أعلن وزير النقل كامل الوزير، في القاهرة، مشاركة حكومية واسعة في احتفالية الهيئة الوطنية للصحافة لتدشين كتاب رجل الأقدار سيرة قائد مسيرة وطن، بحضور وزراء ومسؤولين ورؤساء تحرير وإعلاميين، وانتهت المناسبة إلى تقديم خطاب رسمي يمجد 30 يونيو ومشروعات السيسي بوصفها نهضة غير مسبوقة.
وتأتي الاحتفالية في لحظة سياسية تستخدم فيها مؤسسات الدولة ذكرى 30 يونيو لإعادة تثبيت الرواية الرسمية، بينما يدفع المواطنون كلفة اقتصادية مباشرة عبر الديون وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات، لذلك بدا خطاب وزير النقل أقرب إلى دفاع منظم عن السلطة لا إلى توثيق مستقل لتجربة عامة.
احتفالية رسمية تحول 30 يونيو إلى رواية حكومية مغلقة
في بداية كلمته، ربط كامل الوزير إصدار الكتاب بذكرى 30 يونيو، واعتبر أن العمل يحمل دلالات وطنية عميقة، لأن الهيئة الوطنية للصحافة تقدمه باعتباره توثيقا لمحطة فارقة في تاريخ الدولة المصرية الحديثة، لا باعتباره مادة قابلة للمراجعة أو المساءلة العامة.
ثم وصف الوزير الكتاب بأنه يرصد مسيرة قائد قاد الدولة بثبات واقتدار، ووضع أسس الجمهورية الجديدة القائمة على البناء والتنمية والعمل الجاد والتخطيط للمستقبل، وهي صياغة تكشف طبيعة الاحتفالية التي منحت السلطة موقع المؤلف والراوي والشاهد في الوقت نفسه.
غير أن هذا التقديم يتجاهل أن التوثيق العام لا يكتمل بالشهادات الرسمية وحدها، لأن أي مرحلة سياسية كبرى تحتاج إلى أرشيف مفتوح وشهادات متعارضة وحقائق قابلة للفحص، لا إلى كتاب تصدره مؤسسة صحفية قومية تحت سقف خطاب واحد عن القائد والمنجز والدولة.
وفي هذا السياق، يخدم رأي الباحث تيموثي كالدايس محور كلفة الرواية الرسمية، إذ يرى أن أزمة مصر الاقتصادية لا تنفصل عن اختيارات سياسية وسعت الاقتراض والمشروعات المكلفة، وهو ما يجعل الاحتفاء بالإنجازات من دون مساءلة التمويل خطابا ناقصا أمام الرأي العام.
مشروعات النقل بين خطاب النهضة وكلفة الديون
بعد ذلك، انتقل وزير النقل إلى الحديث عن طفرة تنموية شاملة ونهضة غير مسبوقة في مختلف القطاعات، ونسب هذه التحولات إلى رؤية استراتيجية قادها عبد الفتاح السيسي، معتبرا أن المشروعات القومية أعادت رسم خريطة التنمية ورسخت مكانة مصر إقليميا ودوليا.
كما وضع الوزير قطاع النقل في قلب هذا الخطاب، وقال إن الطرق والكباري والسكك الحديدية ومترو الأنفاق والجر الكهربائي والموانئ البحرية والجافة والمناطق اللوجستية شكلت أكبر خطة تطوير في تاريخ القطاع، وربط هذه الخطة ببناء شبكة نقل آمنة ومستدامة تخدم الاقتصاد والمجتمع.
لكن السؤال الغائب عن كلمة الوزير يتعلق بكلفة هذه الخطة على الخزانة العامة، لأن مشروعات النقل لم تنفصل عن موجة توسع حكومي في الاقتراض والإنفاق الرأسمالي، بينما يعاني المواطن من زيادة الأعباء اليومية وتآكل الدخل وتراجع قدرته على الوصول العادل إلى الخدمات الأساسية.
ومن هنا، يقدم الخبير العالمي في المشروعات العملاقة بنت فليفبيرغ زاوية مهمة، إذ توصل في دراساته إلى أن هذه المشروعات كثيرا ما تتجاوز الميزانيات والجداول الزمنية وتتضخم وعودها الاقتصادية، وهو ما يجعل تقييم مشروعات النقل في مصر بحاجة إلى بيانات كلفة وعائد لا إلى عبارات احتفالية.
كذلك، يفتح كلام المخطط العمراني ديفيد سيمز زاوية مرتبطة بالمدن والطرق، إذ انتقد من قبل هوس التوسع الصحراوي والمدن الجديدة وربط ذلك بإنتاج رموز سياسية أكثر من حل أزمات السكان، وهو نقد ينسحب على خطاب يخلط بين كثرة الخرسانة ومعنى التنمية الفعلية.
توثيق السلطة يواجه ذاكرة المواطنين
لاحقا، أكد كامل الوزير أن توثيق التجارب الوطنية الكبرى مسؤولية وطنية تحفظ ذاكرة الأمة وتنقل للأجيال حقائق الجهود والتحديات والإنجازات، غير أن هذا المعنى يتحول إلى إشكال سياسي حين تحتكر مؤسسات الدولة تعريف الحقيقة وتقصي أصوات المتضررين من المجال العام.
وقد اختارت الاحتفالية أن تقدم 30 يونيو باعتبارها علامة مضيئة ومحطة فارقة أعادت تصحيح مسار الوطن، بينما بقيت أسئلة الحريات والاعتقال والمجال العام والرقابة على الصحافة خارج المنصة، رغم أنها جزء أصيل من حصيلة السنوات التي يتناولها الكتاب باسم التوثيق.
ثم اختتم الوزير تصريحاته بالتأكيد على أن الدولة تواصل البناء والتنمية بخطى ثابتة وواثقة، مستندة إلى رؤية وطنية طموحة تستهدف التنمية المستدامة والارتقاء بجودة حياة المواطنين، وهي خاتمة تعيد إنتاج اللغة ذاتها التي تساوي بين السلطة والدولة وبين الإنجاز والرواية الرسمية.
في المقابل، تكشف التجربة اليومية أن جودة الحياة لا تقاس بعدد الكباري والموانئ فقط، بل تقاس بقدرة المواطن على العلاج والتعليم والتنقل والعمل والسكن، وبقدرته على محاسبة من يقررون أولويات الإنفاق العام باسمه ومن ماله ومن مستقبل أجياله.
وبذلك، لا تبدو احتفالية رجل الأقدار حدثا ثقافيا منفصلا عن السياسة، بل تبدو جزءا من ماكينة رسم الذاكرة الرسمية بعد 30 يونيو، حيث يجلس الوزراء والصحفيون الرسميون حول كتاب يمجد السلطة، بينما تبقى كلفة المشروعات والديون والحقوق خارج منصة الاحتفال.
وفي النهايه تبقى المفارقة أن وزير النقل تحدث عن شريان التنمية الحديثة، بينما يحتاج المصريون إلى شريان آخر لا يقل أهمية، وهو شريان المساءلة العامة وحق معرفة الكلفة وجدوى الإنفاق ومصادر التمويل، لأن التنمية التي تمنع السؤال تتحول إلى دعاية، والتوثيق الذي يغلق الذاكرة يتحول إلى بيان سياسي.

