تعتزم حكومة الانقلاب رفع واردات الوقود خلال يوليو  بنسبة 10.5% إلى 1.05 مليون طن من السولار والبنزين والبوتاجاز، لتلبية الطلب المحلي داخل مصر، في نتيجة تكشف اتساع الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج.

 

ويأتي القرار بينما يواجه المصريون موجات متتالية من الغلاء وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، بما يجعل توسع الاستيراد شاهدا على اقتصاد يستهلك العملة الصعبة لتعويض عجز مزمن لم تنجح الخطط الحكومية في إغلاقه.

 

رخص عالمي يملأ الخزانات ولا يعالج العجز

 

بداية، تستهدف الحكومة استيراد 600 ألف طن سولار خلال يوليو مقابل 550 ألف طن في يونيو، بزيادة 9.1%، وهي قفزة تعكس اعتماد السوق على الخارج لتأمين وقود يتحرك عليه النقل والإنتاج والحياة اليومية.

 

وفي المقابل، ترتفع واردات البنزين إلى 250 ألف طن مقابل 230 ألف طن، بزيادة 8.7%، بينما يصعد استيراد البوتاجاز إلى 200 ألف طن مقابل 170 ألف طن، مسجلا أعلى زيادة بين المنتجات الثلاثة.

 

ومن ناحية أخرى، تبرر الحكومة زيادة الشراء بتراجع الأسعار العالمية وارتفاع الطلب الصيفي، لكن هذا التبرير يكشف أن سياستها تقوم على اقتناص لحظة الرخص، لا على معالجة أصل الخلل المتمثل في نقص الإنتاج.

 

وبحسب البيانات، تراجع متوسط سعر طن السولار عالميا إلى نحو 910 دولارات بعد بلوغه 1300 دولار خلال الحرب بين إيران والولايات المتحدة، ما منح الحكومة فرصة مؤقتة لزيادة الشراء دون تحمل تكلفة ذروة الاضطراب.

 

غير أن انخفاض الأسعار لا يحول الاستيراد إلى إنجاز، لأن الدولة تظل مطالبة بتوفير الدولار وتسوية الفواتير وتدبير الشحنات، فيما يبقى أمن الوقود معلقا بتقلبات الأسواق والممرات البحرية والصراعات الخارجية.

 

كما أن رمضان أبو العلا، أستاذ هندسة البترول وخبير أسواق الطاقة، استبعد خفض أسعار المحروقات رغم تراجع النفط، موضحا أن التسعير لا يعتمد على النفط والدولار وحدهما بل على تكلفة المنتجات ومستويات الدعم أيضا.

 

وفوق ذلك، يرتفع استهلاك البنزين صيفا إلى ما بين 26 و27 ألف طن يوميا مقابل نحو 24 ألف طن في بقية العام، وهو ما تستخدمه الحكومة لتفسير زيادة الواردات بدلا من مواجهة اختلال العرض المحلي.

 

وعند هذه النقطة، يصبح الموسم الصيفي ستارا مريحا لسياسة متكررة، فكل زيادة في السفر أو النقل تتحول إلى مبرر للاستيراد، بينما لا يلمس المواطن أثرا لسنوات من الوعود بشأن الإنتاج والتكرير والاكتفاء.

 

مصاف ضخمة وواردات أكبر

 

الأخطر، أن مصر تستهلك سنويا نحو 12 مليون طن سولار و6.7 مليون طن بنزين و4.3 مليون طن بوتاجاز، وهي أرقام تفضح ضخامة الفاتورة التي تتحملها دولة تعاني أصلا من أزمة نقد أجنبي.

 

وفي هذا السياق، تبلغ قيمة استهلاك المنتجات البترولية نحو تريليون جنيه سنويا، وفق تصريحات رسمية سابقة، بينما يذهب قرابة 60% منها إلى تشغيل محطات الكهرباء، ما يربط أزمة الوقود مباشرة بسلامة الاقتصاد كله.

 

وبالتالي، لا يمثل استيراد 1.05 مليون طن خلال شهر واحد مجرد استجابة موسمية، بل يعكس بنية اقتصاد فقد قدرته على تغطية جانب معتبر من طلبه، وأصبح يترقب هبوط الأسعار ليشتري ما يعجز عن إنتاجه.

