يرى الكاتب جيمس كلير أن أقوى حيلة لزيادة الإنتاجية قد تكون ببساطة أن تتعلم قول «لا». فعدم القيام بشيء سيكون دائمًا أسرع من القيام به، وهي الفكرة التي تذكّر بمقولة قديمة في برمجة الحاسوب مفادها أن أسرع كود هو الكود الذي لا وجود له أصلًا. وينطبق المبدأ نفسه على جوانب أخرى من الحياة؛ فلا اجتماع يمكن أن يكون أسرع من اجتماع لا يُعقد من الأساس.

 

ويطرح موقع جيمس كلير هذه الفكرة في مقال يناقش العلاقة بين قول «نعم» وقول «لا»، موضحًا أن كثيرًا من الناس يوافقون على أمور لا يريدون فعلها فعلًا، سواء كانت اجتماعات غير ضرورية أو التزامات أو مهامًا كان يمكن الاستغناء عنها. ومع تراكم هذه الموافقات، يجد الشخص نفسه مثقلًا بقائمة طويلة من المهام، ثم يشعر بالإحباط بسبب التزاماته رغم أنه هو من وافق عليها في البداية.

 

لذلك، يستحق الأمر أن نسأل أنفسنا: هل ما نوافق عليه ضروري فعلًا؟ فكثير من الأشياء ليست كذلك، وقد يكون قول «لا» البسيط أكثر إنتاجية من أي جهد يمكن أن يبذله أكثر الأشخاص كفاءة.

 

لكن إذا كانت فوائد قول «لا» واضحة إلى هذا الحد، فلماذا نقول «نعم» بهذه السهولة؟

 

 

لماذا نقول «نعم» رغم أننا لا نريد ذلك؟

 

نوافق على طلبات كثيرة ليس لأننا نرغب في تنفيذها، وإنما لأننا لا نريد أن يرانا الآخرون أشخاصًا فظين أو متكبرين أو غير متعاونين. وغالبًا ما يتعين علينا التفكير في رفض شخص سنستمر في التعامل معه مستقبلًا، سواء كان زميلًا في العمل أو شريك الحياة أو أحد أفراد الأسرة أو الأصدقاء.

 

وقد يصعب قول «لا» لهؤلاء الأشخاص تحديدًا لأننا نحبهم ونرغب في دعمهم، فضلًا عن أننا قد نحتاج إلى مساعدتهم نحن أيضًا. ويشكل التعاون مع الآخرين عنصرًا مهمًا في الحياة، ولذلك قد يبدو الحفاظ على العلاقة أهم من الالتزام بالوقت والطاقة اللذين يتطلبهما الطلب.

 

ولهذا السبب، قد يكون من المفيد أن يأتي الرفض بأسلوب مهذب. افعل ما تستطيع من أجل الآخرين، لكن عندما تضطر إلى قول «لا»، فليكن ردك دافئًا وواضحًا ومباشرًا.

 

ومع ذلك، حتى بعد مراعاة هذه الاعتبارات الاجتماعية، يظل كثيرون منا سيئين في إدارة المفاضلة بين «نعم» و«لا». فنجد أنفسنا ملتزمين بأمور لا تحسن حياة من حولنا ولا تقدم لهم دعمًا حقيقيًا، وبالتأكيد لا تجعل حياتنا نحن أفضل.

 

وربما تكمن إحدى المشكلات في الطريقة التي ننظر بها إلى معنى «نعم» و«لا».

 

 

الفرق بين «نعم» و«لا» وأثرهما في الوقت

 

تُستخدم كلمتا «نعم» و«لا» في مقابل بعضهما بعضًا كثيرًا، حتى يبدو وكأن لهما الوزن نفسه في الحوار. لكنهما في الواقع لا تختلفان في المعنى فحسب، بل تختلفان جذريًا في حجم الالتزام الذي تنطوي عليه كل منهما.

 

عندما تقول «لا»، فأنت ترفض خيارًا واحدًا فقط. أما عندما تقول «نعم»، فأنت في الوقت نفسه ترفض جميع الخيارات الأخرى.

