أعلنت نقابات فرعية للصيادلة في القاهرة والدقهلية ومحافظات أخرى رفض بروتوكول تعاون بين نقابة الصحفيين والشركة المصرية لتجارة الأدوية، يمنح خصومات على الأدوية، معتبرة الاتفاق مخالفة للتسعير الجبري وتهديداً للصيدليات الصغيرة.

 

سياسياً وإنسانياً، يكشف الصدام كيف تحولت أزمة الدواء إلى معركة بين نقابات ومؤسسات حكومية حول الأرباح، بينما يبقى المريض المحاصر بالغلاء الطرف الأضعف، يدفع أسعاراً متصاعدة ولا يجد حماية حقيقية لحقه في العلاج.

 

وبالتالي، لم يعد الخلاف مجرد نزاع مهني حول نسبة خصم، بل أصبح اختباراً لمدى عدالة سوق الدواء، وحدود المنافسة بين كيان حكومي واسع الإمكانات وصيدليات فردية تعاني ارتفاع التكاليف ونقص السيولة.

 

كما أن اعتراض النقابات جاء رغم وجود إعلانات صادرة عن صيدليات خاصة تمنح خصومات للجمهور، وهو تناقض يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الرفض دفاعاً عن القانون أم حماية مباشرة لهوامش الأرباح.

 

ومن جهة أخرى، تستند النقابات المعترضة إلى قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم 127 لسنة 1955، وإلى القواعد المنظمة للتسعير الجبري، مؤكدة أن الدواء لا يجوز التعامل معه كسلعة تخضع للعروض التجارية.

 

خصومات تفتح المواجهة

 

في البداية، أكدت اللجنة الخماسية لإدارة نقابة صيادلة القاهرة وعدد من النقابات الفرعية أن منح الخصومات المباشرة للمستهلكين يمثل مخالفة صريحة، ويخل بالتسعيرة الموحدة التي تحددها الدولة للأدوية المتداولة.

 

وفي المقابل، يرى مؤيدو الخصومات أن تخفيف السعر عن المريض لا ينبغي اعتباره جريمة مهنية، خصوصاً مع القفزات المتلاحقة في أسعار الأدوية وعجز أسر كثيرة عن شراء العلاج بانتظام.

 

علاوة على ذلك، طالبت النقابات بفتح تحقيق رسمي عاجل مع إدارة الشركة المصرية لتجارة الأدوية، ووقف الاتفاق، محذرة من تداعيات اقتصادية قد تضرب الصيدليات الصغيرة والمتوسطة وتدفع بعضها إلى الإغلاق.

 

وفوق ذلك، تعتبر النقابات أن الشركة المصرية كيان حكومي كبير وموزع رئيسي للدواء، ما يمنحها قدرة مالية وتسويقية لا تستطيع الصيدليات الفردية مجاراتها، ويخلق منافسة غير متكافئة داخل السوق.

 

إلى جانب ذلك، يخشى الصيادلة أن تتحول البروتوكولات الخاصة إلى أداة لجذب شرائح واسعة من العملاء نحو الصيدليات التابعة للكيانات الكبرى، على حساب منافذ صغيرة تعتمد على هامش محدود لتغطية نفقاتها.

 

ومن ثم، يتحدث المعترضون عن خطر احتكار تدريجي لسوق الدواء لصالح السلاسل الكبرى والصيدليات التابعة للدولة، بما قد يؤدي إلى خروج آلاف الصيدليات وتشريد العاملين بها خلال الفترة المقبلة.

 

غير أن هذه المخاوف لا تلغي السؤال المتعلق بحق المريض في الحصول على سعر أقل، خاصة عندما تقر الصيدليات نفسها بأنها تحصل على خصومات من شركات التوزيع ثم تبيع بالسعر الجبري الكامل.

 

وبالمثل، تبدو المطالبة بمنع الخصم أكثر حساسية في ظل أزمة معيشية حادة، لأن المواطن لا يهتم بالصراع بين المؤسسات بقدر اهتمامه بقدرته على شراء دواء الضغط أو السكري أو القلب.

 

أسعار فوق طاقة المرضى

 

من ناحية ثانية، شهدت سوق الدواء زيادات متصاعدة خلال السنوات الخمس الأخيرة، خصوصاً بعد قراري خفض قيمة الجنيه في عامي 2022 و2024، ما رفع تكاليف الإنتاج والاستيراد والتوزيع.

