انتشلت قوات الحماية المدنية 4 جثامين، بينهم سيدة و3 رجال، من أسفل أنقاض عقار انهار بشارع محمد أبو الخير المتفرع من شارع فلسطين بمدينة زفتى في الغربية، فيما تواصلت أعمال رفع الأنقاض ومعاينة المباني المحيطة.
ويعيد سقوط العقار بهذه الحصيلة المأساوية فتح ملف الرقابة على المباني القديمة في مصر، حيث تتكرر الكارثة ثم تصل اللجان والمسؤولون بعد سقوط الضحايا، بينما يبقى السؤال معلقا حول الفحص الوقائي وقدرة المحليات على اكتشاف الخطر قبل الانهيار.
وبحسب أحدث المعلومات، انتقل محافظ الغربية علاء عبد المعطي إلى موقع الحادث، وتابع عمليات البحث والإنقاذ، بينما دفعت الأجهزة التنفيذية والحماية المدنية والإسعاف بمعداتها إلى المنطقة، وفرضت طوقا لتأمين السكان والمارة ومنع الاقتراب من الأنقاض.
وفي الوقت نفسه، وجه المحافظ بتشكيل لجنة هندسية عاجلة لمعاينة العقار المنهار والمباني المجاورة، وتحديد أسباب الحادث ومدى تأثر المنطقة المحيطة، بينما لم تعلن حتى الآن نتيجة فنية نهائية تحسم السبب المباشر وراء الانهيار.
وعلى الجانب الآخر، ارتفعت الحصيلة من الحديث الأولي عن انتشال أشخاص من تحت الأنقاض إلى تأكيد وفاة 4 مواطنين، ما جعل الحادث واحدا من أحدث الانهيارات العقارية الدامية التي شهدتها المحافظات المصرية خلال العام الجاري.
ومع غياب نتيجة التحقيق الفني، يبقى من المبكر نسبة انهيار عقار زفتى إلى سبب بعينه، إذ تشمل الاحتمالات الهندسية المعتادة ضعف العناصر الإنشائية، وتسرب المياه، والتعديلات غير المدروسة، وغياب الصيانة، أو مشكلات التربة والأساسات.
حوادث تتكرر بلا توقف
وقبل زفتى بأيام، انهار في 31 يوليو منزل مكون من 3 طوابق بقرية جصفا التابعة لمركز ميت غمر بالدقهلية، ووثقت مقاطع مصورة لحظة سقوطه وسط صرخات الأهالي، الذين أثار بعضهم مخاوف بشأن تسربات الصرف الصحي.
وفي 19 يوليو، شهدت قرية المحروسة بمركز قنا انهيارا جزئيا لمنزل مأهول بالسكان مكون من طابقين ومبني بالطوب اللبن، لكن الحادث مر دون خسائر بشرية، فيما فرضت الأجهزة المختصة طوقا أمنيا وبدأت التحقيق في ملابساته.
وقبلها في 9 يوليو، انهار منزل من 3 طوابق يضم 12 شقة بمنطقة حلمية الزيتون في القاهرة، واضطرت الأجهزة التنفيذية إلى إخلائه وفرض طوق أمني، مع تشكيل لجنة لفحص تأثير الانهيار على العقارات المحيطة.
وفي 30 يونيو، تسبب حريق داخل ورشة أخشاب في انهيار عقار من 4 طوابق بمنشأة ناصر في القاهرة، ما أسفر عن وفاة شخص وإصابة 7 آخرين، واضطرت المحافظة إلى توفير مساكن بديلة لسبع أسر متضررة.
وفي بداية العام، شهدت منطقة محرم بك بالإسكندرية في 30 يناير سقوط أجزاء من عقار قديم، ما أدى إلى وفاة شاب يبلغ 19 عاما تصادف مروره أسفله، رغم صدور قرار بترميم المبنى منذ عام 1997.
وبالتالي، ترسم تلك الوقائع مسارا متكررا لانهيارات تتنوع أسبابها ونتائجها، لكنها تنتهي غالبا بالمشهد نفسه، سيارات إسعاف وحماية مدنية ولجان هندسية وقرارات عاجلة، بعد أن يكون الخطر قد تحول بالفعل إلى أنقاض وضحايا وأسر مشردة.
وفي تفسير جذور المشكلة، حذر أستاذ الهندسة الإنشائية محمد نجيب أبو زيد من أن انهيارات العقارات ترتبط بتراكمات تشمل مخالفات البناء وغياب الصيانة والرطوبة وصدأ حديد التسليح، بما يؤدي تدريجيا إلى إضعاف الهياكل الخرسانية.
كما أوضح أبو زيد أن الانهيار لا يحدث بصورة مفاجئة في أغلب الحالات، وإنما تسبقه مؤشرات مثل الشروخ والانحناءات والهبوط، وهو ما يجعل الفحص الدوري والتدخل المبكر عاملين حاسمين قبل وصول المبنى إلى مرحلة الخطر.
