كشف ركاب الأتوبيس الترددي عبر مقطع متداول على فيسبوك تكدساً يومياً بمحطة مؤسسة الزكاة خلال ذروة تمتد من 5:00 إلى 7:30 صباحاً، ما يؤخر وصولهم إلى أعمالهم ويضاعف معاناتهم داخل منظومة نقل حديثة.
ويفضح المشهد فجوة قاسية بين خطاب السلطة عن مشروعات النقل العملاقة وواقع مواطنين يدفعون ثمن سوء التشغيل من وقتهم وصحتهم وكرامتهم، بينما تغيب الاستجابة الجادة لمشكلة تتكرر كل صباح بلا حلول واضحة أو مساءلة.
ووفقاً للمقطع المصور، اصطفت أعداد كبيرة من المواطنين في مساحة محدودة أمام المحطة، وسط تدافع واضح وانتظار طويل للحصول على فرصة للصعود إلى إحدى الحافلات المتجهة نحو مقاصدهم اليومية في مواعيد العمل الرسمية.
وخلال الساعات الأولى من الصباح، يتحول الرصيف إلى نقطة اختناق بشري تتداخل فيها الطوابير ويصعب الحفاظ على انتظام الدور، مع وصول ركاب جدد بوتيرة أسرع من قدرة الحافلات المتاحة على استيعابهم.
كذلك أظهر الفيديو أن بعض الركاب ينتظرون مرور أكثر من حافلة قبل الصعود، وهو ما يجعل التأخير جزءاً ثابتاً من الرحلة اليومية بدلاً من أن يكون استثناء مرتبطاً بظرف طارئ.
وفي المقابل، لم يظهر بالمحطة تنظيم ميداني قادر على تفكيك الكثافة أو توزيع الركاب بصورة آمنة، الأمر الذي يترك المواطنين أمام منافسة مرهقة على الأبواب ويزيد احتمالات التدافع والسقوط والإصابات.
ومن ناحية أخرى، تكشف الأزمة أن تشغيل وسيلة نقل جديدة لا يكتمل بإنشاء المحطات وشراء الحافلات، بل يحتاج إلى إدارة مرنة تقرأ الطلب الفعلي وتعدل عدد الرحلات وفقاً له كل يوم.
وبحسب شكاوى الركاب، لا تقتصر المعاناة على تأخر الوصول، بل تشمل الوقوف الطويل والإجهاد البدني والتوتر الناتج عن الخوف من ضياع مواعيد العمل أو التعرض لجزاءات بسبب التأخير المتكرر خارج إرادتهم.
ومع ذلك، تستمر الأزمة يومياً من دون إعلان خطة تشغيلية عاجلة تحدد أسباب العجز وعدد الحافلات المطلوبة ومواعيد تعزيز الخدمة بما يتناسب مع الكثافة الفعلية بمحطة مؤسسة الزكاة خلال ساعات الذروة.
معاناة تتجاوز الانتظار
غير أن أخطر ما يكشفه التكدس هو استنزاف الركاب قبل بدء يومهم، إذ يصل بعضهم إلى العمل بعد رحلة انتظار شاقة تستنفد طاقتهم وتؤثر في قدرتهم على أداء مهامهم بصورة طبيعية.
وفي الوقت نفسه، تتضاعف المعاناة بالنسبة إلى كبار السن والمرضى والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة، لأن الزحام الشديد يقلل فرص الانتظار الآمن ويجعل الصعود إلى الحافلات أكثر صعوبة وخطورة عليهم بصورة يومية.
علاوة على ذلك، يفرض الانتظار الممتد كلفة غير مباشرة على الأسر، فالتأخر قد يعني خصماً من الأجر أو فقدان موعد علاجي أو تعطل مصلحة حكومية يصعب تعويضها في يوم آخر.
وبالتوازي مع الضغط البدني، يولد المشهد شعوراً متزايداً بالإهانة لدى المواطنين الذين يجدون أنفسهم محاصرين في طوابير مكتظة، رغم الوعود المتكررة بأن المشروع سيقدم بديلاً سريعاً ومنظماً وآمناً للتنقل اليومي.
