وثق مقطع فيديو متداول على منصات التواصل الاجتماعي اللحظات المرعبة لانهيار ثلجي ضرب مجموعة من متسلقي جبل برود بيك في سلسلة كاراكورام بباكستان، وأودى بحياة متسلقين بينهم العُمانية نظيرة الحارثي، أول امرأة من سلطنة عُمان تصل إلى قمة إيفرست، وسط عمليات بحث وإنقاذ واجهت طقسًا شديد القسوة.
🔴: تحديث بخصوص الحادثة الاكثر رعب هذي الايام واللي توفت فيها المتسلقة العمانية نظيرة احمد الحارثي
— MOATH | معاذ (@M0ATH) August 1, 2026
قبل يومين شهد جبل برود بيك "Broad Peak" في سلسلة كاراكورام بباكستان وقوع انهيار جليدي وهذا الانهيار ضرب فريق من المتسلقين على ارتفاع يقارب 6600 متر…
كان عدد المتسلقين الموجودين… https://t.co/Bew0eDHMpq pic.twitter.com/5BZHsKzqoo
وأعاد الفيديو القصير المأساة إلى الواجهة، بعدما أظهر كتلة ضخمة من الثلوج تهبط بسرعة هائلة من أعلى الجبل نحو السفح، في مشهد بدا كأنه «إعصار أبيض» يكتسح مساره، بينما أثار رحيل الحارثي موجة حزن واسعة في سلطنة عُمان وبين مجتمع متسلقي الجبال.
ثوان تحولت إلى كارثة
لا تتجاوز مدة المشاهد المتداولة ثواني قليلة، لكنها تكشف حجم القوة التي يمكن أن يحملها الانهيار الثلجي في الارتفاعات الشاهقة، إذ اندفعت الثلوج بكثافة شديدة، قبل أن تغطي أجزاء واسعة من المنحدر الذي كانت توجد فيه مجموعة من المتسلقين.
وجاء الحادث على جبل برود بيك، الذي يبلغ ارتفاعه نحو 8047 مترًا ويعد من أعلى قمم العالم، في منطقة جيلجيت بلتستان الباكستانية، حيث كانت فرق دولية من المتسلقين تحاول استكمال رحلاتها وسط ظروف جوية شديدة التعقيد.
وشملت قائمة المتضررين متسلقين من جنسيات مختلفة، فيما أكدت تقارير وفاة نظيرة الحارثي والمتسلق النيبالي بور بهادور جورونج، بينما استمرت عمليات البحث عن آخرين في المنطقة التي ضربها الانهيار.
كما ارتبط الحادث باسم متسلق الجبال النيبالي البريطاني الشهير نيرمال بورجا، أحد أبرز الأسماء العالمية في رياضة تسلق القمم الشاهقة، وسط تقارير لاحقة تحدثت عن مقتله في الكارثة، بعد أن ظل مدرجًا في البداية بين المفقودين.
وأدت الرياح الشديدة وتساقط الثلوج وصعوبة التضاريس إلى تعطيل جانب من جهود الإنقاذ، واضطرت الفرق إلى تعليق بعض العمليات قبل استئنافها لاحقًا بمشاركة الجيش الباكستاني وفرق إنقاذ تعمل على ارتفاعات شاهقة وطائرات ومعدات استطلاع.
وتعكس صعوبة الوصول إلى موقع الانهيار واحدًا من أكثر الجوانب قسوة في حوادث الجبال المرتفعة، إذ لا تتوقف المخاطر عند لحظة وقوع الكارثة، بل تمتد إلى رجال الإنقاذ أنفسهم بسبب احتمالات الانهيارات الجديدة وسوء الرؤية وانخفاض درجات الحرارة.
رحلة عُمانية استثنائية
ولدت نظيرة أحمد الحارثي في 21 نوفمبر 1977، وعملت في وزارة التربية والتعليم العُمانية، بعد حصولها على بكالوريوس التربية ثم درجة الماجستير في الدراسات الجغرافية من جامعة السلطان قابوس، قبل أن يتحول تسلق الجبال إلى فصل بارز في مسيرتها.
