كشفت دراسة علمية حديثة أن مشاعر الحزن المرتبطة بفقدان الأبناء لا تقتصر على الإنسان وحده، بل تمتد إلى عدد كبير من أنواع الرئيسيات، حيث أظهرت الأبحاث أن إناث القرود والقردة العليا تستمر في حمل صغارها بعد وفاتهم لأيام أو أسابيع، بل وأحيانًا لأشهر، في سلوك وصفه الباحثون بأنه من أكثر الأدلة وضوحًا على وجود روابط عاطفية عميقة بين الأم ورضيعها لدى هذه الكائنات.

 

وتوصلت الدراسة إلى أن هذا السلوك أكثر انتشارًا مما كان يعتقد العلماء سابقًا، بعدما جمع فريق بحثي دولي أكبر قاعدة بيانات حتى الآن توثق استجابات الأمهات من الرئيسيات لفقدان صغارهن، وهو ما يفتح الباب أمام فهم أوسع لطبيعة المشاعر لدى الحيوانات القريبة وراثيًا من الإنسان.

 

 

أكبر قاعدة بيانات لرصد سلوك الأمهات بعد وفاة الصغار

 

اعتمد الباحثون على تحليل أكثر من 400 حالة موثقة لأمهات رئيسيات تفاعلن مع صغارهن بعد الوفاة، واستندت الدراسة إلى ملاحظات علمية امتدت لأكثر من قرن، وشملت نحو 50 نوعًا مختلفًا من الرئيسيات.

 

وهدفت الدراسة إلى فهم العوامل التي تدفع الأمهات إلى الاستمرار في حمل جثث صغارهن، حيث تبين أن عمر الأم، وعمر الرضيع، وطريقة الوفاة، جميعها عوامل تؤثر بشكل مباشر في مدة احتفاظ الأم بجثة صغيرها بعد وفاته.

 

وأكد الباحثون أن قاعدة البيانات الجديدة تعد الأكبر من نوعها عالميًا لدراسة السلوك المرتبط بالموت لدى الرئيسيات، وتوفر مادة علمية غير مسبوقة لفهم الجوانب النفسية والعاطفية لهذه الحيوانات.

 

 

ظاهرة رصدها العلماء منذ أكثر من 100 عام

 

أشارت الدراسة إلى أن أولى الملاحظات العلمية لهذا السلوك تعود إلى بدايات القرن العشرين، عندما نشر علماء الرئيسيات أوصافًا لحالات حمل الأمهات لصغارهن المتوفين.

 

وفي عام 1915، وثق عالم النفس وعالم الرئيسيات روبرت يركيس حالة لأنثى من قرود المكاك في الأسر حملت صغيرها الميت لمدة خمسة أسابيع كاملة، واعتبر حينها أن هذا السلوك يمثل امتدادًا لغريزة الأمومة.

 

واستعان الباحثون في الدراسة الحالية بجميع التقارير المنشورة بين عامي 1915 و2020، لإجراء مقارنة شاملة بين مختلف الأنواع والظروف التي صاحبت هذه السلوكيات.

 

 

80% من الأنواع تحمل جثث صغارها بعد الوفاة

 

وأظهرت النتائج أن ما يقرب من 80% من الأنواع التي شملتها الدراسة تستمر أمهاتها في حمل جثث الصغار بعد الوفاة، إلا أن الظاهرة كانت أكثر وضوحًا لدى القردة العليا وقرود العالم القديم، وهما المجموعتان الأقرب وراثيًا إلى الإنسان.

 

وأوضح الباحث الرئيسي للدراسة، فيرنانديز-فويو، أن أفراد هاتين المجموعتين لا يحملون صغارهم بعد الوفاة فقط، بل يحتفظون بهم لفترات زمنية أطول مقارنة ببقية أنواع الرئيسيات، وهو ما يعكس قوة العلاقة بين الأم ورضيعها.

 

 

حالات موثقة امتدت لأيام وأسابيع وأشهر

 

استعرضت الدراسة عددًا من الحالات التي وثقها العلماء خلال السنوات الماضية، والتي تكشف مدى تمسك الأمهات بصغارهن حتى بعد الوفاة.

 

ففي مارس 2020، سجل باحثون 12 حالة لإناث قرود برية استمرت في حمل صغارها المتوفين لمدة وصلت إلى عشرة أيام.