 

ويستشهد كلير بالطريقة التي عبّر بها الاقتصادي تيم هارفورد عن هذه الفكرة، إذ قال إننا كلما وافقنا على طلب، فإننا نقول في الوقت نفسه «لا» لأي شيء آخر كان بإمكاننا إنجازه خلال الوقت نفسه. وبمجرد أن تلتزم بشيء ما، تكون قد قررت بالفعل كيف ستقضي تلك المساحة من وقتك في المستقبل.

 

بمعنى آخر، يوفر لك قول «لا» وقتًا في المستقبل، بينما يكلفك قول «نعم» وقتًا في المستقبل.

 

ويشبه كلير «لا» برصيد من الوقت؛ فأنت تحتفظ بالقدرة على إنفاق وقتك المستقبلي بالطريقة التي تريدها. أما «نعم» فتشبه دينًا من الوقت، إذ يتعين عليك في مرحلة ما أن تفي بالتزامك.

 

«لا» قرار، بينما «نعم» مسؤولية.

 

ولا يُنظر إلى قول «لا» دائمًا باعتباره خيارًا متاحًا للجميع. فمن الأسهل رفض الفرص عندما يمتلك الشخص شبكة أمان توفرها له السلطة أو المال أو النفوذ. لكن قول «لا» ليس امتيازًا محصورًا في الناجحين، بل يمكن أن يكون أيضًا استراتيجية تساعدك على أن تصبح ناجحًا.

 

ويُعد تعلم قول «لا» مهارة مهمة في أي مرحلة مهنية، لأنه يحافظ على أهم أصل في الحياة: الوقت. وكما يقول المستثمر بيدرو سورينتينو: «إذا لم تحرس وقتك، فسيسرقه الآخرون منك».

 

لذلك، عليك أن تقول «لا» لكل ما لا يقودك نحو أهدافك، وأن تقول «لا» للمشتتات. ونقل أحد القراء إلى كلير فكرة مفادها أنه إذا وسعنا تعريف «لا» وطريقة تطبيقه، فإنه يصبح في النهاية حيلة الإنتاجية الوحيدة، لأنك تقول «لا» لكل مشتت يحول بينك وبين الإنتاجية.

 

ولم يجسد ستيف جوبز هذه الفكرة بصورة أفضل، إذ أوضح أن التركيز لا يعني أن تقول «نعم» للشيء الذي قررت التركيز عليه فقط، وإنما يعني أن تقول «لا» لمئة فكرة جيدة أخرى. وعليك أن تختار بعناية.

 

ومع ذلك، توجد هنا نقطة توازن مهمة. فقول «لا» لا يعني أنك لن تفعل شيئًا مثيرًا للاهتمام أو مبتكرًا أو عفويًا. بل يعني أنك تقول «نعم» بطريقة مركزة. وبعد التخلص من المشتتات، قد يصبح من المنطقي قبول فرصة يمكن أن تدفعك في الاتجاه الصحيح.

 

وقد تحتاج إلى تجربة أشياء كثيرة حتى تكتشف ما ينجح وما تستمتع به، ويمكن أن تكون هذه المرحلة الاستكشافية مهمة خصوصًا في بداية مشروع أو وظيفة أو مسار مهني.

 

 

كيف تطور قدرتك على قول «لا»؟

 

مع مرور الوقت واستمرارك في التطور والنجاح، تحتاج استراتيجيتك إلى التغير أيضًا.

 

فكلما زاد نجاحك، ارتفعت تكلفة الفرصة البديلة لوقتك. وفي البداية، قد تكتفي بالتخلص من المشتتات الواضحة واستكشاف بقية الخيارات. لكن مع تطور مهاراتك وقدرتك على التمييز بين ما ينجح وما لا ينجح، عليك أن ترفع باستمرار الحد الذي عنده توافق على شيء ما.

 

ولا يزال عليك أن تقول «لا» للمشتتات، لكنك تحتاج أيضًا إلى تعلم رفض فرص كانت في السابق استخدامًا جيدًا لوقتك، حتى تفسح المجال أمام الاستخدامات الأفضل لوقتك.

