد، بما يسهم في الحد من تأثير الأزمات الخارجية على أسعار الغذاء، بينما يشير آخرون إلى أن ملف الاكتفاء الذاتي يواجه تحديات متعددة تتعلق بالإنتاجية، وإدارة الموارد المائية، والسياسات الزراعية، والاستثمار في دعم المزارعين، وهي عوامل تُطرح باستمرار ضمن النقاش العام حول الأمن الغذائي في مصر.

