أعلنت وزارة السياحة والآثار عن كشف أثري استثنائي في منطقة **تل الكوع** بوادي الطميلات في محافظة الإسماعيلية، حيث نجحت بعثة أثرية في العثور على مدينة سكنية متكاملة تضم مقابر ومنشآت إنتاجية ومخازن وأفران وصوامع، تعود جميعها إلى واحدة من أكثر الفترات غموضاً في تاريخ مصر القديمة، وهي **عصر الانتقال الثاني** الذي شهد حكم الهكسوس لأجزاء من البلاد.

 

ويعد الكشف الجديد من أهم الاكتشافات الأثرية التي شهدتها منطقة شرق الدلتا خلال السنوات الأخيرة، إذ يقدم صورة متكاملة عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية لسكان المنطقة قبل آلاف السنين، ويكشف تفاصيل دقيقة عن طبيعة الاستيطان وأنماط المعيشة والأنشطة التجارية والإنتاجية التي ازدهرت في تلك الحقبة.

 

وأكد وزارة السياحة والآثار، أن هذا الكشف يمثل إضافة علمية مهمة لفهم تاريخ مصر القديم، موضحاً أن نتائج أعمال الحفائر كشفت عن مجتمع متكامل من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، بما يعكس تطور الحياة اليومية خلال عصر الانتقال الثاني، ويؤكد الأهمية التاريخية لمنطقة شرق الدلتا باعتبارها واحدة من أبرز مراكز الاستقرار البشري والتبادل التجاري في ذلك الوقت.

 

وأشارت الوزارة إلى أن الاكتشاف يفتح آفاقاً جديدة أمام الباحثين لدراسة طبيعة المجتمعات التي عاشت خلال فترة حكم الهكسوس، كما يسهم في إعادة رسم الخريطة الأثرية لتلك المرحلة التاريخية التي ما زالت تحمل كثيراً من الأسرار.

 

من جانبه، أوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، هشام الليثي، أن موقع تل الكوع يحتل موقعاً استراتيجياً على امتداد محور وادي الطميلات، وهو الطريق التاريخي الذي ربط مصر بحدودها الشرقية، ما جعله ممراً رئيسياً للحركة التجارية والتواصل الحضاري مع مناطق الشرق الأدنى، الأمر الذي يفسر حجم المنشآت المكتشفة داخل الموقع.

 

وأضاف أن الأدلة الأثرية تؤكد أن المنطقة لم تكن مجرد تجمع سكني، بل مركزاً اقتصادياً مهماً لعب دوراً محورياً في عمليات التخزين والإنتاج وتوزيع السلع، وهو ما يتضح من طبيعة المباني والمنشآت التي تم العثور عليها.

 

مقابر تعود إلى عصر الهكسوس


وكشفت أعمال التنقيب عن عشر مقابر مشيدة بالطوب اللبن، تنتمي إلى الأسرة الخامسة عشرة المرتبطة بفترة حكم الهكسوس، وتنوعت تصميماتها بين مقابر مستطيلة وأخرى تتميز بواجهات معمارية خاصة، بما يعكس اختلافاً في المكانة الاجتماعية أو الطقوس الجنائزية التي كانت سائدة آنذاك.

 

كما عثر علماء الآثار على منطقة دفن متكاملة تضم عدداً من الهياكل العظمية التي تعود لأفراد تراوحت أعمارهم بين 25 و40 عاماً، وهو ما يمنح الباحثين فرصة لدراسة طبيعة الحياة والأمراض ومتوسط الأعمار خلال تلك الفترة التاريخية.

 

مدينة سكنية متكاملة


ولم تقتصر الاكتشافات على المقابر فقط، بل كشفت البعثة عن مدينة سكنية منظمة تبلغ مساحتها نحو 30×60 متراً، تضم وحدات معيشية وغرفاً وصالات متعددة، بالإضافة إلى أفران مخصصة لإعداد الطعام أو الصناعات المختلفة، وصوامع كبيرة لتخزين الحبوب، الأمر الذي يؤكد أن الموقع كان يضم مجتمعاً مستقراً يعتمد على الزراعة والإنتاج الغذائي.

 

كما تشير طبيعة التخطيط العمراني إلى وجود تنظيم واضح داخل المدينة، وهو ما يعكس مستوى متقدماً من الإدارة والتخطيط في تلك الفترة.

 

كنوز أثرية متنوعة


وضمت المكتشفات مجموعة كبيرة من القطع الأثرية المهمة، أبرزها جعارين أثرية استخدمت كأختام أو تمائم، إلى جانب أدوات مصنوعة من البرونز، وأوانٍ فخارية بأشكال وأحجام مختلفة، ومكاحل من حجر الألباستر، فضلاً عن قنينات مميزة تنتمي إلى طراز "تل اليهودية"، المعروف بانتشاره خلال عصر الانتقال الثاني.

 

ويرى الباحثون أن هذه القطع تقدم معلومات ثمينة عن الأنشطة اليومية ومستوى الحرف والصناعات، إضافة إلى طبيعة العلاقات التجارية التي ربطت سكان الموقع بالمناطق المجاورة.

 

دفنات غير تقليدية تثير اهتمام العلماء


ومن بين أبرز المفاجآت التي حملها الكشف، العثور لأول مرة داخل الموقع على دفنات بشرية خارج نطاق المقابر التقليدية، حيث وُجدت بعض الهياكل العظمية في وضع القرفصاء، وهو أسلوب دفن غير معتاد في المواقع المصرية من تلك الفترة.

 

ويفتح هذا الاكتشاف الباب أمام فرضيات علمية جديدة تتعلق بالمعتقدات الدينية أو الطقوس الجنائزية، وربما يشير إلى اختلافات ثقافية أو اجتماعية بين فئات السكان الذين عاشوا في المنطقة.

 

كما عثر الباحثون على عظام حيوانات داخل بعض المقابر، وهو ما يرجح استخدامها كقرابين جنائزية أو بقايا ولائم ارتبطت بطقوس الدفن، الأمر الذي يساعد في فهم العادات الغذائية والشعائر الدينية آنذاك.

 

أدلة على ازدهار التجارة


وأظهرت الدراسات الأولية أن عدداً من الأواني الفخارية يحمل أختاماً وعلامات إنتاج، وهو ما يشير إلى وجود نظام اقتصادي منظم وشبكات واسعة لتبادل السلع، ويعزز فرضية أن تل الكوع كان يمثل مركزاً تجارياً مهماً في شرق الدلتا، مستفيداً من موقعه على أحد أهم الطرق التاريخية المؤدية إلى الحدود الشرقية لمصر.

 

كما تؤكد هذه النتائج أن الموقع لعب دوراً محورياً في حركة التجارة ونقل البضائع بين مصر والمناطق المجاورة خلال تلك الحقبة.

 

عمران سكاني استمر حتى الدولة الحديثة


وأثبتت الأدلة الأثرية أن الموقع لم يقتصر استخدامه على عصر الهكسوس فقط، بل استمر مأهولاً بالسكان حتى منتصف الأسرة الثامنة عشرة، وهي الفترة التي شهدت قيام الدولة المصرية الحديثة بعد طرد الهكسوس، وهو ما يعكس استمرار أهمية المنطقة عبر مراحل تاريخية متعاقبة.

 

ويمنح هذا التسلسل الزمني علماء الآثار فرصة نادرة لدراسة التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر خلال الانتقال من عصر الهكسوس إلى عصر الإمبراطورية المصرية.