قوبل الإعلان عن فوز الدكتور محمد مرسي في انتخابات الرئاسة في مصر في 24 يونيو 2012 بحالة من القلق الأمني الشديد والتوجس الإستراتيجي في إسرائيل. 

 

ووصفت الصحف والنخب الأمنية في إسرائيل فوز أول رئيس مدني منتخب في مصر بأنه "تحدٍّ إستراتيجي غير مسبوق"، حيث وجدت إسرائيل نفسها لأول مرة أمام رئيس لأكبر دولة عربية ينتمي لجماعة "الإخوان المسلمين".

 

ورجحت تقديرات استخباراتية صهيونية أن تتحول العلاقات من "السلام البارد" الذي كان سائدًا في عهد حسني مبارك إلى مرحلة "التجميد التام" والتطبيع الدبلوماسي الصِفري.

 

وبعد 14 عامًا لازال فوز الرئيس مرسي يشغل الدوائر الإعلامية والأمنية في إسرائيل، على الرغم من الانقلاب على أول تجربة ديمقراطية بعد عام واحد فقط. 

 

24 يونيو 2012


وقال شيمون رفائيلي نائب رئيس معهد السياسة الأمنية التابع لمنتدى الدفاع والأمن الإسرائيلي (IDSF) في مقال نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية، إن "هناك تواريخ ترمز إلى أكثر من مجرد حدث سياسي. إنها تكشف حقيقة أعمق عن العالم الذي نعيش فيه. كان يوم 24 يونيو 2012 أحد تلك الأيام".

 

وأضاف: "قبل أربعة عشر عامًا من اليوم، أُعلن فوز محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية المصرية. ولأول مرة في تاريخ أكبر دولة عربية، يُنتخب رئيس ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين". 

 

وتابع: "بالنسبة للكثيرين في الغرب، كان هذا سببًا للاحتفال. ففي نظرهم، أثبت الربيع العربي أن الديمقراطية والانتخابات الحرة ووسائل التواصل الاجتماعي ستؤدي حتمًا إلى مجتمع أكثر ليبرالية وانفتاحًا وتسامحًا".

 

لكنه رأى أن "الواقع كان مختلفًا"، إذ زعم أنه في غضون أشهر قليلة، استغلت جماعة الإخوان المسلمين المنظمة جيدًا آليات الديمقراطية لترويج لما قال إنها "أجندة بعيدة كل البعد عن قيم الحرية والتعددية التي نادى بها أنصار الربيع العربي".

 


واستدرك رفائيلي: "لم يظهر مرسي من العدم. فعلى مدى عقود، عملت جماعة الإخوان المسلمين في الخفاء. وقد بنوا مؤسسات مجتمعية، وشبكات اجتماعية، وأنظمة تعليمية، وبنية تحتية سياسية واسعة".

 

ونظر في هذا الإطار إلى أحداث 2012 على أنها "كانت بمثابة تذكير بأننا نعيش في بيئة أكثر هشاشة مما تبدو عليه أحيانًا. فعلى مدى عقود، اعتاد العديد من الإسرائيليين على اعتبار اتفاقية السلام مع مصر أمرًا واقعًا لا رجعة فيه".

 

إسرائيل تواجه واقعًا جديدًا

 

لكنه قال إنه "في غضون أشهر قليلة، وجدت إسرائيل نفسها تواجه واقعًا جديدًا حيث أصبحت أهم دولة عربية في المنطقة محكومة من قبل حركة إسلامية تشترك في جذور أيديولوجية مع حماس".

 

وذكر أن "عدم استمرار هذا السيناريو لفترة طويلة لا يعني أنه كان مستحيلاً. بل على العكس، فقد حدث بالفعل".

 

وأوضح رفائيلي أنه "بعد عام واحد فقط، أُطيح بمرسي على يد الجيش المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي. ومع ذلك، فإن مجرد نجاح جماعة الإخوان المسلمين في الوصول إلى السلطة في بلد يزيد عدد سكانه عن 80 مليون نسمة، يُذكّرنا بمدى سرعة تغير الواقع الإقليمي".

