طرح البنك المركزي المصري، اليوم الأحد 12 يوليو 2026، بالتنسيق مع وزارة المالية في القاهرة، أذون خزانة بقيمة 110 مليارات جنيه، لتغطية احتياجات الموازنة، بما يوسع اعتماد الحكومة على الاقتراض المحلي قصير الأجل.
ويكشف الطرح الجديد استمرار سلطة السيسي في معالجة عجز الموازنة بالاستدانة، بدل مراجعة الإنفاق غير المنتج والمشروعات مرتفعة التكلفة، بينما يتحمل المواطن فاتورة الفوائد عبر الضرائب والأسعار وتآكل الإنفاق على الخدمات العامة.
دوامة الاقتراض القصير
وبحسب بيانات البنك المركزي، توزعت قيمة الطرح بين 40 مليار جنيه لأذون تستحق بعد 91 يومًا، و70 مليار جنيه لأذون تستحق بعد 273 يومًا، بما يجعل الجزء الأكبر من التمويل واجب السداد خلال أقل من عام.
وفي المقابل، لا تمثل هذه الأموال إيرادات ناتجة عن إنتاج أو تصدير أو توسع اقتصادي، وإنما قروضًا جديدة تضاف إلى التزامات قائمة، وتستوجب لاحقًا رد أصل الدين مع عوائد مرتفعة من الخزانة العامة.
وبالتالي، يتحول العجز المالي من مشكلة يفترض علاج أسبابها إلى ذريعة دائمة لإصدار أدوات دين جديدة، حيث تستدين الحكومة لتغطية النفقات وسداد استحقاقات سابقة، ثم تعود للاقتراض عند حلول آجال الأدوات الجديدة.
كما أن قصر آجال الاستحقاق يرفع مخاطر إعادة التمويل، لأن وزارة المالية تصبح مطالبة بتوفير مبالغ ضخمة خلال فترات متقاربة، أو إصدار أذون جديدة لتسديد القديمة، بما يرسخ حلقة تدوير الديون.
ولزيادة وضوح الأزمة، أظهرت خطة الاقتراض الحكومية للنصف الثاني من العام المالي 2025 و2026 أن 91 بالمئة من الاحتياجات التمويلية المقدرة كانت مرتبطة بسداد الديون، بينما لم يمثل تمويل العجز سوى 9 بالمئة.
لذلك، فإن الخطاب الرسمي الذي يقدم الطروحات باعتبارها إدارة طبيعية للسيولة يخفي أن معظم الاقتراض لا يمول توسعًا في المستشفيات أو المدارس أو الصناعة، بل يعيد تمويل التزامات صنعتها سياسات مالية متراكمة.
ومن ثم، تبدو الحكومة كمن يشتري وقتًا قصيرًا بأموال باهظة، دون معالجة الفجوة بين الإيرادات والنفقات أو وقف الاستثمارات التي لا تحقق عائدًا دولاريًا ولا ترفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد المصري.
غير أن وزارة المالية تقول إنها تعمل على إطالة متوسط عمر الدين وتقليل الاعتماد على الأذون القصيرة، وهو هدف يناقضه استمرار طرح عشرات المليارات في أدوات تستحق بعد 91 و273 يومًا فقط.
فاتورة فوائد متضخمة
وعلاوة على ذلك، بلغت ديون قطاع الموازنة نحو 14.964 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2025، منها 11.072 تريليون جنيه ديون محلية، وفق خطة الاقتراض الرسمية المنشورة عن وزارة المالية والبنك المركزي.
وبناءً على ذلك، لا يمكن التعامل مع طرح 110 مليارات جنيه باعتباره عملية منفصلة، لأنه يأتي داخل محفظة ديون هائلة تستهلك موارد الدولة وتفرض احتياجات متكررة للاقتراض وإعادة التمويل عبر السوق المحلية.
وفي السياق نفسه، قدرت موازنة 2025 و2026 العجز الكلي بنحو 1.5 تريليون جنيه، بينما وصلت فوائد الديون المقدرة إلى نحو 2.298 تريليون جنيه، متجاوزة قيمة العجز نفسه بفارق واسع.
وبمعنى آخر، أصبحت تكلفة الديون أحد أهم أسباب استمرار العجز، بعدما كان الاقتراض يقدم رسميًا باعتباره وسيلة لتغطيته، فتحولت الفوائد إلى ماكينة تستنزف الإيرادات وتنتج حاجة متجددة للاستدانة عامًا بعد آخر.