 

إنها مشكلة جيدة، لكنها قد تكون مهارة صعبة الإتقان.

 

بعبارة أخرى، عليك أن تطور كلمة «لا» الخاصة بك مع مرور الوقت.

 

ولا يعني تطوير قدرتك على قول «لا» أنك لن تقول «نعم» أبدًا، بل يعني أن يكون رفضك هو الخيار الافتراضي، وألا تقول «نعم» إلا عندما يكون ذلك منطقيًا فعلًا. ويقتبس كلير هنا من المستثمر برنت بيشور قوله إن قوة «لا» تكمن في أنها تحافظ على فرصة قول «نعم».

 

ويبدو أن المسار العام يسير على النحو التالي: إذا تعلمت أن تقول «لا» للمشتتات السيئة، فسوف تكسب في النهاية الحق في أن تقول «لا» للفرص الجيدة.

 

وربما يقول معظمنا «نعم» بسرعة أكبر مما ينبغي، ويتأخر كثيرًا في قول «لا». لذلك، من المفيد أن تسأل نفسك أين تقف على هذا الطيف.

 

وإذا كنت تجد صعوبة في الرفض، فقد تساعدك الاستراتيجية التي اقترحها الاقتصادي البريطاني تيم هارفورد. فهو يقترح أن تسأل نفسك: «لو كان عليّ تنفيذ هذا الأمر اليوم، فهل كنت سأوافق عليه؟» وهي قاعدة عملية معقولة، لأن أي التزام مستقبلي، مهما كان موعده بعيدًا، سيصبح في النهاية مشكلة حاضرة يتعين التعامل معها.

 

إذا كانت الفرصة مثيرة بما يكفي لكي تتخلى عن كل ما تفعله الآن من أجلها، فربما تكون الإجابة «نعم». أما إذا لم تكن كذلك، فقد يكون من الأفضل أن تفكر مرتين.

 

ومن المستحيل أن تتذكر طرح هذه الأسئلة على نفسك في كل مرة تواجه فيها قرارًا، لكنها تظل ممارسة مفيدة تعود إليها من وقت لآخر. وقد يكون قول «لا» صعبًا، لكنه غالبًا أسهل من البديل. وكما أشار الكاتب مايك داريانو، فإن تجنب الالتزامات أسهل من محاولة التخلص منها بعد قبولها، لأن قول «لا» يبقيك في الجانب الأسهل من هذه المعادلة.

 

وكما هي الحال مع الصحة، تنطبق الفكرة نفسها على الإنتاجية: الوقاية أسهل من العلاج.

 

ويهدر الناس جهدًا أكبر في إنجاز أمور لا أهمية لها مقارنة بالجهد الذي يهدرونه بسبب ضعف الكفاءة في تنفيذ الأمور المهمة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن التخلص من المهام غير الضرورية يصبح مهارة أكثر فائدة من تحسين طريقة تنفيذها.

 

ويستحضر كلير في هذا السياق مقولة بيتر دراكر الشهيرة: «لا شيء أكثر عدمًا للفائدة من أن تنجز بكفاءة ما كان ينبغي ألا تفعله أصلًا».

 

ويخلص كلير إلى أن الإنتاجية لا تتعلق فقط بإنجاز المزيد، وإنما بمعرفة ما الذي لا يستحق أن تنفق وقتك عليه. فإلغاء ما لا يهم قد يكون أكثر قيمة من محاولة تنفيذ كل شيء بأقصى قدر من الكفاءة.

 

والهدف ليس أن تتحول كلمة «لا» إلى رفض دائم للحياة أو للفرص، وإنما أن تحمي بها وقتك وطاقتك، حتى يصبح بإمكانك قول «نعم» بتركيز أكبر للأشياء التي تستحق فعلًا.

 

وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بعدد الأشياء التي تستطيع إنجازها، بل بقدرتك على اختيار الأشياء التي تستحق وقتك من الأساس.

 

https://jamesclear.com/saying-no