كشف مزارعون ونواب أن جمعيات زراعية في محافظات مصرية أوقفت خلال الأسابيع الأخيرة تفعيل بطاقات صرف الأسمدة المدعمة لمحاصيل الأشجار، بما يهدد نحو 2٫3 مليون فدان بساتين ويضاعف تكاليف الإنتاج وخسائر صغار الفلاحين.
وتأتي الأزمة في ظل سلطة ترفع شعارات دعم الزراعة والصادرات، بينما تترك الفلاح بين تعليمات شفهية غامضة وسوق حرة ملتهبة، بما يحول الأمن الغذائي إلى ملف مرتبك يدفع ثمنه المنتج والمستهلك معاً.
تعليمات بلا قرار
بداية، أكد أصحاب بساتين أن مسؤولي جمعيات امتنعوا عن تفعيل بطاقات الفلاح لمحاصيل الأشجار من دون إبراز قرار وزاري مكتوب، مكتفين بالإشارة إلى تعليمات شفهية أرجأت الصرف وفتحت الباب أمام تضارب واسع في التفسير.
وفي المقابل، نفت جهات زراعية وجود قرار شامل بإلغاء الدعم، لكنها لم تقدم بياناً واضحاً يفسر اختلاف التطبيق بين الجمعيات والمحافظات، أو يحدد بدقة الفئات الموقوفة والمدة والأساس القانوني الحاكم للإجراء.
كما أن توقيت التعطيل يضاعف خطورته، لأن أشجار الموالح والمانجو والزيتون والنخيل تمر بمراحل نمو وتكوين ثمار تحتاج إلى برنامج تسميد منتظم، وأي نقص مفاجئ قد ينعكس على الحجم والجودة والإنتاجية.
وبالتالي، يدفع غياب السماد المدعم المزارعين إلى السوق الحرة، حيث ترتفع الأسعار إلى مستويات تعجز عنها الحيازات الصغيرة، فتتحول كل دفعة تسميد إلى مخاطرة مالية قد تبتلع هامش الربح قبل جمع المحصول.
ومن جهته، قال الخبير الزراعي حسين أبو صدام إن الصرف لم يتوقف عن جميع البساتين، موضحاً أن نحو 300 ألف مزارع حرموا من الدعم بسبب مخالفات قانونية وقرارات صادرة عن جهات حكومية مختلفة.
غير أن رواية أبو صدام لا تنهي الأزمة، لأن العقوبة المرتبطة بمخالفة كهرباء أو نفقة أو بناء لا توضح لماذا ظهرت شكاوى جماعية من أصحاب بساتين لم يبلغوا رسمياً بأسباب وقف بطاقاتهم.
وعلاوة على ذلك، فإن ربط مدخل إنتاج أساسي بعقوبات متفرقة يثير أسئلة عن التناسب والعدالة، إذ قد تمتد الخسارة من صاحب الحيازة إلى العمال والمستأجرين والتجار والمستهلكين من دون ذنب مباشر.
ولهذا، يطالب الفلاحون بقرار مكتوب يحدد الحالات المستبعدة وآلية التظلم ومواعيد المراجعة، بدلاً من تركهم أسرى موظف الجمعية أو شاشة البطاقة، بينما الأشجار لا تنتظر انتهاء الجدل الإداري أو تضارب التعليمات.
الصادرات تحت التهديد
في سياق متصل، حذر النائب أمير الجزار من أن قطاع البساتين يضم نحو 2٫3 مليون فدان، بينها 450 ألف فدان موالح و300 ألف فدان نخيل ومساحات كبيرة من الزيتون والمانجو ومحاصيل الفاكهة.
ومن ثم، لا تتعلق الأزمة بمزارعين محدودين، بل بكتلة إنتاجية واسعة تمثل جانباً مهماً من الصادرات الزراعية المصرية، خصوصاً الموالح التي بنت حضوراً قوياً في أسواق خارجية وتوفر تدفقات ضرورية من النقد الأجنبي.
كذلك، يؤدي تقليل التسميد أو تأخيره إلى تراجع جودة الثمار وقدرتها على تحمل النقل والتخزين، وهو ما يضعف مطابقتها للمواصفات التصديرية ويفتح المجال أمام منافسين يملكون برامج دعم أكثر استقراراً ووضوحاً.
وبحسب الخبير الزراعي نادر نور الدين، فإن رفع دعم الأسمدة عن صغار المزارعين يناقض متطلبات مساندتهم، لأن تحميلهم السعر الحر يرفع كلفة الغذاء ويضعف قدرتهم على الاستمرار ويهدد الرقعة المنتجة.