ومن جانبها، خلصت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى أن فوائد الديون تلتهم نحو 73.7 بالمئة من الإيرادات العامة المتوقعة، وتفوق مجتمعة مخصصات الأجور والدعم والتعليم والصحة في الموازنة ذاتها.
أما الباحثة الاقتصادية سلمى حسين، التي تناولت مرارًا بنية الموازنة المصرية، فترى أن تحميل الخزانة أعباء الديون المتراكمة يجعل الأرقام المعلنة عن الإنفاق الاجتماعي مضللة، لأن الفوائد تسبق فعليًا احتياجات المواطنين الأساسية.
وفوق ذلك، يحذر الخبير الاقتصادي هاني توفيق من استمرار استدانة وزارة المالية عبر الأذون والسندات المحلية، معتبرًا أن هذا المسار قد يقود إلى ضغوط تضخمية وإضعاف العملة إذا استمرت الديون بوتيرتها الحالية.
وعليه، لا تقف تكلفة الطرح عند العائد المدفوع للمكتتبين، بل تمتد إلى فرص ضائعة كان يمكن توجيهها للأجور والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، قبل أن تذهب الإيرادات إلى خدمة دين لا يتوقف عن التضخم.
البنوك تمول الحكومة
كذلك، تعد البنوك، وفي مقدمتها المؤسسات الحكومية، أكبر المشترين التقليديين لأذون وسندات الخزانة، لأنها تجمع بين الضمان السيادي والعائد المرتفع والسيولة، مقارنة بتمويل الشركات والمشروعات التي تتطلب تقييمًا ومتابعة وتتحمل مخاطر تشغيلية.
وفي الوقت ذاته، يمنح الاقتراض الحكومي البنوك فرصة لتحقيق أرباح كبيرة دون تحمل أعباء تمويل المصانع أو المشروعات الصغيرة، بما يشجعها على تفضيل الدين الحكومي ويقلص الموارد المتاحة للقطاع الخاص المنتج.
وبحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، استحوذ اقتراض الحكومة عبر الأوراق المالية على 57 بالمئة من الائتمان المحلي بنهاية ديسمبر 2024، مقابل 20 بالمئة فقط للقطاع الخاص، بما يكشف اختلال توزيع التمويل المصرفي.
ومن زاوية أخرى، يرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن مدفوعات الديون تقترب من حجم إيرادات الدولة، محذرًا من أن الأزمة تشمل الدينين المحلي والخارجي، ولا يمكن اختزالها في التزامات العملة الأجنبية.
إضافة إلى ذلك، يرفع الإقبال المصرفي على أدوات الخزانة تكلفة الائتمان المتاح للشركات، لأن الحكومة تنافس المستثمرين على السيولة وتقبل دفع عوائد مرتفعة، بينما يواجه المنتجون فوائد يصعب معها التوسع أو خلق وظائف.
بالمقابل، تحقق البنوك أرباحًا مضمونة نسبيًا من أموال المودعين، ثم تسدد الدولة العوائد من الضرائب والرسوم، في دورة تنقل الموارد من المجتمع إلى الدائنين من دون زيادة موازية في الإنتاج أو الخدمات.
وعلى هذا الأساس، يصبح القطاع المصرفي شريكًا في تمويل عجز مزمن بدل أداء دوره الأساسي في توجيه المدخرات نحو الصناعة والزراعة والتصدير، وهي القطاعات القادرة على توفير العملة الأجنبية وتحسين التشغيل.
إلى جانب ذلك، يزيد اعتماد الحكومة على المستثمرين الأجانب في أدوات الدين مخاطر الأموال الساخنة، لأن خروجها المفاجئ عند الأزمات يضغط على الجنيه والاحتياطيات، ويجبر الدولة على تقديم عوائد أعلى للاحتفاظ بها.
في المحصلة، يعكس طرح 110 مليارات جنيه استمرار نموذج اقتصادي يفضل الاقتراض السريع على الإصلاح الهيكلي، ويؤجل الاستحقاقات بدل حلها، ويضع فوائد الديون والبنوك والدائنين قبل احتياجات المواطنين والاقتصاد الحقيقي.
وأخيرًا، لن تنتهي الأزمة بمجرد تمديد آجال بعض الإصدارات أو إعلان تراجع نسبة الدين للناتج، ما لم تتوقف سياسات الإنفاق غير المنتج، وتخضع المشروعات العامة للرقابة، وتوجه الموارد نحو الإنتاج والخدمات والعدالة الاجتماعية.

