كشفت القوائم المالية وملاحظات الجهاز المركزي للمحاسبات في مصر، بعد نحو 10 سنوات من إنشاء جهات تنظيم الصحافة والإعلام الثلاث، عن خسائر مرحلة بلغت 119.9 مليار جنيه وإنفاق متضخم انتهى إلى استنزاف المال العام بلا إصلاح.
وتكشف هذه الأرقام، في سياق سياسي وإنساني أشد قسوة، أن سلطة السيسي لا تدير إعلامًا عامًا لخدمة المواطنين، بل تمول صوتًا واحدًا يطارد الصحفيين ويصادر المعرفة، بينما يتحمل المجتمع كلفة الفشل والقمع معًا.
موازنات خارج السيطرة
ويظهر الحساب الختامي للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في 2025/2024 أن مصروفاته الفعلية بلغت 1.556 مليار جنيه، مقابل ربط أصلي قدره 315 مليونًا فقط، أي قرابة خمسة أضعاف ما أقرته الموازنة عند بدايتها.
كما تكرر الانفلات في 2024/2023، حين قفز الإنفاق الفعلي إلى 1.56 مليار جنيه، رغم أن التقدير الأصلي توقف عند 281 مليونًا، لتبلغ الزيادة 455% وتتحول الموازنة من أداة رقابة إلى ورقة شكلية.
ولزيادة وضوح الخلل، سجل الجهاز المركزي للمحاسبات تعزيز موازنة المجلس خلال ذلك العام بنحو 1.091 مليار جنيه من الاحتياطي العام، مقابل خدمات إعلامية وإذاعية كانت معلومة مسبقًا، وليست نفقات طارئة تبرر السحب الاستثنائي.
وبالتالي، اعتبر الجهاز هذا النهج مخالفة لقانون المالية الموحد رقم 6 لسنة 2022، لأن الاحتياطي لا يجوز أن يتحول إلى باب خلفي لتغطية مصروفات متوقعة أو إنقاذ تقديرات أُعدت منذ البداية بلا انضباط.
ومن ثم، لم يقتصر العبث على تضخيم مصروفات المجلس، إذ حصلت الهيئة الوطنية للصحافة في 2021/2020 على 1.091 مليار جنيه عبر احتياطياته لمواجهة التزامات العاملين، وهي ممارسة تكررت سابقًا ووصفتها الرقابة بالمخالفة.
وعلاوة على ذلك، كشفت مناقشات البرلمان أن طريقة عرض الموازنة نفسها كانت معقدة إلى حد دفع رئيسة لجنة الثقافة والإعلام السابقة إلى اتهام القائمين عليها بتقديم البنود بصورة تعرقل الفهم والمساءلة وتُخفي حقيقة الإنفاق.
غير أن الكلفة المالية ليست سوى وجه واحد للأزمة، فالمجلس الذي توسع في الإنفاق أصدر لائحة جزاءات اعترض عليها مئات الصحفيين، وحجب مواقع إخبارية، وأحال مسؤولين عنها إلى النيابة بسبب ممارسة العمل الصحفي.
وفي المقابل، حذرت جهات أممية من أن التشريعات المنظمة للإعلام تقيد حق الجمهور في المعرفة وتجرم الصحافة المستقلة، وطالبت بمراجعة القوانين التي تستخدم لإسكات المعارضين، لكن السلطة واصلت بناء منظومة الرقابة والعقاب.
ديون تبتلع الشاشة
أما الهيئة الوطنية للإعلام، فقد حملت العبء الأكبر من الانهيار، إذ وصلت خسائرها المرحلة في 2025/2024 إلى 119.9 مليار جنيه، بما يعادل 44.9% من إجمالي خسائر الهيئات الاقتصادية البالغة 267.15 مليارًا.
وبناء على ذلك، ارتفعت خسارة الهيئة السنوية من 5.43 مليارات جنيه عند إنشائها في 2017/2016 إلى 14.68 مليارًا في 2025/2024، لتستحوذ وحدها على 90.7% من خسائر الهيئات الاقتصادية خلال ذلك العام.
ويرتبط هذا النزيف بإرث ديون ماسبيرو، الذي بلغ أصل دينه 42.6 مليار جنيه، فيما وصلت فوائد الدين المحملة على الموازنات خلال ثمانية أعوام إلى 48.3 مليارًا، مستحوذة على 72.3% من الخسائر المسجلة.
