كشفت جامعة سوهاج رسوب 65.77% من طلاب الفرقة الأولى بكلية طب وجراحة الفم والأسنان، مقابل نجاح 34.23% فقط، لتفجر النتيجة داخل صعيد مصر أزمة تتجاوز دفعة دراسية إلى خلل ممتد في بوابة القبول الجامعي.
وتربط هذه الصدمة بين نظام ثانوية عامة تتكاثر حوله وقائع الغش الإلكتروني، وسياسة تعليمية تكتفي بمطاردة الأدوات بعد وقوع الجريمة، ثم تترك الجامعات تواجه وحدها طلابا دخلوا كليات القمة بدرجات لا تعكس دائما قدرتهم الحقيقية.
وبالتالي، لا تبدو أرقام سوهاج حادثا منفصلا، لأن الفرقة الثانية في الكلية نفسها حققت نجاحا بلغ 86.85%، بينما انهارت النسبة بين طلاب السنة الأولى، بما يضع لحظة الانتقال من المدرسة إلى الجامعة تحت دائرة الاتهام المباشر.
ومن ناحية أخرى، تؤكد الجامعة أن النتائج جاءت بعد التصحيح والمراجعة ورصد الدرجات وفق معايير الدقة والشفافية، وأن العدالة الأكاديمية تقتضي إعلان النتيجة كما هي، لا ترقيعها بدرجات رأفة تحمي الأرقام وتضر المرضى مستقبلا.
كما أن الدفاع عن صرامة التقييم لا يعفي الدولة من مسؤولية السؤال الأكبر، وهو كيف وصل هذا العدد من الطلاب إلى كليات طبية شديدة الحساسية، إذا كانت قدراتهم المعرفية تنهار عند أول اختبار جامعي منضبط لا يسمح بالمساندة الخارجية.
ولذلك، تصبح النتيجة شهادة إدانة مزدوجة، لا للطلاب وحدهم، بل لمنظومة سياسية تعتبر ارتفاع المجاميع إنجازا إعلاميا، بينما تتراجع الثقة في عدالة الامتحانات، ويُترك المجتمع لاحقا أمام فاتورة أطباء لم تُختبر كفاءتهم منذ بوابة الدخول.
من لجان الغش إلى مدرجات الطب
في السياق نفسه، سجلت كلية طب قنا بجامعة جنوب الوادي خلال 2025 رسوب 61.6% من طلاب الفرقة الأولى، بعدما نجح 153 طالبا من أصل 398، ولم يحصل أي طالب على تقدير ممتاز في النتيجة المعلنة.
وقبل ذلك، شهدت كلية الطب البشري بجامعة سوهاج في 2024 رسوب نحو 47% من طلاب الفرقة الأولى، بعدما رسب 454 من أصل 965 طالبا، وهي نسبة كسرت المعدلات المعتادة وأعادت السؤال نفسه إلى الواجهة.
كذلك، عاشت كلية طب أسيوط في 2023 صدمة رسوب 60% من طلاب الفرقة الأولى، إذ رسب 720 من أصل 1207 طلاب، بينما كانت نسبة النجاح في العام السابق أعلى كثيرا، وفق تصريحات عميد الكلية.
وعلاوة على ذلك، تجاوزت نسبة الرسوب في طب قنا خلال 2023 حاجز 70%، ما يعني أن الجامعات الطبية في الصعيد لم تواجه واقعة استثنائية، بل سلسلة متكررة تتغير فيها الأسماء وتبقى الفجوة التعليمية ذاتها.
ومن ثم، يصعب تفسير هذا التتابع باعتباره سوء حظ جماعيا، لأن النمط يتكرر عند السنة الجامعية الأولى تحديدا، وهي اللحظة التي ينتقل فيها الطالب من امتحان يحدد مصيره بدرجة واحدة إلى دراسة تراكمية تتطلب فهما وانضباطا يوميا.
في المقابل، قال الدكتور علاء عطية، عميد كلية طب أسيوط، إن الامتحان يجب أن يقيس مستوى الطبيب لضمان جودة الخريج، وربط جزءا من أزمة دفعة 2023 بطلاب ثانوية عامة أثير حول نتائجها جدل وتسريبات.
غير أن كلام عطية يكشف ما تحاول البيانات الرسمية غالبا تفاديه، فحين يعجز مئات من أصحاب المجاميع المرتفعة عن اجتياز السنة الأولى، تصبح شهادة الثانوية نفسها موضع اختبار، لا مجرد أوراق الجامعة وأساليب التصحيح.
وبناء على ذلك، فإن استمرار التنسيق في التعامل مع المجموع باعتباره معيارا شبه وحيد للالتحاق بالطب يبدو وصفة لإعادة إنتاج الأزمة، لأن الدرجة قد تختبر القدرة على عبور امتحان، لكنها لا تضمن الاستعداد لدراسة مهنة معقدة.
