تشهد مصر موجة جديدة من ارتفاع الأسعار تطال عدداً من الخدمات الأساسية، في مقدمتها مياه الشرب والوقود والكهرباء ووسائل النقل، في إطار برنامج حكومي لإعادة هيكلة الدعم وربط أسعار الخدمات بتكلفتها الفعلية.
وبينما تؤكد حكومة الانقلاب العسكري أن هذه الإجراءات تستهدف ضمان استدامة الموارد وتحسين كفاءة الإنفاق، تتزايد المخاوف من انعكاساتها المباشرة على المواطنين والقطاع الإنتاجي، في ظل توقعات بارتفاع جديد في أسعار السلع والخدمات خلال الفترة المقبلة.
وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه المواطنون بالفعل من ضغوط معيشية متزايدة نتيجة موجات التضخم السابقة، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن قدرة الأسر المصرية على استيعاب زيادات متلاحقة في مختلف الخدمات الأساسية، ومدى تأثير ذلك على النشاط الاقتصادي والاستهلاك المحلي.
المياه تدخل مرحلة التسعير الاقتصادي
أقرت حكومة الانقلاب زيادة أسعار بيع مياه الشرب للمنازل بنسب تصل إلى 25%، فيما تصل الزيادة إلى 50% في بعض المناطق الساحلية والسياحية والنائية، بالتزامن مع بدء تطبيق منظومة جديدة لتسعير المياه للقطاع الصناعي تعتمد على حجم الاستهلاك وطبيعة النشاط.
وتشير المعلومات إلى أن التعريفة الجديدة أُقرت منذ مطلع العام الجاري، إلا أن تنفيذها بدأ مع انطلاق السنة المالية الجديدة، وتتضمن الإجراءات الجديدة أيضاً تعديل رسوم الوحدات غير المزودة بعدادات، وزيادة أسعار المياه للأنشطة الاقتصادية المختلفة.
"البصمة المائية".. فلسفة جديدة لإدارة الموارد
التحول الأبرز يتمثل في الاتجاه نحو تطبيق ما يعرف بمنظومة "البصمة المائية" داخل المصانع، حيث سيتم احتساب تكلفة المياه وفق حجم استهلاك كل منشأة وطبيعة نشاطها، مع رفع أسعار المياه للمصانع كثيفة الاستهلاك بنحو 25%.
وترى الجهات المسؤولة أن هذه السياسة ستدفع المصانع إلى الاستثمار في إعادة تدوير المياه واستخدام المياه المعالجة بدلاً من الاعتماد الكامل على المياه العذبة.
لكن هذا التوجه يواجه تحفظات من وزارة الصناعة واتحاد الصناعات المصرية، اللذين يطالبان بإجراء دراسات فنية واقتصادية لكل قطاع صناعي قبل التطبيق، خشية أن يؤدي فرض زيادات موحدة إلى رفع تكاليف الإنتاج، خاصة في الصناعات الغذائية والدوائية والكيماوية ومواد البناء، وهو ما قد ينعكس في النهاية على أسعار المنتجات للمستهلكين.
المدن الساحلية تواجه تحدياً أكبر
وتستعد شركات مياه الشرب لرفع أسعار بيع المياه بالمناطق السياحية والساحلية إلى 50 جنيهاً للمتر المكعب بدلاً من 40 جنيهاً، مع دراسة تطبيق نظام لتوزيع المياه بالحصص في بعض المناطق التي تشهد ضغوطاً موسمية نتيجة ارتفاع معدلات الاستهلاك.
ويرجع ذلك إلى اعتماد هذه المدن بصورة متزايدة على محطات تحلية مياه البحر، التي تعد الأعلى تكلفة مقارنة بالمصادر التقليدية، وهو ما يزيد من الضغوط المالية على شركات المياه ويبرر - من وجهة نظرها - إعادة النظر في منظومة التسعير.
الوقود والكهرباء.. سلسلة من الزيادات المتلاحقة
لم تتوقف موجة الزيادات عند المياه فقط، إذ سبقها رفع أسعار الوقود على مرحلتين خلال شهري مارس وأبريل، وهو ما أدى إلى زيادة تكاليف النقل والشحن والخدمات اللوجستية، لتتبعها المحافظات برفع تعريفة المواصلات العامة وسيارات الأجرة.
كما شملت الإجراءات الحكومية تعديل أسعار بعض شرائح الكهرباء، خاصة التجارية والأعلى استهلاكاً، مع فرض زيادة إضافية بنسبة 20% على المنشآت التجارية التي تستمر في العمل بعد مواعيد الغلق الرسمية مقابل السماح بمد ساعات التشغيل.
ويرى أصحاب الأنشطة التجارية أن هذه القرارات رفعت بصورة كبيرة من تكلفة التشغيل، خاصة بالنسبة للمطاعم والمقاهي والمحلات التجارية، التي تعتمد على الكهرباء لساعات طويلة يومياً.
هل ترتفع أسعار السلع؟
يرى اقتصاديون أن اجتماع زيادات المياه والطاقة والنقل في توقيت واحد يعني ارتفاعاً شبه مؤكد في تكاليف الإنتاج داخل المصانع والشركات، وهو ما قد يدفع المنتجين إلى تحميل جزء من تلك الزيادات على أسعار السلع النهائية.
وتشير التقديرات إلى أن الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة والمياه ستكون الأكثر تأثراً، بينما قد تمتد الآثار إلى قطاعات التجارة والخدمات والنقل، بما يخلق موجة تضخمية جديدة إذا لم تُتخذ إجراءات تحد من انتقال التكلفة إلى المستهلك.
أزمة تذاكر القطارات تصل إلى البرلمان
بالتوازي مع هذه الزيادات، أثارت أسعار تذاكر السكك الحديدية جدلاً واسعاً داخل مجلس النواب، بعدما تقدم النائب حسام حسن بطلب إحاطة إلى وزير النقل، انتقد فيه الزيادات المتكررة التي شهدتها أسعار التذاكر خلال فترة قصيرة.
وأكد النائب أن ملايين المواطنين، خاصة في محافظات الصعيد، يعتمدون على القطارات كوسيلة النقل الأساسية، وأن أي زيادة في أسعار التذاكر تمثل عبئاً مباشراً على العمال والطلاب والموظفين وأصحاب المعاشات وصغار التجار.
وأشار إلى أن بعض الخطوط القصيرة سجلت زيادة تراكمية تجاوزت 56% خلال الأشهر الماضية، مطالباً بإعادة النظر في السياسات التسعيرية، وإجراء تقييم شامل لتأثير الزيادات السابقة قبل فرض زيادات جديدة.

