يرى الدكتور علي محمد الصلابي أن الصبر ضرورة من ضرورات الحياة، فلا يستطيع الإنسان تحصيل رزقه، أو مواجهة آلامه، أو بلوغ أهدافه، أو الثبات أمام الشدائد، إلا بالصبر والجد والمصابرة. وقد خلق الله الإنسان ليكابد صعوبات الدنيا، ويواجه ما فيها من ابتلاءات، ولذلك كان الناجحون والمتفوقون أكثر الناس تحمّلًا للمتاعب، وأشدهم ثباتًا حتى بلغوا غاياتهم وحققوا أمنياتهم.

 

أما المؤمن، فالصبر عنده ليس مجرد وسيلة دنيوية للنجاح، بل عبادة عظيمة ترفع الدرجات، وتكفّر السيئات، وتمحو الخطايا، وتفتح أبواب الجنان. ومما يعين المسلم على تحمّل البلاء أن يتأمل جزاء الصابرين، وما أعده الله لهم من الرحمة والمغفرة والكرامة والمعية والنصر والثواب الذي لا يُحد ولا يُحصى.

 

مكانة الصبر في القرآن

 

يُعد الصبر من أبرز الأخلاق القرآنية التي اعتنى بها كتاب الله في السور المكية والمدنية، وهو من أكثر الأخلاق تكرارًا في القرآن الكريم. وقد ذكر الإمام الغزالي في كتاب الصبر والشكر من كتاب إحياء علوم الدين أن الله تعالى ذكر الصبر في القرآن في أكثر من سبعين موضعًا.

 

ونقل العلامة ابن القيم في مدارج السالكين عن الإمام أحمد قوله إن الصبر ورد في القرآن في نحو تسعين موضعًا، ولا يُعلم خُلُق ذُكر بهذا القدر مثل الصبر. وما ذلك إلا لعظيم منزلته، فهو ليس فضيلة ثانوية أو خُلقًا مكملًا، بل ضرورة لازمة للإنسان حتى يرتقي ماديًا ومعنويًا، ويسعد فرديًا واجتماعيًا.

 

ولا ينتصر دين، ولا تنهض أمة، ولا تستقيم دنيا، ولا يتحقق فلاح في الآخرة إلا بالصبر. فهو ضرورة دينية ودنيوية، وبه يثبت الإنسان في مواجهة المحن، ويواصل طريقه دون يأس أو انكسار.

 

قال الله تعالى:

﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.

 

وقال سبحانه:

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.

 

وقال تعالى:

﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.

 

وتدل هذه الآيات على أن الإيمان لا ينفصل عن الابتلاء، وأن أهل الإيمان أشد الناس حاجة إلى الصبر، لأنهم يتعرضون للفتن والأذى والمحن، ويحتاجون إلى الثبات حتى يصدق إيمانهم وتظهر حقيقة توكلهم على الله.

 

الصبر أصل الأخلاق

 

تدور كثير من الأخلاق الفاضلة حول الصبر وتصدر عنه، فهو الذي يعين الإنسان على تحمّل الأزمات والمشكلات والمصاعب اليومية. ولا تكاد تخلو حياة إنسان من امتحان أو محنة، ولهذا كان الصبر أساسًا للعفة والحلم والشجاعة والثبات والرضا والتوكل.

 

وقد قرن الله تعالى الصبر بمقامات الإيمان وأركان الإسلام وقيمه العليا، فقرنه بالصلاة فقال:

 

﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾.

 

وقرنه بالأعمال الصالحة فقال:

 

﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.

 

وجعله قرين التقوى فقال:

 

﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾.

 

وقرنه بالشكر فقال:

 

﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.

 

وقرنه بالحق فقال:

 

﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.

 

وقرنه بالمرحمة فقال:

 

﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾.

 

وقرنه باليقين فقال:

 

﴿لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾.

 

وقرنه بالتوكل فقال:

 

﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.

 

وقرنه بالتسبيح والاستغفار فقال:

 

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾.

 

وقرنه بالجهاد فقال:

 

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾.

 

ووعد الصابرين بأحسن الجزاء فقال:

 

﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

 

وهذا كله غيض من فيض فضائل الصبر ومنازله، ويكشف أن الصبر ليس خُلقًا منفصلًا عن بقية الأخلاق، بل هو الروح التي تحفظها وتمنحها الثبات والاستمرار.