وبناءً على ذلك، يصبح الحديث الرسمي عن تعظيم الصادرات بلا معنى إذا كانت الدولة تضيق على مدخلات الإنتاج الأساسية، فالمنافسة العالمية لا تدار بالخطب وإنما بكلفة منضبطة وإرشاد فني وتمويل وتوزيع عادل.
وفي الوقت نفسه، قد تنتقل الزيادة سريعاً إلى المستهلك المحلي، لأن المزارع سيضيف ثمن السماد والنقل والعمالة إلى تكلفة المحصول، فتتضاعف أسعار الفاكهة في سوق يعاني أصلاً من تآكل القدرة الشرائية.
وفضلاً عن ذلك، يهدد الارتباك خطط المزارعين للمواسم المقبلة، إذ قد يتجه بعضهم إلى تقليل الخدمة أو اقتلاع الأشجار أو تغيير النشاط، وهي قرارات يصعب عكسها وتترك أثراً ممتداً على الإنتاج والتشغيل.
وعليه، فإن إنقاذ البساتين لا يقتصر على إعادة فتح الصرف، بل يتطلب مراجعة فنية للمقررات حسب التربة والعمر والإنتاج المتوقع، مع حماية المزارع من القرارات المفاجئة ومن احتكار السوق الحرة.
رقمنة بلا شفافية
وعلى الجانب الرسمي، قال المتحدث باسم وزارة الزراعة محمد القرش إن منظومة بطاقة الفلاح تحدد الحصص رقمياً وفق الحصر الزراعي والمحصول المنزرع، بهدف ضمان وصول الدعم إلى المستحقين ومنع التسرب والتلاعب.
ومع ذلك، لا تكفي الرقمنة وحدها لضمان العدالة، فالنظام الإلكتروني قد يتحول إلى بوابة حرمان صامتة حين تتوقف البطاقة من دون إخطار واضح، أو حين تكون البيانات قديمة ولا توجد آلية تظلم سريعة.
وإضافة إلى ذلك، تشير الوزارة إلى مراجعة المساحات والتركيب المحصولي وترشيد استخدام اليوريا، وهي أهداف فنية مشروعة، لكن تنفيذها عبر وقف مفاجئ وغير معلن يجعل الترشيد أقرب إلى خفض دعم يتحمله الأضعف.
ومن ناحية أخرى، يمكن معالجة الإفراط في التسميد بالإرشاد والتحليل الدوري للتربة وتحديد الجرعات المناسبة، لا بحرمان الأشجار في مراحل حساسة، لأن الخطأ في التوقيت قد يسبب ضرراً يتجاوز أي وفر مالي قصير.
وفي هذا الإطار، يكشف تضارب تصريحات المسؤولين والنقابة والنواب غياب مركز معلومات موحد، فبين نفي الأزمة والإقرار بحرمان 300 ألف مزارع تبقى الحقيقة موزعة، ويبقى الفلاح وحده أمام الجمعية والسوق.
وبالمثل، تحتاج عقوبات الحرمان إلى فصل واضح بين المخالفة الشخصية وحق الأرض في مدخلات الإنتاج، لأن تحويل السماد إلى أداة عقاب قد يضر بالمحصول القومي ويعاقب شركاء وعمالاً لا علاقة لهم بالمخالفة.
ولزيادة الشفافية، يتعين نشر قرار رسمي موحد يبين المحاصيل المشمولة والحصص والأسعار وأسباب الوقف وآجال التظلم، مع إعلان كشوف المراجعة في الجمعيات ومنع أي تعليمات شفهية تمس حقوق المزارعين أو إنتاجهم.
وفي المحصلة، تبدو الأزمة نتيجة إدارة تغلب عليها السرية والارتجال، إذ تنكر الحكومة الإلغاء لكنها تقبل توقفاً مؤقتاً واسع الأثر، ثم تطالب المزارع بتحمل الفارق حتى تنتهي المراجعات التي لم تحدد لها مواعيد.
وأخيراً، حماية الأمن الغذائي تبدأ من حماية المنتج الصغير، وليس من تركه رهينة بطاقة معطلة وسوق محتكرة، فإما أن تضمن الدولة السماد بقواعد عادلة ومعلنة، أو تتحمل مسؤولية تراجع المحاصيل وارتفاع الأسعار.