 

وفي هذا السياق، تدخلت هيئة الدواء دورياً لإقرار زيادات شملت مئات الأصناف، وتراوحت في فترات متعددة بين 20% و40%، بهدف دعم استمرار الشركات ومنع تعطل سلاسل التوريد.

 

كذلك، سجل عام 2025 قفزة إجمالية في الأسعار قدرت بنحو 42%، وهي زيادة ضخمة انعكست مباشرة على المرضى، بعدما أصبحت تكلفة العلاج الشهري عبئاً يفوق قدرة قطاعات واسعة من الأسر.

 

أما الزيادات، فلم تقتصر على المكملات أو المستحضرات غير الأساسية، بل طالت أدوية حيوية ومزمنة تشمل علاجات الضغط والسكري والأورام وأمراض القلب، وهي أصناف لا يستطيع المريض الاستغناء عنها.

 

بناء على ذلك، اضطر بعض المواطنين إلى تقليل الجرعات الموصوفة أو تأجيل شراء بعض الأدوية أو البحث عن بدائل محلية أرخص، وهي ممارسات قد تعرض صحتهم لمضاعفات خطيرة ومكلفة.

 

فضلاً عن ذلك، تجاوزت مبيعات الدواء 155 مليار جنيه خلال النصف الأول من عام 2026، مدفوعة بدرجة كبيرة بارتفاع الأسعار، لا بزيادة حقيقية مماثلة في القدرة الشرائية للمواطنين.

 

وفي الوقت نفسه، تتجه الحكومة إلى تطبيق معادلة تسعير أكثر مرونة تربط أسعار الأدوية بمؤشرات التضخم وسعر الصرف، ما يثير مخاوف من تحويل كل تراجع للعملة إلى زيادة تلقائية جديدة.

 

وعليه، قد تضمن المعادلة استدامة المصانع والشركات، لكنها لا تضمن قدرة المريض على الشراء، ما لم يصاحبها توسيع مظلة التأمين الصحي وتوفير الأدوية الأساسية بأسعار مدعومة ومستقرة.

 

هوامش ربح متنازع عليها

 

نتيجة لذلك، يتمسك الصيادلة بأن هامش الربح المحدد قانوناً لا يكفي لمواجهة ارتفاع الإيجارات والأجور والكهرباء وتكاليف التشغيل، خصوصاً مع الحاجة إلى سيولة متزايدة لإعادة شراء المخزون نفسه.

 

ومن ناحية أخرى، تنص القواعد المنظمة على منح الصيدلي خصماً يصل إلى 25% على الأدوية المحلية و15% على المستوردة، وهي النسبة التي تمثل هامشاً أساسياً لاستمرار النشاط.

 

مع ذلك، ترتفع القيمة النقدية لأرباح الصيدليات تلقائياً مع زيادة سعر الدواء، حتى لو ظلت النسبة ثابتة، بينما يؤكد الصيادلة أن هذه الزيادة ظاهرية بسبب تضاعف تكلفة تعويض المخزون المباع.

 

وفي ضوء ذلك، يطالب أصحاب الصيدليات برفع نسب الخصم أو إعادة صياغة نظام التسعير، بما يضمن هامشاً أكبر، ويرفضون أي اتفاق يمنح المستهلك خصماً يقتطع مباشرة من أرباحهم المحددة.

 

لهذا، يتحول المريض في النقاش إلى رقم بين نسب الربح وتكاليف التشغيل، رغم أن الهدف الأساسي لمنظومة الدواء يفترض أن يكون ضمان وصول العلاج الآمن والفعال بسعر يمكن للمواطن تحمله.

 

إضافة إلى ذلك، يفتح اعتراض النقابات باباً لمراجعة شاملة لسوق الخصومات، بحيث تطبق القواعد على الصيدليات الحكومية والخاصة والسلاسل الكبرى دون انتقائية، مع إعلان واضح لما يجوز وما يحظر.

 

وفي نهاية المطاف، تحتاج الأزمة إلى توازن يحمي الصيدليات الصغيرة من المنافسة غير العادلة، ويمنع الاحتكار، لكنه يضع أيضاً مصلحة المريض فوق أي دفاع نقابي عن الأرباح أو الامتيازات المهنية.

 

أخيراً، يكشف الصدام أن منظومة الدواء تعاني خللاً أعمق من بروتوكول واحد، يبدأ بارتفاع الأسعار وضعف الرقابة، ويمتد إلى تضارب المصالح، بينما يظل العلاج حقاً أساسياً لا سلعة للمساومة.