 

وفي عام 2017، حملت أنثى من قرود المكاك داخل متنزه للحياة البرية في إيطاليا رضيعها الميت لمدة أربعة أسابيع كاملة، قبل أن تنتهي الحالة بأكل الجثة بعد أن أصبحت محنطة.

 

أما إحدى أكثر الحالات إثارة، فقد سُجلت عام 2003، عندما حملت أمهات اثنين من صغار الشمبانزي جثتيهما لأشهر عدة بعد وفاتهما نتيجة أمراض تنفسية.

 

 

الليمور.. الاستثناء الوحيد في الدراسة

 

ورغم انتشار الظاهرة بين معظم أنواع الرئيسيات، كشفت الدراسة أن حيوان الليمور شكّل استثناءً واضحًا.

 

وأوضح الباحثون أن أمهات الليمور لا يحملن صغارهن بعد الوفاة، إلا أن ذلك لا يعني غياب مشاعر الفقد، إذ تبين أنهن يعبرن عن الحزن بطرق مختلفة، مثل العودة المتكررة إلى مكان الجثة أو إطلاق نداءات التواصل المعتادة بين الأم ورضيعها.

 

ويرجح العلماء أن اختلاف السلوك يعود إلى المسار التطوري للليمور، الذي انفصل عن بقية الرئيسيات منذ أكثر من 60 مليون سنة.

 

 

لماذا تستمر الأمهات في حمل الجثث؟

 

يرى الباحثون أن استمرار الأم في حمل صغيرها بعد الوفاة قد يرتبط بعدة عوامل، أبرزها عدم إدراكها الكامل لحدوث الوفاة، خاصة إذا لم تكن هناك إصابات أو علامات واضحة تشير إلى الموت.

 

كما أظهرت النتائج أن الأمهات الأصغر سنًا والأقل خبرة مع الموت يحتفظن بصغارهن لفترات أطول مقارنة بالإناث الأكبر عمرًا، اللاتي سبق لهن المرور بتجارب مماثلة.

 

وتشير الدراسة أيضًا إلى أن صغار السن جدًا يُحملون لفترات أطول من الصغار الأكبر عمرًا، بسبب قوة الارتباط العاطفي التي تكون في ذروتها خلال المراحل الأولى من الحياة.

 

 

الحزن والقلق من الانفصال.. تفسير علمي للسلوك

 

اقترح الباحثون أن مدة حمل الجثة قد تكون مؤشرًا على قوة العلاقة العاطفية بين الأم ورضيعها، مؤكدين أن الروابط بينهما تتحكم فيها مشاعر معقدة تشبه إلى حد كبير ما يحدث لدى البشر.

 

وأوضح فيرنانديز-فويو أن انفصال الأم عن صغيرها الحي يسبب لها القلق والتوتر، ومن المحتمل أن يمتد هذا الشعور بعد الوفاة، فيدفعها إلى الاستمرار في حمل الجثة لفترات طويلة.

 

كما لاحظ العلماء أن بعض الأمهات تطلق نداءات إنذار عند فقدان الجثة أو إذا انتزعها منها باحثون أو حيوانات أخرى، وهو ما يشير إلى أن حمل الجثة قد يمثل وسيلة للتخفيف من الضغوط النفسية الناتجة عن الفقد.

 

 

تشابه متزايد بين مشاعر الإنسان والرئيسيات

 

يرى معدو الدراسة أن النتائج تضيف دليلًا جديدًا على التشابه الكبير بين الإنسان والرئيسيات في الجوانب الاجتماعية والعاطفية، مؤكدين أن الحزن قد لا يكون شعورًا إنسانيًا خالصًا، بل تجربة تطورية مشتركة بين عدد من الكائنات.

 

وشدد الباحثون على أن فهم سلوكيات الموت لدى الرئيسيات لا يزال بحاجة إلى المزيد من الدراسات، لمعرفة ما إذا كانت هذه التصرفات تعكس مجرد قوة الروابط الاجتماعية، أم أنها تمثل بالفعل أشكالًا من المشاعر المعقدة المشابهة للحزن الإنساني.

 

وتفتح هذه النتائج آفاقًا جديدة أمام العلماء لفهم تطور العواطف عبر ملايين السنين، وكيف تشكلت الروابط الأسرية والسلوكيات المرتبطة بالفقد لدى الكائنات الحية، بما يعزز الفرضية القائلة إن الحزن ليس حكرًا على البشر، بل هو جزء من الإرث التطوري المشترك بين الإنسان وأقرب أقربائه في عالم الحيوان.