تحولت بحيرة المنزلة من مورد واسع للرزق والإنتاج السمكي إلى ساحة خسائر متلاحقة، بعدما تزامنت أعمال التكريك الضخمة وتغير الملوحة مع نفوق جماعي للأسماك وشكاوى متزايدة من تراجع العائد وارتفاع الأعباء.
كما تضع أزمة صيف 2025 الرواية المختصرة عن ارتفاع درجات الحرارة أمام اختبار صعب، لأن النفوق جاء داخل منظومة سبقتها تغييرات هندسية وبيولوجية عميقة، ثم تبعتها إدارة جديدة تواصل تحصيل الإيجارات والرسوم.
تكريك ضخم يعيد تشكيل البحيرة
وفي البداية، بلغت أعمال التكريك 83.2 مليون متر مكعب، بالتوازي مع تجريف النباتات والحشائش المائية من مساحة 43.8 ألف فدان، وهي أرقام تعكس تدخلاً واسعاً تجاوز مفهوم التنظيف المحدود للبحيرة.
كما أن إزالة هذا الحجم من الرواسب والغطاء النباتي غيرت مسارات المياه وعمقها وطبيعة بيئتها، وفتحت الباب أمام تحولات لم تعد مرتبطة بإزالة التعديات وحدها، بل بوظيفة البحيرة الإنتاجية نفسها.
وفوق ذلك، انتقلت إدارة البحيرة والأراضي المرتبطة بها إلى جهاز «مستقبل مصر» بدءاً من أبريل 2025، لتدخل المنظومة مرحلة تجمع بين آثار التدخل الهندسي السابق ونموذج إداري جديد شديد الكلفة على المنتجين.
وفي المقابل، لم تتوقف الخسائر عند تغير شكل البحيرة، إذ ظهرت مشاهد نفوق جماعي للأسماك، ووصلت خسارة مزارع واحد إلى أكثر من مليون ونصف المليون جنيه، بما يهدد رأس المال العامل بالكامل.
ومن ثم، يصبح رد الظاهرة إلى موجات الحر وحدها تفسيراً غير كافٍ أمام سلسلة متشابكة من العوامل، لأن الحرارة عملت داخل نظام بيئي سبق أن تعرض لتغييرات واسعة في العمق والملوحة وحركة المياه.
وفي هذا السياق، يقول السيد زكريا رجب، عضو المجموعة الاستشارية للثروة السمكية وصياد مخضرم، إن إنتاج البحيرة بعد التعميق أصبح أقل من ربع إنتاجها السابق، بما يضع حجم التدخل أمام نتيجته الإنتاجية.
وبذلك، لا تعود المشكلة مجرد خلاف حول أسلوب التطوير، بل تصبح مسألة أمن غذائي ودخل لعائلات تعتمد مباشرة على البحيرة، بينما يضع تراجع الإنتاج الصيادين والمزارعين أمام خسائر يصعب تعويضها.
وعلاوة على ذلك، فإن تعميق البحيرة سمح بتوغل مياه البحر إلى مناطق أبعد من السابق، وهو ما تدعمه بيانات الملوحة التي سجلت قفزات حادة بين القياسات السابقة واللاحقة لأعمال التكريك.
ولهذا، فإن تقييم ما جرى لا يمكن أن يتوقف عند اتساع المسطح أو إزالة الحشائش، لأن المعيار الأكثر قسوة يبقى قدرة البحيرة على إنتاج السمك واستمرار دورة الرزق دون انهيارات متكررة.
الملوحة تعيد رسم السلسلة الغذائية
وفي الجانب العلمي، قارنت دراسة منشورة في مايو 2025 حالة البحيرة بين عامي 2015 و2022، وسجلت تحسناً في الشفافية والأكسجين الذائب وانخفاض مؤشرات التلوث العضوي، لكنها رصدت تغيراً بيولوجياً واسعاً بالتوازي.
لكن متوسط الملوحة السنوي ارتفع بنحو 60.96%، بينما وصلت الزيادة في القطاع الأوسط إلى 223.92%، وهي قفزة تعني أن مياه البحر توغلت داخل أجزاء أعمق من البحيرة بعد أعمال التكريك.
وفي الوقت نفسه، انخفض عدد أنواع العوالق الحيوانية من 43 نوعاً إلى 31 نوعاً، وازدادت الأنواع المرتبطة بالمياه المالحة، بينما تراجعت الأنواع العذبة داخل أجزاء من البيئة التي تغيرت بصورة واسعة.
وبالتالي، فإن تحسن بعض المؤشرات الكيميائية لا يلغي كلفة التحول البيولوجي، لأن العوالق تمثل قاعدة أساسية في السلسلة الغذائية، وأي تغير كبير فيها ينعكس على الأنواع السمكية وقدرتها على الاستقرار والتكاثر.
كما أن البيئة الجديدة أصبحت أكثر ملاءمة لأنواع بحرية مثل الدنيس والقاروص، وهي أنواع يرتبط وجودها بدخول الزريعة من البحر المتوسط، ما يجعل جانباً من الإنتاج مرهوناً بحركة البواغيز والمد.