وفي ظل غياب المعلومات الرسمية، لا يعرف الركاب ما إذا كان السبب نقصاً في الحافلات أم خللاً في الجداول أم ضعفاً في إدارة تدفق الركاب داخل المحطة وخارجها وقت الذروة الصباحية.
ومن ثم، يصبح الصمت الإداري جزءاً من الأزمة، لأنه يحرم المواطنين من معرفة أسباب التعطل أو توقيت إصلاحه، ويتركهم أسرى التخمين والانتظار والتكيف القسري مع خدمة لا تلبي احتياجاتهم الأساسية في التنقل.
لذلك لا يمكن اختزال الواقعة في مشهد ازدحام عابر، فالتكرار اليومي يحولها إلى مؤشر على قصور تشغيلي يستوجب مراجعة القدرة الاستيعابية للمحطة وتوزيع الرحلات ومستوى الرقابة خلال الذروة الصباحية بصورة عاجلة.
وبناء على ذلك، تبدو المقارنة بين كلفة المشروع ومستوى الخدمة سؤالاً مشروعاً، فالمواطن لا يقيس نجاح النقل بضخامة الإنشاءات، بل بقدرته على الوصول آمناً وفي موعده دون إذلال يومي أو انتظار مرهق.
حلول عاجلة ومساءلة ضرورية
وإزاء هذا الوضع، طالب الركاب بزيادة عدد الحافلات خلال الفترة الممتدة من 5:00 إلى 7:30 صباحاً، مع تقليص الفواصل بين الرحلات بما يستوعب التدفق الكثيف ويمنع تراكم الطوابير أمام بوابات المحطة.
وعلى هذا الأساس، تتطلب المعالجة جدولاً مرناً يرتبط بأعداد الركاب الفعلية، لا بمواعيد ثابتة تتجاهل تغير الطلب، مع تخصيص حافلات احتياطية للتدخل فور تجاوز الطاقة المعتادة للمحطة في ساعات الذروة.
وفضلاً عن زيادة الحافلات، يحتاج الموقع إلى مسارات واضحة للدخول والخروج وحواجز تنظم الطوابير وعاملين مدربين على توجيه الركاب ومنع التدافع، مع إعطاء أولوية للفئات الأكثر احتياجاً عند الصعود والنزول.
وأمام تكرار المشهد، ينبغي للجهات المشغلة نشر بيانات دورية عن أعداد الرحلات والطاقة الاستيعابية وزمن الانتظار والشكاوى المسجلة، لأن الشفافية تتيح قياس الأداء وتمنع تحويل الأزمة إلى مجرد انطباعات عابرة على الإنترنت.
ولهذا يصبح فتح قناة سريعة لتلقي بلاغات الركاب ضرورة عملية، على أن ترتبط بغرفة تشغيل قادرة على إرسال حافلات إضافية فوراً عندما ترتفع الكثافة داخل المحطة بصورة خطرة أو غير محتملة.
وبدوره، يفرض الدور الرقابي مساءلة إدارة التشغيل عن أسباب استمرار التكدس وغياب التدخل رغم انتشار الفيديو، مع إعلان إجراءات محددة ومواعيد تنفيذ يمكن للمواطنين متابعتها وتقييم نتائجها على أرض الواقع.
وحتى تتحول المطالب إلى حل مستدام، يجب مراجعة المحطات الأخرى على مسار الأتوبيس الترددي لرصد نقاط الاختناق مبكراً ومنع انتقال الأزمة إليها، بدلاً من انتظار مقاطع جديدة تكشف الفشل بعد تفاقم المعاناة.
وأخيراً، يختصر مشهد مؤسسة الزكاة أزمة إدارة عامة تقدم المشروع بوصفه إنجازاً ثم تترك المواطن يواجه عيوب تشغيله وحده، بينما يبقى الاختبار الحقيقي هو خدمة تحترم الوقت والكرامة وتستجيب للطلب اليومي.

