تحول استقبال منتخب مصر في مدينة العلمين الجديدة من مناسبة رياضية كان يفترض أن تحمل طابعًا احتفاليًا إلى موجة من الجدل والغضب، بعد تداول شهادات واتهامات على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وقوع ملاحقات ومضايقات لفظية وسلوكيات وُصفت بأنها تحرش بحق نساء مصريات وأجنبيات على الشواطئ وفي المراكز التجارية بالمدينة، وسط اتهامات مباشرة لحزب «مستقبل وطن» بحشد ونقل مجموعات من الأشخاص للمشاركة في الاستقبال دون مراعاة لطبيعة المناسبة أو سلوك المشاركين.
وبدأت الأزمة عقب منشور للصحفية سمر سلطان، وجهت فيه رسالة إلى القائمين على حزب «مستقبل وطن»، خاصة المسؤولين عن نقل أشخاص إلى مطار العلمين، مطالبة الحزب باختيار مشاركين «محترمين ومؤدبين»، بحسب تعبيرها، أو على الأقل توجيههم بعدم التحرش بالنساء، ولا سيما السائحات الأجنبيات الموجودات على شواطئ العلمين.
وتحدثت سلطان عن واقعة ملاحقة امرأة أجنبية ترتدي ملابس سباحة، وتصويرها أثناء وجودها على الشاطئ، رغم استغاثة نساء من الموجودات، قبل أن يتدخل شاب ويطالب المجموعة بالتوقف، معتبرًا ما يفعلونه سلوكًا معيبًا. كما أشارت إلى استخدام ألفاظ وصفتها بالسوقية والقذرة، وإلى مضايقة فتيات ونساء داخل منطقة الجولات الحرة وأحد المراكز التجارية في العلمين.
وأكدت الصحفية، في ختام منشورها، أن المجموعة التي تتحدث عنها تتبع أمانة العامرية في حزب «مستقبل وطن»، وهو اتهام أثار تفاعلًا واسعًا ودفع مستخدمين إلى مطالبة الحزب والجهات المختصة بتوضيح حقيقة ما جرى، وفتح تحقيق رسمي في الوقائع المتداولة، مع التأكيد على ضرورة عدم اعتبار المنشورات المتداولة بديلًا عن التحقيق القانوني وإثبات المسؤولية.
شهادة صحفية تفتح ملف «الحشود المنقولة» إلى العلمين
منشور سمر سلطان مثّل الشرارة الأولى للجدل، إذ لم يتوقف عند الحديث عن واقعة فردية، وإنما طرح سؤالًا أوسع بشأن آليات اختيار الأشخاص الذين يتم نقلهم في حشود منظمة للمشاركة في الفعاليات الرسمية والاستقبالات الجماهيرية.
وقالت سلطان، مخاطبة مسؤولي الحزب: «ممكن وإنتوا بتختاروا الأشخاص تختاروهم محترمين ومؤدبين؟ أو على الأقل قولوا لهم بلاش يتحرشوا بالستات، وخصوصًا الأجانب على الشواطئ في العلمين؟».
وأضافت، في شهادتها المنشورة، أن بعض المشاركين لاحقوا امرأة أجنبية وصوروها، كما أطلقوا عبارات مسيئة بحق نساء وفتيات داخل العلمين. وتساءل متابعون عن الجهة التي نظمت حركة هذه المجموعات، وما إذا كانت هناك رقابة على تصرفاتها بعد الوصول، ومن يتحمل المسؤولية السياسية والتنظيمية عن أي تجاوزات محتملة.
وأثارت الشهادة ردود فعل متباينة؛ إذ رأى فريق من المتابعين أن الوقائع المنسوبة إلى الحشود تمثل إساءة لصورة المجتمع المصري أمام السائحين، خاصة في مدينة تروج لها السلطات باعتبارها وجهة سياحية دولية. بينما دعا آخرون إلى التحقق من تفاصيل الأحداث، والاستماع إلى شهود مستقلين، ومراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة قبل إصدار أحكام نهائية.
ورغم اختلاف المواقف، اتفق كثيرون على أن خطورة الاتهامات تستوجب ردًا واضحًا من حزب «مستقبل وطن»، خاصة مع تحديد اسم أمانة حزبية بعينها، بدلًا من تجاهل القضية أو تركها تتداول في صورة مقاطع ومنشورات غير محسومة.
استقبال المنتخب كشف طبيعة الحشد الحزبي
الإعلامي سامي كمال الدين أعاد نشر شهادات منسوبة إلى سيدات في العلمين، وقال إن حشودًا تابعة لحزب «مستقبل وطن» ضايقت نساء مصريات وأجنبيات أثناء استقبال منتخب مصر، وربط تلك الوقائع بطريقة اختيار الأشخاص الذين يتم نقلهم إلى الفعاليات.
وكتب كمال الدين، في إحدى تدويناته، أن سيدة من سكان المنطقة تحدثت عن تعرضها هي وأجنبيات للمضايقات بسبب ملابس السباحة، مشددًا على ضرورة مراجعة نوعية الأشخاص الذين يتم استقدامهم للمشاركة في مثل هذه المناسبات.