تفوق على الورق وانهيار عند أول اختبار
في هذا الإطار، يرى الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، أن الغش يرتبط بعوامل منها ضعف المراقبة وسهولة استخدام الأجهزة الذكية وضغط الرغبة في الإجابة الصحيحة، وهي بيئة تصنع تفوقا زائفا.
لزيادة التوضيح، فإن سماعات البلوتوث والهواتف المصغرة وصفحات تداول الإجابات ليست مجرد مخالفات فردية، بل أدوات تعيد توزيع الفرص لمصلحة من يملك المال أو الحماية أو اللجنة المتساهلة، وتدمر معنى الاستحقاق الذي يفترض أن يحكم التنسيق.
وفوق ذلك، لا تنتهي الجريمة بخروج الطالب من لجنة الثانوية، لأن الدرجة المنفوخة قد تزاحم طالبا أكثر كفاءة على مقعد جامعي محدود، ثم تنتقل آثارها إلى الجامعة والمستشفى والمريض، فتتحول مخالفة امتحانية إلى خطر اجتماعي.
وبالمثل، قال الدكتور حسان النعماني، رئيس جامعة سوهاج، عند أزمة سابقة إن نوعية بعض الداخلين إلى الطب تغيرت، وإن الحصول على مجموع مرتفع لا يعني بالضرورة امتلاك القدرات اللازمة، مؤكدا أن الامتحانات الإلكترونية تحد التدخل البشري.
إلا أن هذا التشخيص، رغم صراحته، يظل ناقصا إذا توقف عند لوم نوعية الطالب، لأن الدولة هي التي تدير الامتحان والتنسيق والقبول، وهي المسؤولة عن منع انتقال الغش من واقعة مدرسية إلى تذكرة رسمية نحو كلية الطب.
لهذا، تكشف مقارنة الفرقة الأولى بالثانية في طب أسنان سوهاج أن المشكلة ليست عجز الكلية عن التدريس بصورة عامة، بل صدمة دفعة جديدة عند الاصطدام ببيئة تقييم مختلفة، وهو مؤشر يستحق تحقيقا مستقلا لا بيانات احتفالية.
وبعبارة أخرى، كلما اتسعت الفجوة بين مجموع الثانوية والأداء الجامعي، تقل قيمة المجموع بوصفه دليلا على الجدارة، وتزداد الحاجة إلى مراجعة أدوات القبول، من دون تحويل اختبارات القدرات إلى باب جديد للفساد والمحسوبية.
الغربلة لا تعفي الدولة من الجريمة
أمام ذلك، تتمسك الجامعات برفض درجات الرأفة العشوائية، وهو موقف ضروري في الكليات الطبية، لأن تمرير طالب غير مؤهل قد يحول المجاملة الأكاديمية إلى خطأ سريري يدفع ثمنه مريض لا يعرف شيئا عن لجان الثانوية.
مع ذلك، لا يجوز تقديم الرسوب الجماعي باعتباره بطولة إدارية أو عملية غربلة طبيعية، لأن وصول مئات غير المستعدين إلى الكلية يعني أن منظومة الفرز الأولى فشلت، وأن الجامعة تعالج في النهاية عيوبا صنعتها مؤسسات الدولة.
ومن زاوية أخرى، يحذر الدكتور حسن شحاتة، أستاذ المناهج بجامعة عين شمس، من تحول مواجهة الغش إلى حرب إلكترونية مع وسائل حديثة، وهو توصيف يؤكد أن الأدوات تطورت أسرع من رقابة تقليدية ما زالت تتحرك بعد التسريب.
نتيجة لذلك، تبدو حملات التفتيش الموسمية والبيانات المكررة أقل كثيرا من حجم المشكلة، فكل واقعة غش تمر بلا ردع جاد لا تمنح صاحبها درجة فقط، بل تسحب فرصة من طالب آخر وتعيد تشكيل خريطة القبول الجامعي ظلما.
وفي المحصلة، تكشف سوهاج أن الأزمة ليست بين طالب راسب وأستاذ صارم، بل بين دولة تدير امتحانا مصيريا وتفشل في حماية عدالته، وجامعات تضطر لاحقا إلى كشف الفجوة بأرقام قاسية بعد فوات فرصة المنع.
وأخيرا، لن يحمي الطب المصري رفع شعارات الجودة وحده، بل يبدأ الإصلاح من امتحان ثانوية نزيه، وقبول أكثر عدالة، ودعم أكاديمي حقيقي، ومحاسبة من يسهل الغش، قبل أن يصبح الرسوب الجماعي الخبر السنوي الثابت في جامعات الصعيد.

