تتجه الأنظار إلى دمشق مع إعلان الرئاسة السورية أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيزور سوريا في المستقبل القريب على رأس وفد يضم مستثمرين وممثلين عن شركات فرنسية، في خطوة تتجاوز حدود العلاقات الثنائية لتكشف تحولا أوسع في طريقة تعامل أوروبا مع الدولة السورية الجديدة بعد سقوط حكم بشار الأسد.

 

ولا تبدو الزيارة المرتقبة مجرد محطة دبلوماسية تضاف إلى سجل لقاءات أحمد الشرع الخارجية، فانتقال ماكرون بنفسه من قصر الإليزيه إلى دمشق يحمل دلالة سياسية لا توفرها المكالمات أو القمم الافتراضية. وللمرة الأولى، يستعد رئيس قوة أوروبية كبرى للوقوف على الأرض السورية والتعامل مباشرة مع السلطة الجديدة من قلب عاصمتها.

 

وإذا تمت الزيارة كما أعلنت دمشق، فسيكون ماكرون ثالث رئيس دولة أجنبيا يزور سوريا الجديدة بعد أمير قطر تميم بن حمد والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكنه سيكون أول رئيس فرنسي يصل إلى العاصمة منذ إسقاط الأسد، لتتحول الزيارة إلى اختبار مهم لمدى انتقال الانفتاح الأوروبي من الحذر إلى الشراكة.

 

من باريس إلى دمشق.. انتقال من اختبار الشرع إلى التعامل المباشر

 

بدأ المسار الفرنسي مع السلطة السورية الجديدة بخطوات محسوبة، قبل أن يتسارع تدريجيا. ففي مايو 2025، استقبل ماكرون أحمد الشرع في باريس خلال أول زيارة أوروبية للرئيس السوري بعد سقوط النظام السابق، وهو لقاء حمل في حينه أكثر من رسالة بشأن استعداد فرنسا للتعامل مع الواقع الجديد.

 

كان استقبال الشرع في الإليزيه أول اختبار غربي كبير للسلطة الجديدة، لكنه بقي محكوما بقواعد العلاقة التقليدية التي يأتي فيها المسؤول السوري إلى العاصمة الأوروبية لشرح توجهاته وتقديم الضمانات المطلوبة بشأن الانتقال السياسي والأقليات والأمن ومكافحة تنظيم الدولة.

 

أما زيارة ماكرون المرتقبة فتعكس انقلابا رمزيا في اتجاه الحركة نفسها. لم تعد دمشق وحدها مطالبة بالذهاب إلى العواصم الغربية للحصول على الاعتراف، بل أصبحت عاصمة أوروبية بحجم باريس مستعدة لإرسال رئيسها وممثلي شركاتها ومستثمريها إلى سوريا للبحث عن مصالح وشراكات وفرص.

 

وخلال الفترة الفاصلة بين اللقاء الأول والزيارة المنتظرة، استمر التواصل بين الشرع وماكرون عبر المكالمات واللقاءات، وتناول ملفات داخلية وإقليمية معقدة، من وحدة الأراضي السورية وترتيبات الشمال الشرقي إلى مكافحة الإرهاب وإعادة بناء مؤسسات الدولة والعلاقات مع المحيط الإقليمي.

 

ولهذا فإن وصول ماكرون إلى دمشق سيعني أن باريس انتقلت من مرحلة مراقبة السلطة الجديدة واختبار قدرتها على البقاء إلى مرحلة التعامل معها باعتبارها شريكا لا يمكن تجاوز حضوره في مستقبل سوريا والمنطقة.

 

وتكتسب الخطوة دلالة أكبر لأن فرنسا لم تنتظر إجماعا أوروبيا كاملا قبل التحرك، بل اختارت مرة أخرى لعب دور الدولة التي تتقدم الصفوف حين ترى فرصة لإعادة بناء نفوذها السياسي والاقتصادي في منطقة امتلكت فيها تاريخيا حضورا واسعا.

 

زيارة ثالث رئيس دولة.. سوريا تخرج تدريجيا من العزلة

 

يحمل ترتيب الزيارات الرئاسية إلى دمشق دلالات لا تقل أهمية عن مضمونها. كان أمير قطر أول رئيس دولة يصل إلى سوريا بعد سقوط الأسد في يناير 2025، في إشارة مبكرة إلى الدعم العربي للسلطة الجديدة ومحاولة تثبيت حضورها داخل محيطها الإقليمي.

 

ثم جاءت زيارة زيلينسكي إلى دمشق في أبريل 2026 لتضيف بعدا دوليا مختلفا، إذ أصبح الرئيس الأوكراني أول رئيس من خارج العالم العربي يزور سوريا الجديدة، فاتحا بابا للتعاون السياسي والأمني مع دولة تخوض مواجهة مباشرة مع روسيا، الحليف الأبرز للنظام السابق.

 

واليوم، تقف فرنسا عند الباب نفسه، لكن بثقل أكبر داخل المنظومة الأوروبية. فزيارة رئيس دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وعضو دائم في مجلس الأمن لا تحمل معنى بروتوكوليا فقط، بل تمنح دمشق الجديدة دفعة إضافية في معركة استعادة موقعها الدولي بعد سنوات طويلة من العزلة.

 

والأهم أن التحول الفرنسي لا يأتي منفصلا عن تغير أوروبي أوسع. فقد تحرك الاتحاد الأوروبي خلال الفترة الماضية لتخفيف ثم رفع العقوبات الاقتصادية المرتبطة بالدولة السورية، مع الإبقاء على إجراءات تستهدف شخصيات وشبكات مرتبطة بالنظام السابق.

