ارتفعت قيمة مبيعات الأدوية في السوق المصرية إلى نحو 155 مليار جنيه خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل 137 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بزيادة تبلغ 18 مليار جنيه ونمو نسبته 13%. وتثير هذه القفزة سؤالًا مباشرًا: هل زاد استهلاك المصريين من الأدوية بهذا المعدل، أم أن الرقم يعكس بالأساس ارتفاع أسعار المستحضرات وتغير خريطة المبيعات؟

 

الأرقام المتاحة تشير إلى أن الإجابة تجمع بين العاملين، لكن بنسب متفاوتة. فهناك نمو حقيقي في عدد العبوات المبيعة نتيجة زيادة عدد السكان وانتشار الأمراض المزمنة وتحسن توافر المستحضرات، إلا أن نمو قيمة المبيعات بمعدل 13%، مقابل توقع زيادة عدد العبوات بنحو 5% فقط خلال العام، يؤكد أن الأسعار ونوعية الأدوية المبيعة لعبتا دورًا أساسيًا في تضخم الفاتورة.

 

 18 مليار جنيه زيادة في قيمة المبيعات خلال 6 أشهر

 

قال علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، إن مبيعات سوق الدواء ارتفعت إلى نحو 155 مليار جنيه في النصف الأول من 2026، مقارنة بنحو 137 مليار جنيه في الفترة المماثلة من 2025، متوقعًا وصولها إلى ما بين 310 و320 مليار جنيه بنهاية العام، مقابل 292 مليارًا خلال العام الماضي.

 

وبحسب عوف، شهدت الأشهر الستة الأولى من 2026 تحريك أسعار نحو 30 مستحضرًا فقط، في ظل استقرار سعر الدولار بالقرب من مستوى 50 جنيهًا، إلى جانب وجود مخزون استراتيجي جيد من المواد الخام ساعد المصانع على استمرار الإنتاج وتجنب ظهور أزمة واسعة في نواقص الأدوية.

 

لكن اقتصار قرارات التسعير الجديدة على 30 مستحضرًا لا يعني أن ارتفاع الأسعار لم يؤثر في مبيعات العام الحالي. فالأسعار الجديدة التي أقرتها هيئة الدواء خلال عامي 2024 و2025 ما زالت تنعكس على قيمة مشتريات المرضى، خاصة بعد تحريك أسعار أعداد كبيرة من المستحضرات لتعويض الشركات عن ارتفاع الدولار وتكاليف المواد الخام والطاقة والتعبئة والنقل.

 

كما أن عودة أصناف كانت ناقصة إلى الصيدليات رفعت حجم المبيعات المسجلة رسميًا. فالمريض الذي لم يكن يجد دواءه أو كان يشتريه من قنوات غير رسمية أصبح قادرًا على الحصول عليه من الصيدلية، ما يزيد عدد العبوات والقيمة الإجمالية للسوق، دون أن يعني ذلك بالضرورة تحسن القدرة الشرائية للأسر.

 

تامر الحسيني: عدد العبوات يرتفع 5% فقط مقابل نمو القيمة 13%

 

توقع الدكتور تامر الحسيني، نائب رئيس هيئة الدواء المصرية، وصول مبيعات السوق من حيث عدد الوحدات إلى نحو 4.2 مليار عبوة بنهاية 2026، مقابل 4 مليارات عبوة في 2025، أي بزيادة تقدر بنحو 200 مليون عبوة ونمو نسبته 5%.

 

وتكشف المقارنة بين نمو عدد العبوات ونمو قيمة المبيعات أن المصريين يشترون أدوية أكثر بالفعل، لكن الزيادة في الكميات وحدها لا تفسر القفزة المالية. فإذا كان عدد العبوات مرشحًا للارتفاع بنسبة 5%، بينما زادت قيمة مبيعات النصف الأول بنسبة 13%، فإن الفارق يعود إلى ارتفاع متوسط سعر العبوة وتغير المبيعات لمصلحة مستحضرات أعلى كلفة.

 

ووفق توقعات العام بأكمله، بلغ متوسط قيمة العبوة حسابيًا نحو 73 جنيهًا في 2025، على أساس مبيعات بقيمة 292 مليار جنيه موزعة على 4 مليارات عبوة. وفي 2026 قد يتراوح المتوسط بين 74 و76 جنيهًا إذا بلغت المبيعات 310 أو 320 مليار جنيه، مع بيع 4.2 مليار عبوة.

