فجرت أزمة تعطل منظومة التأمينات في مصر غضبا جديدا بعد بقاء 45 ألف ملف عالقا من أصل نحو 11 مليون مستحق، لتتحول أخطاء الانتقال الإلكتروني إلى حرمان أسر من دخلها، ومطالبات بإقالة رئيس الهيئة ومحاسبة الحكومة.
وتكشف الأزمة وجها قاسيا لدولة تطلب من المسن والمريض انتظار إصلاح برنامج إلكتروني، بينما يعتمد آلاف المتضررين على معاش هزيل لشراء الدواء والطعام، في مشهد يختصر كيف يتحول الفشل الإداري إلى عقوبة جماعية بلا محاسبة.
وبدلا من إعلان مسئولية واضحة، خرج رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ليشرح ضخامة المشروع وصعوبة نقل أكثر من 6 مليارات سجل، كأن حجم البيانات يمنح الحكومة حق تعليق أرزاق الناس وطلب مزيد من الصبر من الضحايا.
كما أن الحديث الرسمي عن بقاء 45 ألف ملف فقط يكشف استخفافا خطيرا بحجم الكارثة، لأن الرقم لا يمثل ملفات إلكترونية صامتة، بل عشرات الآلاف من البيوت التي فقدت دخلا ثابتا تعتمد عليه في أبسط احتياجاتها.
وفي مواجهة الغضب، وعدت الحكومة بحل الملفات خلال فترة تتراوح بين 10 أيام وأسبوعين، ثم تحدثت عن استقرار كامل في أغسطس، لتضيف موعدا جديدا إلى سلسلة وعود سبق أن تجاوزتها الأزمة دون انتهاء فعلي.
ومن هنا، تبدو المطالبة بإقالة رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي نتيجة طبيعية لفشل ممتد، لا رد فعل انفعاليا، لأن المسئول الذي يعجز عن حماية معاشات الناس لأشهر لا يكفيه الاعتذار أو تبرير الأعطال.
45 ألف أسرة تدفع ثمن الفشل الإلكتروني
أمام هذا المشهد، طالب النائب فريدي البياضي بإقالة رئيس الهيئة ورئيس الوزراء نفسه، واعتبر تأخر صرف المعاشات كارثة، مؤكدا أن تقليل الأزمة إلى نسبة محدودة يتجاهل آلاف الأسر التي تعيش على هذه المستحقات.
وبحسب البياضي، فإن بقاء مواطنين بلا معاش بينما تواصل الحكومة تحديد مواعيد جديدة للحل يفرض توفير آلية بديلة فورية، لأن الدولة لا تستطيع مطالبة صاحب المعاش بتجميد علاجه وطعامه إلى حين إصلاح النظام.
كذلك طالب بتعويض المتضررين عن فترات التأخير، وهي مطالبة تكشف وجها غائبا عن خطاب الحكومة، فالمسئولون يتحدثون عن إصلاح الملفات، لكنهم لا يشرحون من سيتحمل ثمن الديون والعلاج المؤجل والأضرار التي لحقت بالأسر.
ومن الناحية المهنية، يرى كامل السيد، خبير التأمينات والمعاشات ونائب اتحاد المعاشات، أن الأزمة تستوجب لجنة تقصي حقائق مستقلة تفحص المشروع منذ بدايته، وتكشف حجم الإنفاق ومسئولية من قرر التشغيل قبل ضمان استقرار الخدمات.
ويضيف طرح كامل السيد بعدا أخطر، لأن القضية لا تتعلق بعطل عابر، بل بمشروع رقمي ضخم أنفقت عليه أموال عامة وأموال أصحاب المعاشات، ثم انتهى إلى تعطيل مصالحهم وعودة بعض الإجراءات إلى المعالجة اليدوية.
وعليه، فإن بقاء رئيس الهيئة في موقعه رغم توالي المهل وتعطل الخدمات يطرح سؤال المسئولية السياسية مباشرة، فإما أن يكون مسئولا عن المشروع ونتائجه، وإما أن تكشف الحكومة من كان صاحب القرار الحقيقي وتقدم الحساب.
ولم تتوقف الأزمة عند تأخر معاشات بعض المستحقين، بل امتدت إلى خدمات تأمينية وإفادات رسمية وإجراءات ترتبط بتأسيس أنشطة، ما يعني أن عطب المنظومة تجاوز الأسر المتضررة وأصاب مصالح اقتصادية وإدارية أوسع.
ومن زاوية تقنية، يرى خبير التكنولوجيا وأمن المعلومات محمد حمزة أن التحول الرقمي في مصر يواجه مشكلات بنية تحتية وعدم استقرار بعض الخدمات، وهو ما يفضح خطورة تشغيل أنظمة حساسة قبل تأمين بدائل واستمرارية العمل.
