أقر مجلس النواب في القاهرة يوم 22 يونيو 2026 موازنة 2026/2027 بإيرادات مستهدفة تتجاوز 4 تريليونات جنيه، بينما تواصل الديون والضرائب ابتلاع الموارد، لتخرج النتيجة واضحة: المواطن يدفع، والحكومة تقترض، والبرلمان يمنح الغطاء.

 

تكشف هذه الموازنة سياقا سياسيا أشد قسوة من مجرد عجز مالي، فالدولة التي تطلب من المصريين الصبر منذ سنوات تواصل حماية قراراتها من المساءلة، ثم تقدم التقشف للناس باعتباره قدرا، والاقتراض باعتباره إنجازا.

 

وبينما رفعت الأغلبية أيديها بالموافقة، بقيت الأسئلة التي تمس حياة الناس خارج الحساب الحقيقي: لماذا تتقدم خدمة الدين على التعليم والصحة، ولماذا يظل الفقير الممول الدائم لسياسات لم يشارك في صنعها أو مراجعتها.

 

ثم جاءت أرقام التعليم لتفضح الفجوة بين الدستور والممارسة، إذ دارت المخصصات المباشرة حول 422.3 مليار جنيه، وهي نسبة أدنى بكثير من الاستحقاق الدستوري عند قياسها بالناتج المحلي، مهما حاولت الحكومة تجميل الصورة.

 

وفي قطاع الصحة، ظهرت المعضلة نفسها، فمخصصات تقارب 368.9 مليار جنيه لا تمحو حقيقة أن المستشفيات العامة تعاني نقصا وضغطا، وأن الحكومة تستخدم الزيادة الاسمية ستارا يخفي تراجع القيمة الحقيقية أمام التضخم وغلاء الخدمات.

 

كذلك تعتمد الخزانة على الضرائب في تمويل نحو 88 في المئة من الإيرادات، بما يجعل المواطن حاضرا في كل فاتورة وغائبا عن القرار، فهو يدفع عند الشراء والعمل ثم يسمع أن الدولة لا تملك ما يكفي لتعليمه أو علاجه.

 

وعلى الجانب الآخر، تتضخم فاتورة الدين حتى تصبح الموازنة أقرب إلى ماكينة لتحويل الإيرادات إلى فوائد وأقساط، لا أداة لتوزيع الموارد بعدالة، وهو ما يجعل كل زيادة في الضرائب وقودا لاستمرار النهج نفسه لا لتغييره.

 

ويحذر الخبير الاقتصادي محمد فؤاد من اختلال إدارة الدين ووحدة الموازنة، داعيا إلى خفض المديونية وتعظيم الإيرادات الحقيقية، وهي ملاحظة تكشف أن الأزمة ليست نقص أموال فقط، بل غياب ترتيب سياسي عادل للأولويات.

 

أما محمود محيي الدين، الخبير الاقتصادي ومبعوث الأمم المتحدة لتمويل التنمية، فقد انتقد استبدال الاستثمار بالاستدانة في مشروعات جرى تنفيذها خارج الموازنة، محذرا من كلفة مرتفعة يدفعها الاقتصاد عندما تصبح السرعة بديلا عن الكفاءة.

 

قروض باسم المستقبل وفاتورة تدفع اليوم

 

في 16 يونيو 2026، وقف وزير النقل كامل الوزير أمام مجلس النواب معلنا أن قروض وزارته تبلغ 10 مليارات، وأن التمويلات الجديدة سترفعها إلى 14 مليارا، مع تعهد شخصي بالقدرة على السداد الكامل.

 

لكن التعهدات الشفهية لا تلغي الحساب العام، فالقرض يظل دينا على جهة حكومية، والمشروع يظل معرضا لمخاطر التكلفة والعائد وسعر العملة، ومن حق المصريين رؤية دراسات الجدوى لا الاكتفاء بثقة الوزير في نفسه.

 

وفوق ذلك، قال الوزير إن وزارته لا تأخذ مليما من الموازنة وتعتمد على عوائد الموانئ والشركات التابعة، غير أن هذا الدفاع يثير سؤالا أكبر: أين القوائم التفصيلية التي تثبت قدرة كل مشروع على خدمة ديونه.

 

ومن ثم، فإن تحويل النقاش من جدوى القرض إلى شخصية الوزير وقدرته على السداد يمثل هروبا من أصل القضية، لأن الدول لا تدار بالتعهدات الفردية، والديون لا تختفي بمجرد إعلان المسؤول أنه قادر على تحملها.

 

كما أن مشروع القطار السريع، مهما قيل عن عوائده المستقبلية، لا يملك حصانة من السؤال، خصوصا حين يناقش البرلمان قرضا جديدا بمليارات العملات الأجنبية، بينما تعاني المدارس والمستشفيات من فجوات تمويلية مزمنة ومعلنة.

 

وفي المناقشات نفسها، واجه الوزير اعتراضات بشأن أولوية القروض وكلفة فوائد هيئة الأنفاق، ما كشف صراعا واضحا بين خطاب حكومي يرفع شعار التنمية، ومخاوف من تضخم التزامات ستظل قائمة بعد رحيل أصحاب القرارات.

