توقعت شعبة البيض باتحاد منتجي الدواجن ارتفاع أسعار بيض المائدة في مصر بنسبة تصل إلى 23%، بعد قفز سعر الطبق بالمزرعة من 65 إلى 80 جنيها، نتيجة انسحاب منتجين خسروا خلال عام 2026.

 

تكشف الأرقام مفارقة قاسية في بلد يعاني الملايين من مواطنيه من تآكل الدخول، إذ يتحول فائض غذائي هائل إلى مقدمة لغلاء جديد، لأن الحكومة تركت السوق يهوي بالمنتجين ثم ينتقم لاحقا من المستهلكين.

 

وبحسب رئيس الشعبة أحمد نبيل، بلغ إنتاج مصر نحو 16 مليار بيضة سنويا مقابل استهلاك يتراوح بين 10 و11 مليارا، ما صنع فائضا يقارب 5 مليارات بيضة عجزت السياسات الحكومية عن تصريفه.

 

غير أن الفائض الذي كان يفترض أن يمثل فرصة للتصدير وخفض الكلفة تحول إلى عبء مدمر، بعدما ظلت كميات التصدير محدودة للغاية مقارنة بحجم الإنتاج الزائد، فانهارت الأسعار تحت تكلفة المنتجين.

 

كما أوضح نبيل أن تكلفة إنتاج طبق البيض تصل إلى نحو 115 جنيها دون هامش ربح، بينما اضطر المنتجون لبيعه خلال فترات سابقة بأسعار تقل كثيرا عن التكلفة، فتراكمت الخسائر وتسارع الانسحاب.

 

لذلك لم يكن ارتفاع السعر الحالي دليلا على تعافي القطاع، بل أول نتيجة مباشرة لخروج منتجين من السوق، إذ يتراجع المعروض بعد التخلص من الدجاج البياض، وتبدأ موجة صعود يدفع ثمنها المستهلك وحده.

 

ومن ثم تظهر الأزمة بوصفها نتيجة إدارة مرتجلة لدورة الإنتاج، فالحكومة احتفت بالاكتفاء الذاتي وزيادة المعروض، لكنها لم تبن مسارات تصدير أو تصنيع قادرة على امتصاص الفائض قبل انهيار الأسعار.

 

فائض يتحول إلى خسائر

 

علاوة على ذلك، قال نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن ثروت الزيني إن الزيادة الكبيرة في الإنتاج خفضت الأسعار داخل المزارع وكبدت المربين خسائر فادحة، محذرا من أن الخطر الحقيقي هو خروجهم من السوق.

 

وفي تقدير الزيني، يستهلك المصريون نحو 40 مليون بيضة يوميا، ومع ذلك ظل المعروض أكبر من قدرة السوق على الاستيعاب، وهو ما يؤكد أن المشكلة ليست في ضعف الإنتاج بل في غياب الإدارة المتوازنة.

 

فضلا عن ذلك، أرجع الزيني التقلبات الحادة إلى طبيعة البيض كسلعة طازجة صعبة التخزين، موضحا أن المنتجين توسعوا بعد تجاوز أزمات الأعلاف والنقد الأجنبي، فنتج فائض كبير ضغط بقوة على الأسعار.

 

على الجانب الآخر، لم تنجح الحكومة في تحويل الوفرة إلى احتياطي غذائي أو صناعة تحويلية واسعة، رغم أن تجفيف البيض وبسترته يطيلان عمره ويتيحان استخدامه في المصانع والفنادق والأسواق الخارجية.

 

وبالتوازي، أعلن قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة تصدير 9 ملايين بيضة مائدة منذ بداية 2026، لكن هذا الرقم يبقى ضئيلا أمام فائض يقدر بالمليارات، ويكشف اتساع الفجوة بين الإنتاج والتصريف.

 

أما في يونيو، فلم تتجاوز الصادرات التي تحدثت عنها الشعبة 85 ألف طبق إلى بعض الدول العربية، وهي كمية لا تكفي لتغيير ميزان سوق تضخ مليارات البيض فوق احتياجات المستهلكين المحليين.

 

وبناء على ذلك، يصبح الحديث الرسمي عن فتح باب التصدير ناقصا، لأن القرار وحده لا ينقذ المربين ما لم ترافقه أسواق فعلية واتفاقات مستقرة وإجراءات سريعة وقدرات كافية للتعبئة والنقل والتصنيع.