أسباب تبدأ تحت الأرض
ومن زاوية أخرى، سبق لرئيس المركز الهندسي بكلية الهندسة في جامعة الإسكندرية حمدي سيف التحذير من خطورة تسرب المياه إلى التربة أسفل العقارات، باعتباره عاملا يمكن أن يؤدي إلى تآكل التربة والتأثير على استقرار المباني.
وبحسب سيف، فإن انفجار مواسير المياه أو الصرف الصحي المدفونة قد يسبب تسربا مستمرا يؤثر على التربة أسفل الأساسات، بينما يمكن أن تتطور المشكلة بعيدا عن أعين السكان حتى تظهر شروخ أو هبوط أو انهيار.
ومن ثم، لا يكفي في حادث زفتى فحص حطام المبنى وحده، إذ يفترض أن تمتد المعاينة الفنية إلى التربة وشبكات المياه والصرف والأساسات والعقارات الملاصقة، مع مراجعة تاريخ المبنى وأي تعديلات إنشائية أجريت عليه سابقا.
وفوق ذلك، تصبح معرفة ما إذا كان العقار قد صدر بشأنه قرار ترميم أو إزالة أو تنكيس مسألة جوهرية في تحديد المسؤولية، خاصة بعدما كشفت حوادث سابقة عن سقوط مبان كانت قرارات هندسية بشأنها قائمة منذ سنوات.
وفي هذا السياق، يمثل حادث محرم بك مثالا واضحا على الفجوة بين القرار والتنفيذ، إذ كان العقار الذي قتل سقوط أجزاء منه شابا مطلع العام صادرا بشأنه قرار ترميم يعود إلى عام 1997 قبل وقوع الحادث.
وعلاوة على ذلك، تؤكد الوقائع الحديثة أن الخطر لا يقتصر على المباني شديدة القدم، لأن الحريق والتعديلات الإنشائية والإهمال وتسرب المياه والأحمال الزائدة كلها عوامل يمكن أن تغير سلامة المبنى وتفرض إعادة تقييم حالته بصورة دورية.
الرقابة قبل سقوط المباني
وفي قراءة لأزمة الرقابة، يرى تامر حنفي سيد، عضو هيئة التدريس بكلية الهندسة في جامعة عين شمس واستشاري الأعمال الإنشائية، أن جانبا من انهيارات العقارات يرتبط بالبناء دون دراسات كافية وضعف الإشراف الهندسي والرقابة المحلية.
وبحسب حنفي، تتفاقم الخطورة في المناطق التي تشهد إضافة طوابق مخالفة أو تعديلات غير محسوبة، لأن الأحمال الجديدة قد تتجاوز قدرة النظام الإنشائي الأصلي، بينما يفتقر بعض الملاك إلى المعرفة بالمؤشرات التي تكشف تدهور المبنى.
وبناء على ذلك، لا تبدو الاستجابة بعد انهيار عقار زفتى كافية وحدها، إذ تفرض الحوادث المتقاربة سؤالا بشأن وجود قاعدة حصر محدثة للمباني الخطرة، ومدى متابعة قرارات الترميم والإزالة، ومن يتحمل مسؤولية التأخر في تنفيذها.
وفي المقابل، تظهر تجربة منشأة ناصر أن توفير سكن بديل يمكن أن يحمي الأسر بعد الكارثة، لكنه لا يعالج جذور المشكلة إذا ظلت عمليات رصد المباني المهددة مرتبطة بالبلاغات أو الحوادث بدلا من برامج فحص استباقية.
كذلك أقر رئيس صندوق التنمية الحضرية خالد صديق في فبراير بأن بعض الوحدات السكنية التي أنشئت سابقا لإعادة تسكين متضررين تحولت بعد سنوات إلى مبان آيلة للسقوط بسبب غياب رؤية مستدامة للصيانة والإدارة والتشغيل.
ولهذا، تكشف تصريحات صديق أن المشكلة لا تنتهي ببناء مساكن جديدة أو نقل السكان، بل تمتد إلى إدارة العقار وصيانته طوال عمره، وهو ملف تصبح كلفته البشرية أكبر عندما تتأخر المعالجة حتى تظهر علامات الانهيار.
وفي المحصلة، تضع وفاة 4 مواطنين في زفتى السلطات أمام اختبار يتجاوز رفع الأنقاض وتشكيل لجنة جديدة، إلى إعلان سبب الانهيار ومراجعة العقارات المحيطة وكشف أي قرارات سابقة تخص المبنى وتحديد المسؤولية حال ثبوت التقصير.
وأخيرا، فإن توالي حوادث محرم بك ومنشأة ناصر وحلمية الزيتون وقنا وجصفا ثم زفتى خلال 2026 يجعل التعامل مع كل انهيار باعتباره واقعة منفردة أمرا قاصرا، بينما المطلوب رقابة تسبق سيارات الإسعاف ولا تصل بعدها.

