كشفت مقاطع مصورة وشهادات سكان منطقة ابني بيتك 6 بمدينة 6 أكتوبر الجديدة استمرار غرق الشوارع لليوم الثالث، بعد ارتفاع المياه إلى نحو متر ونصف، ما أدى إلى غرق سيارات وحصار مواطنين داخل منازلهم.

 

 

 

 

سياسياً وإنسانياً، تفضح الأزمة نموذجاً عمرانياً يستهلك المليارات في الدعاية والإنشاءات، ثم يترك المواطنين محاصرين بالمياه داخل مدينة حديثة، بينما تعجز الجهات المسؤولة عن توفير صرف فعال أو خطة إنقاذ تليق بكرامة السكان.

 

وبالتالي، لم تعد المياه المتراكمة مجرد نتيجة مؤقتة لأمطار غزيرة، بل تحولت إلى دليل على خلل ممتد في التخطيط والتنفيذ والصيانة، وعلى غياب الاستعداد الحقيقي لمواجهة أزمات كان يمكن توقعها ومنع آثارها.

 

كما أن استمرار الغرق ثلاثة أيام كاملة يطرح تساؤلات مباشرة بشأن كفاءة أجهزة المدينة وشركات المرافق، ومدى جاهزية المعدات التي يفترض أن تتدخل سريعاً لحماية الأرواح والممتلكات وفتح الطرق أمام السكان المحاصرين.

 

ومن جهة أخرى، أظهرت المشاهد المتداولة ارتفاعاً كبيراً في منسوب المياه داخل بعض الشوارع، حتى اختفت أجزاء واسعة من السيارات، وتعذر على أصحاب المنازل مغادرتها أو الوصول إلى احتياجاتهم اليومية بصورة طبيعية وآمنة.

 

 

مشاهد الغرق المتكرر

 

في البداية، أفاد سكان بأن المياه وصلت في مناطق متفرقة إلى ما بين متر ومتر ونصف، وهو مستوى لا يمكن تفسيره فقط بغزارة الأمطار، بل يشير إلى غياب مسارات كافية لتصريف المياه.

 

وفي المقابل، واصلت سيارات الشفط والمعدات العمل داخل المنطقة، لكنها لم تتمكن من سحب الكميات المتراكمة أو إعادة الشوارع إلى حالتها الطبيعية، ما كشف محدودية الإمكانات مقارنة بحجم الأزمة واتساع المناطق المتضررة.

 

علاوة على ذلك، أدى غرق السيارات إلى خسائر مالية مباشرة تحملها المواطنون وحدهم، رغم أنهم اشتروا أو بنوا وحداتهم داخل مدينة يفترض أنها حديثة ومخططة ومزودة بالبنية الأساسية اللازمة لمواجهة الظروف الجوية.

 

وفوق ذلك، بقي بعض السكان محاصرين داخل منازلهم لمدة ثلاثة أيام، في ظل صعوبة الحركة وانقطاع الطرق، بينما تصاعدت المخاوف من وصول المياه إلى مداخل العقارات ومرافق الكهرباء وإلحاق أضرار أكثر خطورة.

 

إلى جانب ذلك، لم تكن الواقعة الأولى التي تشهدها المنطقة، إذ تكررت مشاهد الغرق قبل أشهر وخلال العام الماضي، دون ظهور معالجة جذرية تمنع إعادة إنتاج السيناريو نفسه مع كل موجة أمطار جديدة.

 

ومن ثم، يسقط تكرار الأزمة أي محاولة لتقديمها باعتبارها حادثاً استثنائياً، لأن الجهات المسؤولة كانت تعلم بوجود نقاط تجمع للمياه ومشكلات في الشبكات، وكان يفترض أن تعالجها قبل حلول موسم الأمطار.

 

غير أن التعامل الرسمي ظل قائماً على إرسال معدات الشفط بعد وقوع الكارثة، بدلاً من تطوير الشبكات ورفع كفاءتها وإنشاء مسارات آمنة لتصريف المياه، بما يحول التدخل إلى إدارة مؤقتة للأضرار.

 

وبالمثل، تكشف عودة الغرق أن الحلول السابقة لم تتجاوز تجفيف الشوارع وفتح بعض المسارات، من دون مراجعة شاملة لأسباب تراكم المياه أو تحديد المسؤوليات الفنية والإدارية التي قادت إلى هذا الفشل.

 

بنية بلا تخطيط

 

من ناحية ثانية، يرجع سكان ومتابعون الأزمة إلى ضعف البنية التحتية في منطقة ابني بيتك 6، التي توسعت عمرانياً من دون توفير شبكات صرف صحي وتصريف أمطار تتناسب مع أعداد السكان وحجم الإنشاءات.