سيدة من أهل Egypt: حشد حزب مستقبل وطن يتحر ش بنا وبالأجنبيات في العلمين أثناء استقبال منتخب مصر بسبب لبس البكيني! pic.twitter.com/0wp7kTgVYn
— سامي كمال الدين (@samykamaleldeen) July 11, 2026
وفي تدوينة أخرى، وسّع كمال الدين انتقاده للحزب، متسائلًا عن دوره الحقيقي، ومقارنًا بين اتهامات سابقة للحزب باستئجار أو نقل أشخاص في فعاليات مرتبطة بسيناء وغزة، وبين الحشد الذي ظهر في العلمين خلال استقبال المنتخب ولقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي.
من جانبه، وصف الإعلامي حمزة زوبع المشاركين الذين ظهروا في المقاطع المتداولة بأنهم «نوعية الجماهير التي شُحنت لاستقبال فريق الكرة في العلمين»، واتهم أمينًا عامًا في حزب «مستقبل وطن» بالمسؤولية عن نقلهم، مع الإشارة إلى خلفيته الأمنية السابقة، بحسب ما أورده في تدوينته.
هذه هي نوعية الجماهير التي شحنت لاستقبال فريق الكرة في العلمين .
— Dr.Zawba (@drzawba) July 11, 2026
مجموعة من المتحرشين الذين شحنهم أمين عام حزب "مستقبل وطن" وهو بالمناسبة ظابط أمن دولة سابق . #انقلاب pic.twitter.com/XGMX6mWqsz
أما الإعلامي هيثم أبوخليل فاختصر تعليقه في عبارة «دمتم مفضوحين»، وهاجم حزب «مستقبل وطن»، معتبرًا أنه امتداد سياسي وتنظيمي للحزب الوطني المنحل، في إشارة إلى أساليب الحشد الجماهيري التي كانت تُستخدم في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك.
دمتم مفضوحين!
— Haytham Abokhalil هيثم أبوخليل (@haythamabokhal1) July 11, 2026
حزب مستقبل وطن
الحزب الوطني سابقًا!!! pic.twitter.com/nV7liNB0db
وتكشف هذه التعليقات أن القضية تجاوزت حدود الاتهامات المتعلقة بسلوك أفراد، لتتحول إلى نقد مباشر لظاهرة الحشد السياسي المنظم، واستخدام الأتوبيسات والوجبات والحوافز لنقل مجموعات إلى مناسبات يفترض أن تكون جماهيرية وتلقائية.
من احتفال رياضي إلى أزمة مساءلة.. من يتحمل مسؤولية ما جرى؟
الناشطة رانيا الخطيب سخرت بدورها من المشهد، قائلة إن حزب «مستقبل وطن» بالكاد يملك الوقت لتجهيز «أتوبيسات الشحن والوجبات»، في إشارة إلى الاتهامات المتكررة للحزب بتنظيم حشود مدفوعة أو منقولة للمشاركة في الفعاليات الرسمية.
يادوب مستقبل وطن يلحق يجهز أتوبيسات الشحن والوجبات https://t.co/U2dUxN3LS2
— Rania Elkhateeb (@ElkhateebRania) July 11, 2026
وتطرح الواقعة، بصرف النظر عن نتائج أي تحقيق محتمل، عدة أسئلة تتعلق بمسؤولية الأحزاب السياسية عن الأشخاص الذين تنقلهم إلى الفعاليات، وبمدى وجود قواعد واضحة للسلوك، ومشرفين مسؤولين عن منع الاعتداء أو التحرش أو الإساءة إلى المواطنين والسائحين.
كما تطرح تساؤلات بشأن الجهات الأمنية والإدارية الموجودة في العلمين، وما إذا كانت قد تلقت بلاغات رسمية من النساء المتضررات، وما إذا تم توقيف أي شخص أو الاستماع إلى شهود الواقعة أو مراجعة التسجيلات المصورة.
ولا يمكن التعامل مع اتهامات التحرش باعتبارها مجرد مادة للسخرية أو المناكفة السياسية، لأن الأمر يتعلق بسلامة النساء وحقهن في الوجود في الأماكن العامة دون ملاحقة أو تصوير أو مضايقة. وفي الوقت نفسه، تظل المسؤولية القانونية شخصية، ولا يجوز إدانة أفراد أو جهات بصورة نهائية اعتمادًا فقط على منشورات مواقع التواصل، قبل إجراء تحقيق شفاف ونشر نتائجه.
غير أن صمت حزب «مستقبل وطن» عن اتهامات محددة، تتضمن أسماء أمانات ومواقع ووقائع واضحة، من شأنه أن يفاقم الأزمة، ويعزز الانطباع بأن الحزب لا يهتم إلا بإظهار الحشود أمام الكاميرات، دون تحمل مسؤولية ما قد يرتكبه بعض المشاركين بعد انتهاء اللقطة الرسمية.
لقد كان استقبال المنتخب فرصة لصناعة مشهد وطني جامع، لكنه تحول، وفق الروايات المتداولة، إلى نموذج جديد للفوضى الناتجة عن الحشد المصطنع. وبين المطالبات بالتحقيق، والدعوات إلى عدم التسرع، تبقى الحقيقة الكاملة مرهونة بتحرك رسمي يكشف ما جرى، ويحاسب كل من ثبت تورطه، ويوضح من نظم هذه الحشود، ومن أشرف عليها، ولماذا غابت الرقابة عنها.