 

وهذا المتوسط الحسابي لا يعكس الفروق الكبيرة بين الأصناف؛ فالسوق تضم مستحضرات لا تتجاوز أسعارها عشرات الجنيهات، إلى جانب أدوية بيولوجية وعلاجات أورام تصل أسعارها إلى آلاف الجنيهات. ولذلك قد ترتفع قيمة السوق بقوة نتيجة زيادة مبيعات مجموعة محدودة من الأدوية مرتفعة السعر، حتى لو كان نمو عدد العبوات الإجمالي محدودًا.

 

وأكد الحسيني أن 91% من الأدوية المتداولة في مصر محلية الصنع، بينما تمثل المستحضرات المستوردة نحو 9%، إلا أن الأخيرة تضم نسبة كبيرة من الأدوية البيولوجية وعلاجات الأورام المتقدمة، وهي من أعلى فئات الدواء سعرًا.

 

محمود فؤاد: الإنتاج المحلي لا يعني التخلص من فاتورة الدولار

 

يرى محمود فؤاد، رئيس المركز المصري للحق في الدواء، أن ارتفاع نسبة الأدوية المصنعة محليًا لا يعني أن صناعة الدواء المصرية أصبحت بعيدة عن تقلبات سعر الصرف، لأن المصانع تعتمد على الاستيراد في توفير جانب كبير من المواد الخام والمواد الفعالة ومستلزمات الإنتاج.

 

وبالتالي، فإن عبارة «91% من الأدوية محلية الصنع» تشير إلى مكان تصنيع المستحضر النهائي، لكنها لا تعني أن مكوناته مصرية بالكامل. وكل ارتفاع في تكلفة استيراد الخامات أو الشحن والتأمين يفتح الباب أمام الشركات لتقديم طلبات إلى هيئة الدواء لإعادة تسعير مستحضراتها.

 

وتظهر خطورة ارتفاع الأسعار بصورة أكبر في أدوية الأمراض المزمنة. فالمريض لا يشتري علاج الضغط أو السكري أو القلب مرة واحدة، وإنما يتحمل تكلفته شهريًا، وقد يحتاج إلى أكثر من مستحضر. لذلك تتحول أي زيادة، حتى لو كانت محدودة في سعر العبوة، إلى عبء سنوي كبير على الأسرة.

 

كما قد يضطر المريض إلى شراء بديل أغلى سعرًا عند اختفاء المستحضر المعتاد، أو شراء عبوات إضافية خوفًا من عودة النقص. وفي الحالتين ترتفع قيمة المبيعات دون أن تكون الزيادة ناتجة عن توسع طبيعي في الاستهلاك.

 

أحمد رضوان: نوعية الأدوية المبيعة ترفع حجم السوق

 

يوضح الدكتور أحمد رضوان، استشاري صناعة الدواء والرئيس السابق لقطاع التسويق الإقليمي في شركتي نوفارتس وجلاكسو، أن سعر الدواء في مصر يتأثر بتكلفة المادة الخام المستوردة وسعر الصرف والمقارنة بالأسعار الخارجية، قبل تحديد السعر النهائي من خلال لجان التسعير المختصة.

 

ويعني ذلك أن استقرار الدولار خلال النصف الأول من 2026 ساعد على وقف الزيادات العامة الجديدة، لكنه لم يُلغِ أثر إعادة التسعير السابقة. كما أسهم توسع السوق في أدوية الأورام والمستحضرات البيولوجية والأدوية الحديثة في زيادة القيمة الإجمالية للمبيعات، لأن سعر العبوة في هذه الفئات يفوق أسعار الأدوية التقليدية بمراحل.

 

وعليه، فإن رقم 155 مليار جنيه لا يعني أن المصريين استهلكوا أدوية أكثر بنسبة 13%، ولا يمكن اعتباره دليلًا منفردًا على انتعاش السوق. فالعبوات مرشحة للنمو بنحو 5% فقط، بينما جاءت بقية الزيادة من ارتفاع متوسط الأسعار، واستمرار أثر زيادات الأعوام السابقة، وعودة الأصناف الناقصة، وزيادة مبيعات الأدوية مرتفعة التكلفة.

 

والأدق وصف الرقم بأنه «قيمة مبيعات سوق الدواء عبر الصيدليات والمخازن»، وليس إنفاقًا مباشرًا دفعته الأسر بالكامل، لأن جزءًا من المشتريات تتحمله جهات التأمين والمؤسسات العلاجية. لكن بالنسبة إلى ملايين المرضى الذين يشترون علاجهم من دخول ثابتة أو محدودة، تظل النتيجة واحدة: الدواء أصبح يلتهم جزءًا أكبر من ميزانية الأسرة، حتى في عام تقول الجهات الرسمية إنه لم يشهد زيادات عامة جديدة في الأسعار.