 

وفي هذا السياق، تبدو المفارقة صارخة بين حداثة المدينة وسوء خدماتها، إذ لم يمض على تأسيسها أكثر من عشر سنوات، ومع ذلك تواجه مشكلات تشبه أزمات المناطق القديمة التي عانت عقوداً من الإهمال.

 

كذلك، يطرح الحديث المتكرر عن تخصيص مليارات الجنيهات للبنية التحتية سؤالاً حول أوجه إنفاق هذه الأموال، وما إذا كانت الأعمال المنفذة مطابقة للمواصفات وقادرة فعلياً على خدمة التوسع السكاني والعمراني المتسارع.

 

أما التوسع السكني، فقد سبق في كثير من المواقع استكمال الخدمات الأساسية، ما أدى إلى انتقال آلاف الأسر إلى مناطق تفتقر إلى طرق مؤهلة وشبكات صرف فعالة ومرافق قادرة على تحمل الضغط المتزايد.

 

بناءً على ذلك، لا يمكن فصل الغرق عن فلسفة عمرانية تركز على تسليم الأراضي والوحدات وزيادة الرقعة المبنية، بينما تؤجل استكمال الخدمات أو تنفذها بمستويات لا تتناسب مع احتياجات السكان الفعلية.

 

فضلاً عن ذلك، يكشف ارتفاع المياه إلى هذه المستويات احتمال وجود مشكلات في مناسيب الطرق وتصميم الشبكات ومواقع المصارف، وهي مسائل فنية كان يجب حسمها خلال مراحل التخطيط والتنفيذ وقبل السماح بالسكن.

 

وفي الوقت نفسه، تتحمل الجهات المشرفة مسؤولية مراقبة المقاولين واستلام الأعمال، لأن أي قصور في الشبكات أو المواصفات لا يحدث بعيداً عن أجهزة حكومية تملك سلطة الفحص والقبول ورفض المشروعات غير المطابقة.

 

وعليه، فإن تحميل الأمطار وحدها مسؤولية ما جرى يمثل تبسيطاً للأزمة، إذ تواجه مدن كثيرة معدلات أمطار أكبر من دون أن تتحول شوارعها إلى بحيرات تحاصر السكان وتغرق ممتلكاتهم لأيام متواصلة.

 

 

غياب الإنقاذ والمحاسبة

 

نتيجة لذلك، أثار بطء سحب المياه غضب الأهالي الذين وجدوا أنفسهم مطالبين بتوثيق الكارثة ونشر الاستغاثات، بينما يفترض أن تمتلك أجهزة المدينة غرف عمليات وخرائط للمناطق المنخفضة وخططاً مسبقة للتحرك السريع.

 

ومن ناحية أخرى، لم يظهر حتى الآن إعلان واضح يشرح أسباب الأزمة أو يحدد جدولاً زمنياً لإنهائها، كما لم تعلن الجهات المعنية حجم الأضرار أو الإجراءات المقررة لتعويض السكان المتضررين من الغرق.

 

مع ذلك، تتكرر التصريحات الرسمية عقب الأزمات بشأن رفع درجة الاستعداد وانتشار المعدات، لكن الوقائع الميدانية تكشف فجوة واسعة بين ما يكتب في بيانات الطوارئ وما تستطيع الأجهزة تنفيذه فعلياً على الأرض.

 

وفي ضوء ذلك، يطالب السكان بمساءلة الجهات التي خططت ونفذت وتسلمت شبكات المرافق، بدلاً من الاكتفاء بمحاسبة موظفين صغار أو تقديم الأزمة باعتبارها نتيجة ظروف طبيعية لا يمكن السيطرة عليها.

 

لهذا، يجب أن تشمل المحاسبة مراجعة العقود والمواصفات ومحاضر الاستلام وأعمال الصيانة، والكشف عن الأموال التي أنفقت على الشبكات، وتحديد ما إذا كانت هناك مخالفات أو أخطاء فنية أدت إلى تكرار الغرق.

 

إضافة إلى ذلك، يحتاج المتضررون إلى حصر رسمي لخسائر السيارات والعقارات والمحال، ووضع آلية عادلة للتعويض، لأن المواطن لا ينبغي أن يتحمل تكلفة فشل بنية تحتية دفع ثمنها ضمن قيمة الأرض والوحدة.

 

وفي نهاية المطاف، تعيد أزمة ابني بيتك 6 فتح ملف المدن الجديدة التي تقدم باعتبارها بديلاً حضارياً للمناطق المزدحمة، بينما تكشف الأمطار هشاشة المرافق وغياب التخطيط المتكامل وضعف الرقابة على التنفيذ.

 

أخيراً، لن تنتهي الأزمة بسحب المياه المتبقية، بل تحتاج إلى معالجة دائمة لشبكات الصرف ومحاسبة المسؤولين وتعويض المتضررين، حتى لا يستيقظ السكان مع كل أمطار على المشهد نفسه والوعود نفسها والخسائر ذاتها.