لكن المشكلة هنا لا يمكن دفنها تحت مصطلح التحول الرقمي، لأن الرقمنة الحقيقية يفترض أن تحمي الخدمة من التوقف، لا أن تجعل معاش المواطن رهينة برنامج واحد، ثم تتركه بلا مسار بديل عندما تتعطل الشاشات.
60 نائبا يفتحون الصندوق الأسود للمنظومة
في المقابل، جمعت تحركات النائب أحمد بلال البرلسي توقيعات 60 نائبا لتشكيل لجنة تقصي حقائق، بما ينقل الملف من مجرد بيانات غاضبة إلى محاولة برلمانية لفتح الصندوق الأسود للمشروع وتحديد المسئولين عن التعطل.
وبذلك، أصبحت الحكومة أمام اختبار لا يحتمل بيانات علاقات عامة جديدة، لأن لجنة التقصي مطالبة بفحص مراحل التعاقد والتجريب والتشغيل، ومعرفة لماذا أطلقت المنظومة بينما ظلت آلاف الحالات عاجزة عن الوصول إلى حقوقها.
وفوق ذلك، يجب أن تكشف اللجنة حجم الإنفاق الفعلي على المشروع، والجهات المنفذة، ومعايير الاختبار، وخطط الطوارئ، ومن وافق على الانتقال الكامل، لأن الفشل الذي يمس قوت الناس لا يجوز أن يضيع بين الإدارات.
ويرى الخبير الاقتصادي محمد فؤاد أن اعتبار 45 ألف حالة نسبة بسيطة أمر غير مقبول، مؤكدا أن هؤلاء مواطنون حرموا من حقوقهم، وأن الأزمة لا تليق بدولة يفترض أنها تحمي أصحاب المعاشات لا تعطل مستحقاتهم.
ويكشف موقف فؤاد جوهر المأساة، فالحكومة تقيس الأزمة بالنسبة إلى ملايين المستحقين، بينما يقيسها المواطن بعدد أيام الجوع والاقتراض وتأجيل الدواء، وبين المقياسين تضيع المسئولية ويصبح الإنسان مجرد رقم صغير في عرض حكومي.
لذلك، فإن أول إجراء جاد يجب أن يكون صرف المستحقات المتأخرة فورا عبر مسار يدوي أو استثنائي، ثم تعويض المتضررين، وبعدها يبدأ التحقيق، لا أن تظل الحقوق معلقة حتى يعلن المسئولون أن النظام أصبح مستقرا.
وعلاوة على ذلك، لا يجوز أن تتحول ضخامة 6 مليارات سجل إلى حجة براءة، بل إلى سبب لمحاسبة أشد، لأن المشروع الأضخم يحتاج اختبارات أوسع وخطط عودة وتشغيلا متوازيا، لا انتقالا يدفع ثمنه أصحاب المعاشات.
الإقالة أو تكريس دولة بلا حساب
ومع اقتراب الموعد الحكومي الجديد، يصبح أغسطس اختبارا للمصداقية لا موعدا تقنيا فقط، فإذا استمرت الأعطال بعده، فلن يبقى أمام الحكومة ما تختبئ خلفه سوى الاعتراف بأن الأزمة كانت أزمة إدارة ومسئولية منذ البداية.
وبالتوازي، فإن اعتذار رئيس الهيئة عن التأخير لا يغلق الملف، لأن الاعتذار الأخلاقي لا يعوض أسرة استدانت ولا مريضا أجل علاجه، كما لا يجيب عن سؤال من قرر تشغيل منظومة غير قادرة على حماية كل المستحقين.
من ثم، فإن إقالة رئيس الهيئة لم تعد مطلبا سياسيا مبالغا فيه، بل اختبارا لوجود معنى للمحاسبة، لأن بقاء المسئولين بعد فشل يمتد شهورا يرسل رسالة واضحة بأن المنصب محمي والضرر وحده يقع على المواطن.
وأخيرا، تحتاج الأزمة إلى أكثر من إصلاح شاشة أو تسوية ملف، فهي تحتاج كشفا كاملا للعقود والإنفاق والاختبارات وأسماء أصحاب القرار، وتعويضا للمتضررين، وإقالة من يثبت تقصيره، حتى لا يصبح المعاش حقا مؤجلا بقرار إلكتروني.
ويبقى السؤال الذي لا تجيب عنه الحكومة حتى الآن: من يحاسب على 45 ألف أسرة انتظرت حقوقها بينما كانت الوعود تتغير، وهل تتحول لجنة تقصي الحقائق إلى محاسبة فعلية، أم تضاف الأزمة إلى أرشيف الفشل بلا مسئول.