وفيما تتراكم الفوائد، دفع العاملون الثمن من أجورهم وأمانهم الوظيفي، فتظاهر موظفون خلال 2022 احتجاجًا على تردي أوضاع العمل وتصفية 10 آلاف عامل، مع تأخر المرتبات ومستحقات المحالين إلى المعاش سنوات متتالية.
وفوق ذلك، تجددت احتجاجات أصحاب المعاشات في 2025 بسبب المستحقات المحتجزة منذ أعوام، بينما اشتكى صغار الموظفين من حجب العلاوات منذ 2018، في وقت يحصل فيه رؤساء القطاعات عليها بانتظام ومن دون تأخير.
لذلك، تكشف بنية المصروفات أولوية واضحة لغير العاملين، إذ تراجعت حصة الأجور من 29.6% عام 2017/2016 إلى 22.6% عام 2025/2024، رغم ارتفاع قيمتها الاسمية من 2.187 مليار جنيه إلى 3.8 مليارات.
وبالتوازي، تجاوزت مصروفات الهيئة في 2025/2024 ضعف مستواها عند التأسيس، بينما ظلت الإيرادات محصورة بين 1.68 مليار و2.34 مليار جنيه، بما يكشف غياب نموذج اقتصادي قادر على تمويل المؤسسة أو وقف اعتمادها على الخزانة.
كما رصد الجهاز استخدام 331 مليون جنيه في 2024/2023 من مساهمات مخصصة لسداد أقساط القروض، لتغطية عجز النشاط الجاري، بعد ممارسات مماثلة شملت 128.250 مليونًا و84.67 مليونًا و109 ملايين في أعوام سابقة.
ولم يتوقف الأمر عند العجز الجاري، فقد استُخدم 230 مليون جنيه لشراء أربع سيارات بث خارجي عام 2019، ثم ظهر فرق محاسبي قدره 1.6 مليار جنيه بين سجلات الهيئة ودفاتر وزارة المالية.
منح تغذي العجز
أما الهيئة الوطنية للصحافة، فسجلت مصروفات قدرها 1.665 مليار جنيه في 2025/2024، بزيادة 668 مليونًا على التقديرات الأصلية، واستحوذ الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية على 96.5% منها، بينما لم تتجاوز مخصصات الأجور 30 مليونًا.
وكذلك ارتفعت مصروفات 2024/2023 إلى 1.490 مليار جنيه، مقابل ربط أصلي بلغ 591 مليونًا، بزيادة نسبتها 152%، بما يعيد إنتاج الفجوة نفسها بين المعلن والمنفق ويضعف أي رقابة برلمانية جادة.
ومع ذلك، لم تمنع التدفقات الحكومية تضخم خسائر المؤسسات الصحفية القومية إلى 16.1 مليار جنيه حتى 2024/2023، رغم حصول الهيئة على 1.445 مليار جنيه خلال ذلك العام، بينها 1.002 مليار لمعالجة أزماتها.
وسبق ذلك صرف 1.2 مليار جنيه في 2023/2022، منها 804 ملايين للغرض نفسه، لكن الجهاز أكد أن المنح المتكررة لم تحل المشكلات، ولم تعالج عجز الموازنة، ولم تحول المؤسسات إلى كيانات قابلة للاستمرار.
وبصورة أشد دلالة، حصلت الهيئة في 2021/2020 على 1.54 مليار جنيه، مثلت 77% من مساهمات الخزانة لبعض الهيئات الاقتصادية، لتمويل نشاطها الجاري، من دون تحقيق أرباح أو فائض يعود إلى الحكومة.
ومن ناحية أخرى، تضخم دعم المؤسسات الصحفية من 222 مليون جنيه في 2013/2012 إلى 1.099 مليار في 2023/2022، فيما بلغ مجموع المنح المقدمة خلال ستة أعوام 3.7 مليارات، من دون إصلاح جذري.
وبالإضافة إلى المنح، قدمت وزارة المالية عبر الهيئة قروضًا بنحو 183 مليون جنيه لمؤسسات قومية كبرى منذ 2015، لكن الجهات المستفيدة لم تسدد قسطًا واحدًا أو فائدة واحدة، فتحولت القروض عمليًا إلى دعم بلا مساءلة.
وأخيرًا، بلغ دين المؤسسات القومية للضرائب 17.85 مليار جنيه، بينها 12 مليارًا متأخرات، بينما هبطت مصر إلى المرتبة 169 عالميًا في حرية الصحافة واحتجزت 19 صحفيًا، لتكتمل معادلة الخسارة المالية والقمع السياسي.

