كشفت شكاوى أهالي باب الشعرية ومحبي الإمام عبد الوهاب الشعراني بالقاهرة استمرار إغلاق المسجد والضريح منذ 5 سنوات للصيانة، وسط تعطل التنسيق بين وزارتي الآثار والأوقاف، بما حرم المصلين والزوار وهدد معلماً تاريخياً عمره أكثر من 450 عاماً.

 

سياسياً وإنسانياً، تفضح الأزمة دولة ترفع شعارات حماية التراث وتجديد الخطاب الديني، ثم تترك مسجداً أثرياً مغلقاً بالسلاسل لسنوات، بينما يتبادل المسؤولون الاختصاصات ويُحرم المواطنون من الصلاة وتُترك التحفة المعمارية لمزيد من التدهور.

 

وبالتالي، لم يعد إغلاق المسجد إجراءً احترازياً مؤقتاً لحماية الأرواح، بل تحول إلى شاهد على عجز إداري مزمن، بعدما مرت أعوام كاملة دون بدء مشروع ترميم فعلي أو إعلان جدول زمني واضح لإعادة فتح المكان.

 

كما أن المسجد يقع في ميدان باب الشعرية بقلب القاهرة التاريخية، ويحمل الميدان اسم الإمام المدفون داخله، ما يجعل استمرار الإغلاق خسارة دينية وسياحية وعمرانية تمس هوية المنطقة وذاكرة سكانها.

 

ومن جهة أخرى، تكررت استغاثات الأهالي والمريدين خلال السنوات الماضية، مطالبين بإعادة فتح المسجد وإنقاذ ضريحه، إلا أن الشكاوى لم تؤد إلى تحرك حاسم ينهي حالة الجمود أو يكشف المسؤول عن تعطيل الأعمال.

 

إغلاق بلا نهاية

 

في البداية، صدر قرار الغلق بعد رصد مشكلات إنشائية وتصدعات داخل المبنى، شملت شروخاً وتنميلات في الشخشيخة الخشبية للمنور الرئيسي، بما أثار مخاوف من تعرض أجزاء من المسجد للخطر أو الانهيار.

 

وفي المقابل، وضعت الجهات الأثرية صلبات حديدية لتدعيم المبنى ومنع تفاقم التصدعات، غير أن هذا الإجراء المؤقت بقي قائماً لسنوات دون الانتقال إلى مرحلة الترميم الشامل ومعالجة أسباب التلف.

 

علاوة على ذلك، أظهرت التقارير الهندسية مخاوف من تأثير المياه الجوفية والرشح على الجدران والقبة الضريحية، وهي أخطار تحتاج إلى تدخل متخصص وسريع قبل أن تؤدي الرطوبة إلى تلف الزخارف والأخشاب والأحجار.

 

وفوق ذلك، تحمل القبة الضريحية الرقم الأثري 59، ما يضعها تحت مسؤولية مباشرة للجهات المكلفة بحماية الآثار الإسلامية، ويجعل تأخير ترميمها إخلالاً بواجب رسمي لا يمكن تبريره بتعقيدات إدارية ممتدة.

 

إلى جانب ذلك، تواصل العوامل الجوية والرطوبة التأثير على المبنى المغلق، بينما يؤدي غياب الاستخدام والصيانة الدورية إلى تسريع تدهور العناصر الخشبية والزخرفية، بدلاً من أن يكون الإغلاق وسيلة للحفاظ عليها.

 

ومن ثم، يخشى الأهالي أن يتحول التدعيم الحديدي من إجراء مؤقت إلى وضع دائم، وأن يستمر المسجد محاصراً بالسلاسل حتى تصبح تكلفة إنقاذه أكبر أو تفقد بعض عناصره التاريخية قابليتها للترميم.

 

غير أن الجهات المسؤولة لم تعلن حتى الآن خطة تفصيلية تحدد حجم الأعمال والتمويل والمدة الزمنية، ما أبقى السكان أمام عبارات عامة عن التنسيق والدراسة دون نتائج ملموسة داخل الموقع.

 

وبالمثل، يعكس تأخر التنفيذ خللاً في توزيع المسؤوليات بين وزارة الأوقاف بصفتها المشرفة على المسجد ووزارة الآثار المعنية بالمبنى المسجل، إذ يبدو كل طرف منتظراً إجراءات أو موافقات من الطرف الآخر.

 

مقام محروم من زواره

 

من ناحية ثانية، أدى الإغلاق إلى حرمان أهالي المنطقة من أداء الصلاة داخل مسجد ارتبط بحياتهم اليومية ومناسباتهم الدينية، واضطرهم إلى البحث عن مساجد بديلة رغم المكانة الروحية الخاصة للمقام.

