كشفت منشورات للصحفي محمود غنيم وصحفيات تابَعْن الواقعة في القاهرة عن إخلاء سبيله بعد توقيفه لدى قطاع الأمن الوطني لمدة تقل عن 4 ساعات، وسط روايات قالت إن الإفراج ارتبط بتوقيعه تعهدًا بعدم تزويد قنوات المعارضة المصرية في الخارج بمواد صحفية أو معلومات، من دون إعلان رسمي يوضح ملابسات الاحتجاز.

 

ويضع الإفراج الخاطف الصحفيين أمام صيغة أمنية لا تحتاج إلى قرار حبس أو محاكمة كي تقيد العمل المهني، لأن الاستدعاء المغلق والتعهد المنسوب إلى الجهاز ينقلان الرقابة من المؤسسات المختصة إلى ضباط الأمن، ويجعلان مصدر رزق الصحفي وحق الجمهور في المعرفة خاضعين لتعليمات لا يراجعها قاض أو ممثل نقابي.

 

4 ساعات بين التوقيف والتعهد الأمني

 

وبحسب الصحفية نجلاء سلامة، أثارت سرعة خروج غنيم وتعليقاته اللاحقة جدلًا بين زملائه، إذ رأى بعضهم أن ما جرى تحذير أمني مباشر، بينما قارن آخرون بين احتجازه القصير وملفات صحفيين أمضوا سنوات في الحبس الاحتياطي، وهي مقارنة تكشف تفاوتًا لا تفسره قواعد قانونية معلنة أو إجراءات قضائية قابلة للمراجعة.

 

وخلال ساعات التوقيف، قالت الروايات المنشورة إن المحققين سألوا غانم عن نشاطه الصحفي واتصالاته بوسائل الإعلام، ثم اشترطوا عليه وقف التعاون مع القنوات المعارضة التي تبث من الخارج، غير أن أي وثيقة تحمل نص التعهد لم تُنشر، كما لم تصدر وزارة الداخلية حتى إعداد التقرير بيانًا ينفي الواقعة أو يشرح سند الاحتجاز.

 

وعقب الإفراج، عاد غانم إلى حسابه وسجل ردودًا متتابعة على عدد كبير من المنشورات التي تناولت اختفائه، وهو نشاط فسّره متابعون بأنه محاولة لإعلان وجوده خارج مقر الاحتجاز، بينما اعتبره آخرون استجابة سريعة للضغط الذي تعرض له، ولا تسمح المواد المتاحة بالجزم بدافع تلك التعليقات أو نسبتها إلى توجيه أمني محدد.

 

أما سجل غانم السابق، فتشير تعليقاته المتداولة إلى تعرضه للاعتقال نحو 10 مرات بسبب عمله وآرائه، مع فترات احتجاز متفاوتة في قضايا نشر، ولذلك لم يتعامل زملاؤه مع واقعة الساعات الأربع بوصفها حادثًا منفصلًا، بل باعتبارها امتدادًا لنمط يضع الصحفي تحت تهديد متكرر كلما تجاوز الحدود التي ترسمها الأجهزة.

 

وفي هذا السياق، يخدم موقف خالد البلشي نقيب الصحفيين محور الحماية المهنية، إذ أكد في تصريحات موثقة أن واقع الصحافة المصرية مقيد وأن الصحافة تحتاج إلى مناخ حر وقانون يمنع الحبس في قضايا النشر، وتوضح مطالبه أن الاستدعاء بلا محام أو ممثل نقابي يهدم الضمانات التي يفترض أن تحكم مساءلة أي صحفي.

 

قنوات الخارج تحت الحظر ومصدر رزق الصحفي تحت التهديد

 

ومن جهتها، تابعت إيمان عوف عضو مجلس نقابة الصحفيين الواقعة ضمن عمل لجنة الحريات، وأشارت الروايات المنسوبة إليها إلى أن غانم وقع تعهدًا بعدم التعامل مع قنوات المعارضة بالخارج، بينما رحبت اللجنة بخروجه وواصلت متابعة أوضاع المحتجزين، مع قلق من استخدام التعهدات الأمنية لمنع صحفيين مستقلين من فرص العمل المتاحة لهم.