وفي هذا الإطار، يربط السيد زكريا رجب، عضو المجموعة الاستشارية للثروة السمكية وصياد مخضرم، بين التعميق وهبوط الإنتاج إلى أقل من الربع، وهي شهادة ميدانية تتقاطع مع مؤشرات التحول البيئي المسجلة.
ومن ناحية أخرى، يرفع هذا الاعتماد على الزريعة البحرية حساسية البحيرة لأي اضطراب في تدفق المياه أو درجات الحرارة، لأن النظام يصبح أقل اعتماداً على دورة داخلية مستقرة وأكثر ارتباطاً بعوامل خارجية متقلبة.
ولهذا، فإن موجة حر قوية تستطيع أن تتحول إلى كارثة أوسع حين تضرب نظاماً بيئياً متغيراً، خصوصاً إذا كانت الأسماك والعوالق تواجه بالفعل ضغوطاً ناتجة عن تغير الملوحة ونوعية الموائل.
وفوق ذلك، فإن اختفاء أنواع عذبة وانتشار أنواع مالحة لا يمثل مجرد تبدل في قائمة الكائنات، بل انتقالاً تدريجياً في هوية البحيرة، بما يغير طبيعة الصيد ونوعية الإنتاج الذي اعتادت عليه المجتمعات المحيطة.
ومن هنا، تصبح عبارة «تحسين جودة المياه» وحدها قاصرة عن وصف المشهد، لأن جودة المورد لا تقاس بمؤشرات كيميائية منفصلة فقط، وإنما أيضاً بقدرته على الحفاظ على التنوع والإنتاج والاستقرار الاقتصادي.
رسوم ثابتة فوق إنتاج منهار
وفي الجانب الاقتصادي، جاءت الإدارة الجديدة في وقت كانت فيه البحيرة تعاني من آثار النفوق وتراجع الإنتاج، بينما يشكو المزارعون من مضاعفة الإيجارات وفرض رسوم على الزريعة والحفارات وترميم الجسور.
كما أن هذه الرسوم تظل ثابتة بصرف النظر عن حجم الإنتاج أو الخسارة، في حين يتحمل المزارع وحده تكلفة السمك النافق والعلف ورأس المال المعطل، وهو اختلال واضح في توزيع المخاطر داخل المنظومة.
وفي الوقت نفسه، لا تظهر في المادة المطروحة آلية تعويض مرتبطة بالنفوق أو التغيرات البيئية، رغم أن الخسائر قد تصل إلى ملايين الجنيهات، بينما تستمر الجهة الإدارية في تحصيل التزاماتها المالية المعتادة.
وفي هذا السياق، تعيد شهادة السيد زكريا رجب، عضو المجموعة الاستشارية للثروة السمكية وصياد مخضرم، السؤال إلى جوهره، فهبوط الإنتاج إلى أقل من الربع يعني أن أي زيادة ثابتة في التكلفة تصبح أثقل بكثير.
وبالتالي، يتحول المنتج الصغير إلى الطرف الذي يدفع ثمن كل شيء: خسارة الإنتاج، تقلب البيئة، كلفة العلف، ثم الإيجارات والرسوم، بينما لا تتراجع الالتزامات الإدارية بالتوازي مع تراجع قدرته على الكسب.
وعلى هذا الأساس، فإن نموذج الإدارة يصبح موضع مساءلة حين ترتفع الإيرادات المطلوبة من مورد متراجع الإنتاج، لأن استدامة البحيرة لا تقاس بحجم ما يُحصّل منها، بل بقدرتها على إبقاء المنتجين داخل دورة العمل.
وفوق ذلك، كانت شكاوى الإيجارات موجودة قبل انتقال الإدارة، ومنها زيادات سابقة في 2021، لكن استمرار المشكلة بعد انتقالها إلى «مستقبل مصر» يضاعف السؤال حول المقابل الخدمي الذي يحصل عليه المزارعون.
ومن ثم، فإن المعيار العملي لأي إدارة جديدة يجب أن يظهر في انخفاض النفوق، واستعادة الإنتاج، وتحسين قدرة المزارع على الاستمرار، لا في إضافة بنود تحصيل جديدة فوق منظومة تعاني أصلاً من خسائر متراكمة.
كما أن غياب نظام واضح لتقاسم المخاطر يجعل كل موجة نفوق محتملة تهديداً بالإفلاس، لأن الجهة المنتجة لا تملك هامشاً مالياً كبيراً يسمح بامتصاص خسارة محصول كامل ثم بدء دورة جديدة.
وفي المقابل، تحتاج البحيرة إلى مراجعة علمية تراقب أثر الملوحة والتكريك على السلسلة الغذائية، وآلية تعويض عادلة للكوارث البيئية، وشفافية كاملة في جداول الإيجارات والرسوم والمقابل الخدمي المرتبط بها.
ولهذا، لا تبدو أزمة المنزلة خلافاً عابراً حول مشروع تطوير، بل اختباراً لطريقة إدارة مورد غذائي حساس، بعدما اجتمعت صدمة بيئية وتراجع إنتاجي وأعباء مالية في وقت واحد على المنتجين.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي تفرضه الأرقام مباشراً: ماذا استفاد الصياد والمزارع من 83.2 مليون متر مكعب من التكريك إذا كان الإنتاج قد هبط، والملوحة قفزت، والرسوم واصلت الضغط على المنظومة؟