 

أيوب قدوة الصابرين

 

عندما يُذكر الصبر، يتبادر إلى الأذهان نبي الله أيوب عليه السلام، فقد ابتُلي في ماله وولده وجسده زمنًا طويلًا، ومع ذلك صبر صبرًا جميلًا، ولم يجزع، ولم يعترض على قضاء الله، بل ظل متعلقًا برحمته، راجيًا فضله.

 

قال الله تعالى:

 

﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾.

 

وقال سبحانه:

 

﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.

 

وقد أثنى الله على أيوب بقوله:

 

﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.

 

فكان أيوب عليه السلام نموذجًا خالدًا لكل مبتلى، ودليلًا على أن البلاء مهما طال، فإن رحمة الله أقرب، وأن الصبر لا يضيع، وأن الفرج يأتي في الوقت الذي يقدره الله لعباده.

 

الرسول إمام الصابرين

 

وقدوتنا الكبرى في الصبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد تحمل من أجل هداية الناس إلى الحق ما لا تتحمله الجبال، وصبر على الأذى والتكذيب والحصار والجوع وفقد الأحبة وإخراجه من وطنه.

 

واستعذب النبي صلى الله عليه وسلم المر، واستسهل الصعب، وتحمل أصناف البلاء، وظل رحيمًا ثابتًا داعيًا إلى الله، حتى وصفه ربه بقوله:

 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

 

ومن أقواله صلى الله عليه وسلم في فضل الصبر ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

 

«مَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وما أُعْطِيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصبر».

 

رواه البخاري ومسلم.

 

وهذا الحديث يدل على أن الصبر يمكن اكتسابه بالتدرب والمجاهدة، وأن من يحمل نفسه عليه يعنه الله ويثبته، حتى يصبح الصبر خُلقًا راسخًا في نفسه.

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

 

«مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُصِبْ منه».

 

رواه البخاري ومالك.

 

ومعنى الحديث أن البلاء قد يكون علامة خير إذا صاحبه الصبر والاحتساب، لأن الله يطهر به عبده، ويرفع درجته، ويهيئه لفضله ورحمته.

 

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

«ما من مصيبة تُصيب المؤمن إلا كفَّر الله بها عنه، حتى الشوكة يُشاكها».

 

رواه البخاري ومسلم.

 

فكل ألم يصيب المؤمن، مهما كان يسيرًا، يكون سببًا في تكفير خطاياه إذا صبر واحتسب ولم يعترض على قضاء الله.

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

 

«يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة».

 

رواه البخاري.

 

وهذا الحديث يفتح باب الرجاء لكل من فقد حبيبًا، ويبين أن من صبر على فقده واحتسبه عند الله، فإن جزاءه الجنة.

 

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

 

«إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، عوضته منهما الجنة».

 

رواه البخاري والترمذي.

 

والمراد بحبيبتيه العينان، فمن ابتلاه الله بذهاب بصره، فصبر واحتسب، كان جزاؤه الجنة، وهذا من عظيم فضل الله على عباده الصابرين.

 

جزاء الصابرين عند الله

 

وعد الله تعالى عباده الصابرين بأجور عظيمة وبشارات كريمة، فقال سبحانه:

 

﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.

 

فوعدهم الله بصلوات منه، أي بالمغفرة والثناء والرحمة، وذكر الصلوات بصيغة الجمع للدلالة على كثرتها، كما وعدهم بالرحمة والهداية إلى ما يصلح أمور دنياهم وآخرتهم.

 

وقال تعالى:

 

﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

 

فأجر الصابرين لا تحده مقاييس ولا أعداد، بل يوفى لهم كاملًا بغير حساب، ويضاعف لهم جزاؤهم، وتفتح لهم أبواب الجنة بفضل الله ورحمته.

 

وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الإيمان، فقال له:

 

«الصبر والسماحة»

 

فالصبر علامة على صدق الإيمان، وهو دليل على قوة القلب وحسن التوكل على الله، كما أن السماحة دليل على طهارة النفس وحسن التعامل مع الناس.

 

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

 

«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له».

 

فالمؤمن رابح في كل أحواله، إن جاءه الخير شكر، وإن جاءه البلاء صبر، فتحولت حياته كلها إلى طاعة وأجر وقرب من الله.