 

أما مدحت يوسف، رئيس هيئة البترول السابق، فقد أكد أن واردات المنتجات البترولية زادت كثيرا رغم وعود سابقة بتحقيق الاكتفاء الذاتي، مشيرا إلى أن طاقات قائمة في معامل التكرير لا تستغل بكامل إمكاناتها.

 

ومن ثم، تكشف شهادة يوسف أن الأزمة لا تتعلق فقط بنقص الخام أو زيادة الطلب، بل بسوء استغلال قدرات موجودة بالفعل، ما يحول فاتورة الاستيراد من قدر محتوم إلى نتيجة لخلل إداري واستثماري ممتد.

 

علاوة على ذلك، تعتمد مصر على معامل تكرير تبلغ طاقتها نحو 34 مليون طن سنويا، ومع ذلك تستمر الحكومة في شراء كميات ضخمة من المنتجات النهائية، بما يطرح سؤالا قاسيا عن كفاءة تشغيل هذه الأصول.

 

وبناء على ذلك، فإن كل طن مستورد لا يعبر فقط عن طلب زائد، بل عن فجوة لم تغلقها المصافي المحلية، رغم مليارات أنفقت على التوسعات والتطوير، ورغم خطابات رسمية متكررة عن تقليل الواردات وتعظيم الإنتاج.

 

لهذا، تبدو الحكومة كمن يملك مصانع ضخمة ثم يعود إلى السوق العالمية لشراء المنتج النهائي، مستفيدا من انخفاض السعر اليوم، لكنه يترك الدولة مكشوفة أمام أي موجة صعود جديدة غدا.

 

وعود خفض الفاتورة تصطدم بأرقام الاستيراد

 

في الأثناء، تراهن وزارة البترول على إضافة 2000 طن بنزين يوميا من مجمع القاهرة للتكرير بدءا من أغسطس، وتقول إن ذلك قد يخفض فاتورة الاستيراد بنحو 70 مليون دولار شهريا بعد اكتمال التطوير.

 

ومع ذلك، فإن الإعلان نفسه يكشف حجم الفجوة القائمة حاليا، لأن وفرا بقيمة 70 مليون دولار شهريا يعني أن الخزانة ظلت تدفع مبالغ ضخمة كان يمكن تقليصها لو جرى التطوير قبل تفاقم الاعتماد على الخارج.

 

كذلك، يرى جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن زيادة الإنتاج المحلي تتطلب توجيه الاستثمارات إلى البحث والاستكشاف وتنمية الآبار وصيانة القديمة، بما يوضح أن تقليل الواردات يحتاج عملا إنتاجيا لا تصريحات.

 

وبهذا المعنى، لا تكفي صفقة شراء أرخص ولا شحنة إضافية في ذروة الصيف، لأن الحل الحقيقي يبدأ من رفع إنتاج الخام وتحسين كفاءة التكرير وتوجيه الاستثمارات إلى الآبار والمصافي وإعادة بناء القدرة المحلية.

 

ورغم ذلك، تواصل الحكومة تقديم كل مشروع جديد باعتباره خطوة نحو خفض الفاتورة، بينما تكشف الأرقام أن الواردات نفسها ترتفع، وهو تناقض يضع الدعاية الرسمية أمام واقع لا يمكن تغطيته بالشعارات.

 

أكثر من ذلك، فإن اعتماد 26% من استهلاك البنزين على الواردات يعني أن جزءا مهما من حركة المصريين يظل رهينة الدولار والسفن والأسعار العالمية، في بلد تتآكل فيه الدخول مع كل صدمة خارجية.

 

وعليه، فإن تراجع سعر السولار عالميا منح الحكومة متنفسا ماليا قصيرا، لكنه لم يمنح المصريين أمنا للطاقة، لأن المشكلة ليست في سعر الشحنة وحده بل في اقتصاد يحتاج إلى استيرادها باستمرار.

 

في النهاية، ترفع الحكومة واردات الوقود 10.5% وتحتفل بانخفاض الأسعار العالمية، بينما يكشف القرار نفسه أن سنوات التوسع المعلن في الإنتاج والتكرير لم تمنع السوق من طلب مزيد من الوقود الأجنبي.

 

وأخيرا، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة أن السلطة لا تدير وفرة بل تدير نقصا، ولا تحقق اكتفاء بل تختار توقيت الشراء، فيما يدفع المصريون كلفة اقتصاد بقيت احتياجاته الأساسية معلقة بفاتورة الاستيراد.