 

واعتبر أن "الدرس الأوسع نطاقاً يتجاوز منطقة الشرق الأوسط. غالبًا ما يميل العالم الليبرالي الغربي إلى افتراض أن التقدم عملية طبيعية. فإذا أُجريت الانتخابات، وتوسع نطاق الوصول إلى الإنترنت، وازداد الاندماج في العالم المعولم، ستصبح المجتمعات حتمًا أكثر حرية واعتدالاً".

 

وعلق قائلا: "يُعلّمنا التاريخ خلاف ذلك. بالنسبة لإسرائيل، لا يزال درس 24 يونيو 2012 ذا صلة حتى اليوم. ففي نواحٍ عديدة، تُعدّ إسرائيل واحة استقرار وحرية وازدهار في منطقة شهدت ثورات وحروبًا أهلية وانهيار أنظمة وصعود حركات متطرفة على مدى العقود الماضية"، وفق تعبيره.

 

وتابع قائلاً: "علينا أن نُذكّر أنفسنا مرارًا وتكرارًا بأن البيئة التي نعيش فيها متقلبة. فالقوى التي تسعى لتقويض النظام القائم لم تختفِ، بل هي تنتظر الفرصة المناسبة".

 

أحداث 2012 والنقاش الدائر حاليًا

 

ولهذا السبب تحديدًا، رأى أن أحداث عام 2012 تظل ذات صلة بالنقاش الاستراتيجي الدائر حاليًا بشأن إيران والمجتمع الفلسطيني.

 

إذ يقول: "لسنوات عديدة، زعمت أصوات في إسرائيل والغرب أن الوقت كفيل بحل المشكلة، وأن التكامل الاقتصادي سيغير النظام، وأن الجيل الشاب سيجعل إيران أكثر اعتدالاً، وأن العولمة ستنتصر على الأيديولوجيا".

 

وأضاف: "وهنا أيضًا، كما هو الحال في مصر عام 2012، استند جزء كبير من النقاش إلى الآمال بدلاً من تقييم الواقع".

 

لكنه مضى في وجهة نظره قائلاً: "والحقيقة هي أننا نعيش في بيئة متقلبة تتطور فيها الأزمات بسرعة، وتستمر الأيديولوجيات المتطرفة في الوجود تحت السطح، ويمكن أن يتغير النظام القائم في غضون أشهر"، على حد تعبيره.

 

ومضى قائلاً: "يُعلّمنا الشرق الأوسط مرارًا وتكرارًا أن القوى المتطرفة لا تختفي من تلقاء نفسها. بل إن الزمن أحيانًا يُقوّيها، وأحياناً أخرى يمنحها موارد وشرعية وقدرات لم تكن تمتلكها من قبل". 

 

واعتبر  أن "هذا هو الدرس الأهم في 24 يونيو 2012. ليس الأمر أن جماعة الإخوان المسلمين فازت في الانتخابات. لكن هذا الافتراض الأساسي لكثيرين في الغرب ثبت خطأه. من يتذكر ينتصر.لأن أولئك الذين يتذكرون كيف تغير وجه أهم دولة عربية في الشرق الأوسط في غضون أشهر قليلة، يفهمون لماذا لا تستطيع إسرائيل والغرب تحمل تكلفة بناء أمنهما على التفكير التمني". 

 

وخلص نائب رئيس معهد السياسة الأمنية التابع لمنتدى الدفاع والأمن الإسرائيلي إلى أنه "يجب أن يبنوا ذلك على الاستعداد والقوة والفهم بأن الاستقرار الذي نتمتع به اليوم هو رصيد يجب حمايته، وليس حالة طبيعية يمكن اعتبارها أمراً مفروغاً منه".

 

https://www.jpost.com/opinion/article-900229