 

وقال الله تعالى:

 

﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.

 

فالفوز الحقيقي ليس في النجاة من كل بلاء في الدنيا، بل في الثبات حتى يلقى العبد ربه، فيجزيه الله بما صبر، ويدخله جنات النعيم.

 

والرضا والتسليم لله من علامات الصبر، وهو سبب لهداية القلب ورقته، قال الله تعالى:

 

﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.

 

الصبر في زمن البلاء

 

من الواجب على المسلم أن يحتسب كل بلاء امتحانًا من الله، وأن يرجو الأجر والثواب منه سبحانه، فهو الولي والناصر، وهو على كل شيء قدير، وحاشاه أن يترك عباده إن صبروا وثبتوا في امتحانهم.

 

والجنة سلعة غالية، ولا بد لها من ثمن، وقد دفعه أصحاب الدعوات من قبل، ودفعه الأنبياء والصالحون والمصلحون، ولا بد أن يدفعه من جاء بعدهم من الصابرين.

 

وثمن الجنة هو الصبر على البأساء التي تصيب الأموال، والضراء التي تصيب الأبدان، والزلزلة التي تصيب النفوس، حتى يبلغ الابتلاء غايته، ويقول الرسول والذين آمنوا معه:

 

﴿مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ﴾.

 

فيأتيهم الجواب الرباني المطمئن:

 

﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.

 

فمهما اشتد البلاء، ومهما طال الطريق، فإن وعد الله حق، ونصره قريب، وفرجه آت، ولا يخلف الله الميعاد.

 

عاقبة الصابرين في الدارين

 

للصابر العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة، وله الجنة والكرامة إذا صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على ما أصابه من الفقر والمرض وشظف العيش وفقد الأحبة.

 

قال الله تعالى:

 

﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾.

 

ثم قال سبحانه:

 

﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.

 

فجعل الله الصبر دليل الصدق والتقوى، لأن الصادق لا يتراجع عند البلاء، ولا يترك طريق الحق إذا اشتد عليه الأذى.

 

وقال تعالى في شأن المؤمنين مع أعدائهم:

 

﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.

 

فالصبر والتقوى حصن للمؤمن، وسبب لحفظه من كيد أعدائه، لأن الله محيط بأعمالهم، وقادر على إبطال مكرهم ورد ظلمهم.

 

كيف نعين أنفسنا على الصبر

 

يعين المسلم على الصبر أن يتذكر أن الدنيا دار ابتلاء لا دار جزاء، وأن ما يصيبه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

 

ويعينه كذلك أن يتأمل سير الأنبياء والصالحين، وفي مقدمتهم أيوب عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد صبروا على أشد البلاء، فرفع الله ذكرهم، وأعلى مقامهم، وجعلهم قدوة للناس.

 

ومن أعظم ما يعين على الصبر تذكر الأجر، فالمصيبة تزول، والألم ينتهي، والبلاء ينقضي، لكن الثواب يبقى، والدرجات ترتفع، والسيئات تُمحى.

 

كما يعينه الدعاء والاستعانة بالله والصلاة، قال تعالى:

 

﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾.

 

ويعينه أن يوقن أن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا، وأن الله لا يضيع أجر المحسنين.

 

رسالة إلى كل مبتلى

 

يا من أثقلتك الهموم، وأتعبك المرض، وضاقت بك سبل الحياة، وفقدت مالًا أو ولدًا أو حبيبًا، لا تظن أن الله قد نسيك، ولا أن صبرك يضيع عنده.

 

إن الله يرى دمعتك، ويسمع دعاءك، ويعلم وجعك، وقد وعدك أن يوفّيك أجرك بغير حساب، وأن يكفّر عنك خطاياك، وأن يعوضك خيرًا مما فقدت.

 

فاصبر صبرًا جميلًا، واستعن بالله، ولا تيأس من رحمته، وقل كما قال أيوب عليه السلام:

 

﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.

 

وتذكر قول الله تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.

 

فإذا كان الله معك، فلن يضرك طول الطريق، ولن يهزمك البلاء، ولن يضيع صبرك، وستعلم يومًا أن كل ألم احتسبته كان طريقًا إلى مغفرة، وكل دمعة كتمتها كانت سببًا في رفعة، وكل لحظة صبرت فيها كانت خطوة نحو الجنة.