 

وفي المقابل، اعتبر إعلامي يعمل في إحدى القنوات المعارضة بالخارج، ولم تذكر المنشورات اسمه، أن الصحفيين في الداخل يواجهون اختيارًا قسريًا بين الاحتجاز والعزل المهني، لأن المنع الأمني لا يوقف النشر فقط، بل يحاصر الدخل أيضًا في سوق أغلقت فيه السلطة منافذ واسعة أمام المؤسسات المستقلة والصحفيين الناقدين للحكومة.

 

إلى جانب ذلك، يوضح موقف حسين بيومي الباحث في منظمة العفو الدولية وظيفة هذا المحور، فقد سبق أن وصف احتجاز صحفي بسبب عمله في قناة خارجية بأنه احتجاز تعسفي مرتبط بالمهنة، وطالب بالإفراج عنه، وهو معيار حقوقي ينطبق على جوهر الادعاء الحالي إذا ثبت أن التواصل الإعلامي كان سبب توقيف غنيم أو شرط إطلاقه.

 

كما دخل الكاتب الصحفي قطب العربي على خط النقاش، معتبرًا أن التعهد المنسوب إلى الأمن الوطني يستبدل الحبس الطويل بترهيب قصير وقطع لمصدر الرزق، ورأى أن القنوات الخارجية تمثل منفذًا للصحفيين المحاصرين داخل مصر، وأن إخضاع التعامل معها لإذن أمني يحول الصحفي إلى شخص مهدد بالاستدعاء عند أي مخالفة لاحقة.

 

وبالتالي، لا يقتصر أثر التعهد المزعوم على غنيم وحده، لأن تداول الواقعة بين الصحفيين يوسع الرقابة الذاتية قبل الكتابة أو الاتصال بمؤسسة خارجية، ويجعل كل صحفي يتوقع مراقبة اتصالاته ومحاسبته خارج إجراءات التحقيق القضائي، فتنجح السلطة في تقليل تدفق المعلومات من دون إصدار قرار مكتوب يمكن الطعن عليه أمام القضاء.

 

نقابة مقيدة ومناخ صحفي تحكمه الاستدعاءات الأمنية

 

وعلى المستوى النقابي، تكشف الواقعة حدود قدرة لجنة الحريات حين يجري التوقيف بعيدًا عن النيابة والمحاكم، فالنقابة تستطيع السؤال والتواصل والمطالبة بالإفراج، لكنها لا تملك دخول مقر أمني أو إبطال تعهد غير معلن، وهو ما يسمح للجهاز التنفيذي بتجاوز المؤسسة المنتخبة وفرض شروط مهنية لا يستند إعلانها إلى قانون أو لائحة.

 

ومن ناحية قانونية، يحرم الاحتجاز غير المعلن الصحفي من ضمانات الدفاع ومعرفة الاتهام ومراجعة جهة قضائية مستقلة، كما يمنع أسرته ونقابته من تحديد مكانه خلال الساعات الأولى، وتزداد الخطورة عندما ينتهي الاستجواب بتوقيع تعهد يمس حرية العمل، لأن الرضا في هذه الحالة يظل محل شك تحت سلطة الجهة التي تحتجزه.

 

وفوق ذلك، يخدم موقف شريف منصور المسؤول السابق في لجنة حماية الصحفيين محور الترهيب والانتقام، إذ وثقت منظمات دولية توقيف أفراد من عائلته في مصر واستجوابهم بشأن نشاطه بالخارج، وتؤكد تجربته أن الضغط الأمني يستطيع الانتقال من الصحفي إلى محيطه العائلي والمهني لإجباره على تقليل نشاطه أو وقف اتصالاته.

 

كذلك تضع بيانات لجنة حماية الصحفيين الواقعة داخل سياق دولي موثق، إذ تؤكد اللجنة أن الصحفيين الذين يغطون السياسة يشكلون غالبية المسجونين، وأن بعض الحكومات تستخدم الاحتجاز والانتقام لإسكات التغطية المستقلة، بينما تمثل حالة غنيم، إذا ثبتت تفاصيل التعهد، نسخة قصيرة المدة من الضغط نفسه وليست دليلًا على تحسن الحريات.

 

لذلك ينتهي الإفراج عن محمود غانم من دون إنهاء الخطر الذي بدأ معه، لأن غياب محضر علني واتهام محدد ورقابة قضائية يتركه معرضًا لاستدعاء جديد، بينما توجه التعهدات المنسوبة إلى الأمن رسالة إلى بقية الصحفيين بأن العمل مع منصة غير مرضي عنها قد يكلفهم حريتهم، وتلك سياسة حكومية تقيد الصحافة خارج القانون.