 

وفي هذا السياق، تضرر مريدو الإمام الشعراني وأتباع الطرق الصوفية من منع زيارة الضريح، خاصة خلال الموالد والمناسبات التي اعتادوا فيها التوافد على المكان وقراءة القرآن وإحياء ذكرى العالم الصوفي.

 

كذلك، أطلق أحفاد الإمام ومحبوه استغاثات متكررة لإنقاذ المسجد، محملين الجهات المسؤولة تبعات استمرار الإهمال، ومؤكدين أن حماية الأثر ليست مطلباً فئوياً بل مسؤولية وطنية تجاه تاريخ يمتد قروناً.

 

أما القيمة السياحية، فقد تراجعت بدورها مع غلق أحد أبرز معالم الميدان، إذ يفقد الزائر فرصة مشاهدة المسجد والقبة وزخارفهما، بينما تتحول الواجهة المغلقة إلى صورة تعكس الإهمال بدلاً من ثراء القاهرة التاريخية.

 

بناء على ذلك، لا تقتصر الخسارة على الشعائر أو الزيارة، بل تمتد إلى الحركة التجارية والخدمية حول الميدان، التي يمكن أن تستفيد من عودة الزوار والمهتمين بالعمارة الإسلامية والتاريخ الصوفي.

 

فضلاً عن ذلك، يمثل الإمام عبد الوهاب الشعراني أحد أشهر علماء التصوف في القرن العاشر الهجري، وقد تحول مسجده وضريحه بعد وفاته إلى مقصد لطلاب العلم والمريدين ورواد الطريق الصوفي.

 

وفي الوقت نفسه، ارتبط اسم الميدان بالإمام حتى أصبح يعرف بباب الشعرية، وهو ما يؤكد أن المسجد ليس مبنى معزولاً، بل عنصر أساسي في تشكيل هوية الحي وذاكرته الشعبية والدينية.

 

وعليه، فإن ترك المقام مغلقاً بالسلاسل يعني تعطيل جزء من التاريخ الحي للمنطقة، وتحويل أثر كان مفتوحاً للعبادة والزيارة إلى كتلة صامتة لا يعرف السكان متى تعود إليهم.

 

تحفة مهددة بالإهمال

 

نتيجة لذلك، تتضاعف خطورة التأخير بالنظر إلى القيمة المعمارية للمسجد، الذي يتكون من مستطيل تقسمه صفوف الأعمدة إلى 3 أروقة، وتعلوه عقود مدببة تحمل سقفاً خشبياً مزخرفاً برسوم زيتية متعددة الألوان.

 

ومن ناحية أخرى، يتوسط الرواق الأوسط منور مخصص للإضاءة والتهوية، بينما يتصدر جدار القبلة محراب بسيط تحيط به نقوش زيتية تحاكي تجزيعات الرخام، إلى جانب عناصر خشبية مزخرفة بالتطعيم.

 

مع ذلك، تبقى القبة الضريحية الجزء الأقدم والأكثر تميزاً في المبنى، إذ تقوم فوق مربع حجري ومنطقة انتقال مزينة بالدلايات، وتحمل رقبة مرتفعة تضم 16 نافذة معقودة تعلوها قبة من الطوب.

 

وفي ضوء ذلك، تتزين نوافذ القبة بالزجاج المعشق متعدد الألوان، بينما تغطي النقوش الزيتية جدرانها الداخلية، وتتوسطها مقصورة خشبية مطعمة بالعاج والصدف يعود تاريخها إلى عام 1748.

 

لهذا، فإن أي تسرب للمياه أو ارتفاع للرطوبة قد يصيب عناصر يصعب تعويضها، لأن الزجاج والخشب والنقوش القديمة تحتاج إلى ترميم دقيق يجمع بين الخبرة الهندسية والحفاظ على القيمة الفنية الأصلية.

 

إضافة إلى ذلك، يضم المكان قبور بعض تلاميذ الإمام، بينهم الشيخ نور الدين الشوني وابنه عبد الرحمن، ما يزيد من قيمته التاريخية ويجعله شاهداً على امتداد مدرسة علمية وصوفية داخل القاهرة.

 

وفي نهاية المطاف، يحتاج المسجد إلى قرار تنفيذي موحد يحدد جهة التمويل والإشراف والموعد النهائي، بدلاً من استمرار تبادل المكاتبات بين المؤسسات بينما يتآكل الأثر ويزداد غضب الأهالي.

 

أخيراً، لا يكفي تثبيت المبنى بالحديد وإغلاق أبوابه لحمايته، فالحماية الحقيقية تعني ترميماً علمياً عاجلاً ومحاسبة المتسببين في التعطيل وإعادة المسجد إلى المصلين والزوار قبل أن تتحول 5 سنوات من الإهمال إلى خسارة لا تعوض.