 

منتجون يخرجون من السوق

 

وفي السياق نفسه، حذر رئيس شعبة الدواجن باتحاد الغرف التجارية عبد العزيز السيد من أن انخفاض الأسعار إلى مستويات مؤذية للمنتج يهدد الصناعة، لأن وفرة المعروض مع ضعف الطلب تدفع المربين للخسارة.

 

ويرى السيد أن الفائض يحتاج آليات مبتكرة لاستيعابه ومنع الهزات السعرية، مطالبا بالتوسع في تجفيف البيض وبسترته، لأن تحويل المنتج سريع التلف إلى صورة قابلة للتخزين يفتح أبوابا أوسع للتصدير.

 

ومع ذلك، تركت الإدارة الحكومية المنتج الصغير يواجه دورة السوق وحده، فحين زاد الإنتاج انهار السعر، وحين انسحب المتضررون بدأ المعروض يتراجع، لتعود الأسعار إلى الصعود من دون حماية لأي طرف.

 

كذلك لا يعرف الرأي العام حتى الآن عدد المنتجين الذين خرجوا من النشاط، رغم تأكيد رئيس الشعبة أن العدد كبير جدا، وهو غياب يكشف ضعف قاعدة المعلومات في قطاع حساس للأمن الغذائي.

 

وفوق ذلك، يوضح نبيل أن أثر خروج الدجاج البياض يظهر بعد نحو 10 أيام، ما يعني أن السوق لا تزال أمام نتائج إضافية للانسحاب، وأن موجة الارتفاع الحالية قد تكون مجرد بداية.

 

لهذا تبدو نسبة 23% إنذارا مبكرا لا قفزة عابرة، فالسعر ارتفع خلال أسبوع واحد من 65 إلى 80 جنيها بالمزرعة، بينما يستعد المستهلك لتحمل زيادات أخرى مع انكماش الإنتاج خلال الأيام المقبلة.

 

ومن ناحية أخرى، لا يمكن اختزال الأزمة في جشع التجار كما تفعل الخطابات السهلة، لأن جذورها تبدأ بفائض ضخم وبيع تحت التكلفة وتصدير محدود، وتنتهي بتخارج المنتجين ثم نقص المعروض وارتفاع الأسعار.

 

الغلاء يطرق الأبواب

 

وبالتالي يدفع المواطن ثمن الفشل مرتين، أولا حين لا يستفيد بالكامل من انهيار سعر المزرعة بسبب حلقات التداول، وثانيا حين ترتفع الأسعار لاحقا بعد خروج المربين وتراجع الكميات المطروحة مباشرة.

 

إضافة إلى ذلك، فإن البيض ليس سلعة ترفيهية يمكن للأسر حذفها بسهولة، بل أحد أرخص مصادر البروتين، ولذلك تضرب أي قفزة سعرية مباشرة ميزانيات الفقراء والأسر التي تقلص استهلاك اللحوم والدواجن.

 

في المقابل، كانت الحكومة تملك فرصة لاستغلال الفائض عبر التصدير والتصنيع والتخزين النسبي والتعاقدات المؤسسية، لكنها تحركت ببطء حتى تحول النجاح الإنتاجي المعلن إلى خسائر للمزارع وتهديد جديد للمستهلك داخل المنظومة.

 

وعند المقارنة، تكشف الأرقام عبث المشهد بوضوح، فمصر تنتج 16 مليار بيضة وتستهلك نحو 10 أو 11 مليارا، ومع ذلك لا يجد المنتج سوقا مستقرة ولا يجد المواطن ضمانا لاستقرار السعر.

 

أخيرا، لا تحتاج الأزمة إلى مزيد من الاحتفالات بالاكتفاء الذاتي، بل إلى سياسة تمنع انهيار المنتج عند الوفرة وتمنع ابتزاز المستهلك عند النقص، لأن السوق التي تترك بلا إدارة تعاقب الطرفين معا.

 

وهكذا يتحول فائض 5 مليارات بيضة من دليل قوة محتملة إلى شهادة على سوء الإدارة، فيما يخرج المنتجون بالخسائر وتتحرك الأسعار صعودا بنسبة 23%، ويبقى المواطن الحلقة الأخيرة التي تسدد الفاتورة.