 

هذا المسار يكشف أن أوروبا بدأت تنتقل من سؤال قديم حول كيفية عزل دمشق إلى سؤال مختلف يتعلق بكيفية التعامل معها. ولم يعد الملف السوري محصورا في العقوبات واللاجئين والمساعدات الإنسانية، بل دخلت ملفات الاستثمار والطاقة والبنية التحتية وإعادة الإعمار إلى قلب النقاش.

 

وهنا تظهر أهمية الدور الفرنسي، فباريس تستطيع أن تقدم نفسها بوصفها بوابة مبكرة بين سوريا الجديدة وأوروبا، وأن تستخدم علاقاتها السياسية مع دمشق لتوسيع نفوذها في مرحلة ستشهد منافسة دولية على مشروعات الإعمار والأسواق والعقود الكبرى.

 

كما أن وجود وفد من المستثمرين وممثلي الشركات الفرنسية مع ماكرون يكشف بوضوح أن الزيارة ليست سياسية فقط. ففرنسا لا تذهب إلى دمشق حاملة رسائل دبلوماسية مجردة، بل تدخل مرحلة البحث المباشر عن موقع في الاقتصاد السوري الذي يحتاج إلى إعادة بناء واسعة.

 

وهكذا، تبدو البوصلة الأوروبية وكأنها تتحرك ببطء ولكن بثبات نحو سوريا. ليست هناك عودة جماعية سريعة ولا تفويض مفتوح للسلطة الجديدة، لكن أبوابا كانت مغلقة أصبحت تفتح تباعا، وفرنسا تريد أن تكون من أوائل الداخلين.

 

الأمن والإعمار.. ماكرون يزور عاصمة تختبر استقرارها

 

تأتي الزيارة في توقيت شديد الحساسية، بعد أيام من تفجير استهدف مقهى قرب القصر العدلي في وسط دمشق وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى، في هجوم أعاد تذكير السوريين والعالم بأن معركة تثبيت الأمن لم تنته بعد.

 

ولذلك سيكون مجرد وصول رئيس فرنسا إلى دمشق حدثا يتجاوز البروتوكول. فالزيارات الرئاسية بهذا المستوى تحتاج إلى ترتيبات وضمانات أمنية معقدة، وإتمامها بعد هجوم دموي في قلب العاصمة سيحمل رسالة ثقة سياسية في قدرة السلطات السورية على تأمين حدث دولي كبير.

 

غير أن الأمن لن يكون الملف الوحيد على الطاولة. فحضور الشركات والمستثمرين يضع الاقتصاد في مقدمة الزيارة، ويشير إلى أن العلاقات السورية الفرنسية تتجه من مرحلة الاتصالات السياسية إلى محاولة بناء مصالح ملموسة يمكن أن تشمل البنية التحتية والطاقة والخدمات والإعمار.

 

وتحتاج سوريا إلى هذا التحول بشدة، لأن إسقاط النظام السابق لم ينه الخراب الاقتصادي الذي خلفته سنوات الحرب والعقوبات. فالاعتراف السياسي وحده لا يعيد بناء المدن ولا يوفر الوظائف ولا يعيد تشغيل القطاعات المنهكة، بينما تستطيع الاستثمارات الخارجية تحويل الانفتاح الدبلوماسي إلى نتائج يلمسها السوريون.

 

في المقابل، تسعى فرنسا إلى عدم ترك الساحة السورية كاملة أمام القوى الإقليمية والدولية الأخرى. فتركيا ودول الخليج والولايات المتحدة تملك حضورا متزايدا، بينما تحاول روسيا الحفاظ على موطئ قدمها، وهو ما يدفع باريس إلى التحرك قبل أن تتشكل الخريطة الاقتصادية الجديدة دونها.

 

ومن المرجح كذلك أن تبقى ملفات وحدة الأراضي السورية ومكافحة تنظيم الدولة وحماية المكونات السورية والتوازنات الإقليمية حاضرة في المباحثات، وهي قضايا رافقت الحوار بين ماكرون والشرع منذ لقائهما الأول في باريس.

 

لكن الدلالة الأكبر تبقى في صورة ماكرون نفسها وهو يصل إلى دمشق. فالعاصمة التي كانت قبل سنوات رمزا للعزلة والعقوبات تستعد لاستقبال رئيس إحدى أكبر دول أوروبا، ومعه رجال أعمال يبحثون عن فرص لا مبعوثون يناقشون العقوبات فقط.

 

وهنا تكمن قيمة الزيارة التاريخية. فهي لا تعني أن أوروبا منحت سوريا الجديدة شيكا سياسيا مفتوحا، لكنها تكشف أن مرحلة التعامل معها كحالة انتقالية مؤقتة تتراجع، وأن التفكير الأوروبي بدأ ينطلق من افتراض مختلف هو أن السلطة الجديدة باقية وأن مصالح القارة تقتضي بناء علاقة معها.

 

ماكرون، بهذا المعنى، لا يتجه إلى دمشق وحده. إنه يحمل معه مؤشرا على حركة أوروبية أوسع، قد تبدأ بزيارة فرنسية واستثمارات أولية، ثم تتوسع مع قدرة سوريا على تثبيت الأمن وتحويل الانفتاح السياسي إلى مؤسسات واقتصاد وعلاقات مستقرة.

 

وبين استقبال الشرع في باريس ووصول ماكرون المرتقب إلى دمشق، اختصرت العلاقات السورية الفرنسية مسافة كبيرة خلال أكثر من عام. وما بدأ باختبار حذر للرئيس الجديد يتجه اليوم إلى اعتراف عملي بأن سوريا عادت إلى الخريطة وأن أوروبا بدأت تبحث عن مكانها فيها.