وصنعت الحارثي اسمها عربيًا ودوليًا بعدما أصبحت أول امرأة عُمانية تصل إلى قمة جبل إيفرست، أعلى قمة على سطح الأرض، لتتحول تجربتها إلى واحدة من أبرز قصص المغامرة النسائية في سلطنة عُمان والمنطقة العربية.
ولم تتوقف مسيرتها عند إيفرست، إذ أصبحت عام 2021 أول امرأة عربية تصل إلى قمة أما دابلام في جبال الهيمالايا، وهي قمة شهيرة بصعوبة مساراتها الفنية وانحداراتها الحادة، ما عزز حضورها داخل مجتمع تسلق الجبال.
كما رفعت العلم العُماني فوق قمة ماناسلو، ثامن أعلى جبل في العالم، واستمرت في تحدي سلسلة من القمم التي تتطلب مستويات استثنائية من اللياقة والخبرة والقدرة على التعامل مع نقص الأكسجين والظروف الجوية المتغيرة.
وفي عام 2022 حققت إنجازًا جديدًا بصعود جبل كي 2، ثاني أعلى قمة في العالم وأحد أكثر الجبال خطورة على المتسلقين، إذ تشتهر طرقه بالانحدار الشديد والانهيارات الثلجية والتغيرات الجوية المفاجئة.
ثم واصلت الحارثي رحلتها في صيف 2024 بالصعود إلى جبل نانغا باربات في باكستان، المعروف تاريخيًا باسم «الجبل القاتل»، لتصبح أول عُمانية تحقق هذا الإنجاز وتضيف محطة جديدة إلى سجلها في تسلق المرتفعات.
وارتبط اسم الحارثي طوال سنوات بصور العلم العُماني فوق القمم الكبرى، وبمحاولات تجاوز الحواجز التقليدية أمام مشاركة النساء العربيات في رياضات المغامرة، وهو ما منح خبر وفاتها صدى يتجاوز حدود مجتمع متسلقي الجبال.
برود بيك يكتب النهاية
ويعد برود بيك واحدًا من قمم سلسلة كاراكورام الواقعة بين باكستان والصين، ويأتي ضمن مجموعة الجبال التي يزيد ارتفاعها على 8000 متر، وهي القمم التي تمثل أعلى درجات التحدي والخطورة في عالم التسلق الاحترافي.
ولا تعني الخبرة الكبيرة ضمان السلامة على هذه الارتفاعات، إذ يمكن لانهيار ثلجي واحد أو تغير سريع في الطقس أن يحاصر المتسلقين خلال ثوان، حتى مع وجود التجهيزات الحديثة وخطط الطوارئ وخبرات تمتد إلى سنوات طويلة.
وفي حالة الحارثي ورفاقها، جاءت الكارثة خلال رحلة تضم أسماء تملك خبرة واسعة في الجبال، ما يبرز الطبيعة غير القابلة للتنبؤ بالمخاطر التي تحيط بقمم كاراكورام، خصوصًا عند الارتفاعات التي تتجاوز 7000 و8000 متر.
وأظهرت عمليات البحث مدى تعقيد الموقف، إذ استخدمت فرق الإنقاذ وسائل جوية وبرية، بينما أعاقت الأحوال الجوية والطبيعة الخطرة للموقع الوصول السريع إلى جميع المفقودين وانتشال الجثامين التي رُصد بعضها في منطقة الانهيار.
ومع انتشار فيديو الانهيار، تحولت الثواني المصورة إلى الشاهد الأبرز على النهاية المأساوية لرحلة بدأت قبل سنوات من جبال عُمان، وعبرت إيفرست وكي 2 ونانغا باربات، قبل أن تتوقف على أحد أخطر مرتفعات باكستان.
ويترك رحيل نظيرة الحارثي وراءه سجلًا من الإنجازات التي جعلتها واحدة من أشهر متسلقات الجبال العربيات، فيما سيظل مشهد الانهيار على برود بيك شاهدًا قاسيًا على المسافة القصيرة التي تفصل في عالم القمم بين تحقيق إنجاز جديد ووقوع كارثة قاتلة.