 

بناء على ذلك، يصبح واجب البرلمان تشكيل لجنة مستقلة تفحص الإيرادات الدولارية والمصروفات والديون ومواعيد السداد لكل مشروع نقل كبير، بدلا من تحويل الجلسة العامة إلى منصة لتبادل الوعود والتصفيق ثم إغلاق الملف.

 

والأخطر أن نمط الاقتراض لا ينفصل عن نموذج سياسي يفضل المشروعات الضخمة سريعة الدعاية على الاستثمار البطيء في البشر، لأن الطريق والقطار يقدمان صورة افتتاح، بينما المدرسة والمستشفى تحتاجان إصلاحا لا يصنع مشهدا احتفاليا.

 

سيناء بين قضبان القطار وذاكرة الاقتلاع

 

وفي 9 مايو 2026، نشرت الجريدة الرسمية القرار رقم 1031 لسنة 2026، باعتبار أجزاء من مسار خط سكة حديد بئر العبد والعريش وطابا من أعمال المنفعة العامة، مع الاستيلاء المباشر على الأراضي اللازمة.

 

غير أن قانونية القرار في شكله لا تمنح الحكومة براءة سياسية، لأن شمال سيناء ليست أرضا بلا ذاكرة، بل منطقة عاشت الهدم والنزوح والإخلاء، وأي نزع جديد للملكية يعيد سؤال الثقة المكسورة بين الدولة والأهالي.

 

وعلاوة على ذلك، كشفت تقارير ميدانية أن القرار يمس نحو 87 فدانا من منازل ومزارع في شمال سيناء، مع تقديرات أولية للتعويضات، وهو ما يجعل نشر الكشوف والقيم ومواعيد الصرف شرطا للعدالة لا ترفا إداريا.

 

ويشدد المحامي الحقوقي مالك عدلي على أن نزع الملكية يجب أن يمر بتفاوض حقيقي وتقييم عادل للعقارات وإيداع التعويضات قبل الإزالة، وهي قواعد تجعل أي غموض في إجراءات سيناء سببا مشروعا للمساءلة الفورية.

 

ولزيادة القلق، فإن تجارب سابقة في العريش ارتبطت بشكاوى من تأخر التعويضات أو عدم كفايتها، لذلك لا يملك المسؤولون مطالبة الأهالي بالثقة المجردة، بل عليهم تقديم مستندات معلنة تثبت الحقوق قبل تحريك معدات الإخلاء.

 

لهذا فإن عبارة المنفعة العامة لا يجوز أن تتحول إلى بوابة تمر منها كل القرارات بلا رقابة، فالمنفعة تقاس بما يعود على الناس، لا بما تعلنه الوزارة، والتعويض العادل حق سابق على الإزالة وليس وعدا بعدها.

 

المساءلة المؤجلة هي أصل الأزمة

 

في النهاية، تجمع الموازنة والقروض ونزع الأراضي خيطا واحدا: سلطة تنفيذية تقرر أولا وتطلب الثقة لاحقا، بينما يتحمل المواطن المخاطر والضرائب والتضخم والاقتلاع، ويظل البرلمان عاجزا عن فرض كشف كامل للحساب.

 

وعليه، يجب أن تبدأ المحاسبة من كل مسؤول وقع على قرض بلا جدوى معلنة، وكل جهة أخفت بيانات التعويض، وكل نائب مرر الموازنة دون مساءلة كافية، لأن المسؤولية السياسية لا تسقط بموافقة الأغلبية.

 

كذلك يحق للناس معرفة من يربح من المشروعات، ومن يتحمل خسائرها، وكيف تسدد الديون، ومن يحدد أسعار الأراضي المنزوعة، ولماذا تبقى هذه التفاصيل حبيسة الأدراج بينما يقدم المواطن أمواله وأرضه ومستقبله مقدما.

 

ومن ناحية أخرى، لا تكفي لجان شكلية أو بيانات مطمئنة بعد الغضب، بل المطلوب نشر دراسات الجدوى، وجداول الدين، وكشوف التعويضات، ومحاضر الاعتراضات، وإتاحة رقابة مستقلة تستطيع وقف القرار قبل وقوع الضرر لا بعده.

 

وبالتالي، فإن السؤال لم يعد هل تستطيع الحكومة السداد أو البناء، بل بأي ثمن، وعلى حساب من، ومن منحها حق تحويل المواطن إلى ممول صامت لديون ضخمة ومشروعات لا يرى حساباتها ولا يملك الاعتراض عليها.

 

وأخيرا، فإن الدولة التي تجعل التعليم والصحة في آخر الطابور، وتضع القروض في مقدمة المشهد، وتنزع الأرض قبل أن تكسب ثقة أصحابها، لا تدير تنمية عادلة، بل تعيد توزيع الخسائر على الأضعف وتحمي الأقوى.

 

ويبقى الحساب مؤجلا لأن البرلمان الذي يملك الاستجواب والتحقيق وسحب الثقة لا يستخدم أدواته بالقدر الذي يوقف هذا المسار، ولذلك يظل السؤال فوق القبة: من سيحاسب أصحاب الأرقام قبل أن يدفع المصريون الفاتورة كاملة.