وثقت مقاطع متداولة تعطل المونوريل للمرة الثانية في خط شرق النيل بالعاصمة الإدارية، بعد تشغيل مشروع يضم 22 محطة بطول 56.5 كيلومتر، لتتحول واجهة النقل الذكي إلى أزمة ثقة.

 

سياسيًا وإنسانيًا، لا يبدو العطل مجرد خلل فني في قطار حديث، بل إهانة جديدة لمواطن دفع ثمن المشروع من الضرائب والديون، ثم وجد نفسه عالقًا بين الدعاية الرسمية وواقع التشغيل المرتبك.

 

مشروع الواجهة حين يسقط في اختبار التشغيل

 

بداية، قدمت وزارة النقل المونوريل باعتباره وسيلة عصرية آمنة وسريعة وصديقة للبيئة، تربط مدينة نصر والقاهرة الجديدة بالعاصمة الإدارية، لكن تكرار الأعطال المبكرة ضرب الصورة الدعائية من أول اختبار جاد.

 

وبالتالي، لم تعد المشكلة في توقف رحلة أو تأخر ركاب، بل في فجوة واسعة بين الافتتاح السياسي للمشروع واستعداد المنظومة لتشغيله بكفاءة يومية تحترم الوقت والسلامة وكرامة المستخدمين.

 

كما أن الخط الممتد إلى العاصمة الإدارية ليس وسيلة ترفيهية عابرة، بل مرفق عام يفترض أن يخدم موظفين ووافدين ومواطنين، ما يجعل أي عطل متكرر مؤشرًا على خلل إداري.

 

لذلك، فإن السؤال الذي يلاحق الفريق كامل الوزير لا يتعلق بعدد المحطات ولا بشكل القطار، بل بقدرة الوزارة على إدارة الأصل بعد افتتاحه، وصيانته، وإعلان الأعطال بشفافية كاملة.

 

ومن ثم، يصبح المواطن أمام مشهد مألوف في مشروعات النقل الكبرى: كاميرات عند الافتتاح، بيانات عن الإنجاز، ثم صمت مرتبك عند العطل، وكأن الخدمة العامة تنتهي عند قص الشريط.

 

غير أن الخبير العالمي بنت فلايفبريج يؤكد في دراساته عن المشروعات العملاقة أن المشكلة ليست في الحجم وحده، بل في ضعف المساءلة والتفاؤل المبالغ فيه وتقديرات المنفعة غير الواقعية.

 

علاوة على ذلك، فإن المونوريل مشروع شديد الحساسية لأنه يعمل بتقنيات أوتوماتيكية ويمر على مسار مرتفع، ما يجعل ثقافة الصيانة الوقائية وخطط الطوارئ شرطًا أساسيًا لا بندًا ثانويًا.

 

في المقابل، لم تقدم الرواية الرسمية للرأي العام حتى الآن كشفًا تفصيليًا بأسباب الأعطال المتداولة، ولا مدة التوقف، ولا كيفية إخلاء الركاب، ولا الجهة المسؤولة عن مراجعة التشغيل.

 

مليارات الخرسانة لا تصنع خدمة بلا صيانة

 

بناءً على ذلك، تكشف الواقعة أن أزمة النقل في مصر ليست نقصًا في المشروعات الضخمة، بل ضعفًا في إدارة التشغيل اليومي، حيث تتحول المليارات إلى عبء إذا غابت الكفاءة.

 

كذلك، فإن إنفاق الدولة على وسائل نقل حديثة لا يكتسب شرعيته من ضخامته، بل من قدرته على تخفيف معاناة الناس، وتقليل وقت الرحلة، وضمان انتظام الخدمة دون مفاجآت مهينة.

 

ومن ناحية أخرى، يقول أستاذ النقل ديفيد ليفنسون إن تقييم النقل ينبغي أن يقوم على الوصول والاعتمادية وتفاعل النقل مع استخدامات الأرض، لا على الانبهار بالشكل أو التكنولوجيا وحدها.

 

لكن ما يحدث في مصر غالبًا يعكس ترتيبًا مقلوبًا للأولويات، حيث تسبق الصورة الإعلامية اختبار الجدوى، وتسبق المظاهر أسئلة التشغيل، ثم يدفع المواطن كلفة الأخطاء مرتين من جيبه ووقته.

 

ثم إن التشغيل الآمن لأي مرفق مرتفع يحتاج نشر مؤشرات أداء دورية، تشمل عدد الأعطال، متوسط زمن التوقف، خطط الإخلاء، جاهزية فرق الطوارئ، ومسؤولية الشركات المتعاقدة عن الصيانة.

 

وفوق ذلك، فإن غياب هذه البيانات يترك المجال للشائعات والغضب، ويحول كل فيديو من داخل العربة إلى وثيقة اتهام ضد الوزارة، بدل أن تكون هناك معلومات رسمية سريعة ومقنعة.

 

في السياق نفسه، يلفت الباحث العمراني محمد الشاهد إلى أن إدارة القاهرة لا تعاني فقط من نقص المشروعات، بل من طريقة حكم عمرانية تتجاهل احتياجات السكان اليومية وتفضل الاستعراض.

 

إلا أن الاستعراض لا ينقل الموظف إلى عمله ولا يطمئن الراكب داخل العربة، فالمرفق العام ليس إعلانًا تجاريًا عن الحداثة، بل عقد ثقة بين الدولة والمواطنين كل يوم.

 

المحاسبة قبل التوسع الجديد

 

على صعيد المسؤولية، لا يجوز التعامل مع تعطل المونوريل كحادث هامشي، لأن المشروع جزء من شبكة نقل كبيرة مرتبطة بالديون والعقود والشركات الأجنبية والتزامات طويلة على الموازنة العامة.

 

وبينما تتحدث الحكومة عن التوسع في خطوط ومراحل جديدة، يطالب المواطن بإجابة أبسط: هل تعمل المرحلة الحالية بأمان واستقرار، وهل جرى اختبارها تحت الكثافات الفعلية قبل استقبال الناس.

 

أما تحويل كل نقد إلى هجوم على الدولة، فهو هروب من أصل المشكلة، لأن حماية المال العام تبدأ بالاعتراف بالخلل، لا بإنكار غضب الركاب أو التقليل من شهاداتهم.

 

فضلاً عن ذلك، فإن مسؤولية كامل الوزير سياسية وإدارية قبل أن تكون فنية، لأنه صاحب خطاب الإنجاز المتكرر، ومن حق الناس أن تحاسبه على جودة الخدمة لا على عدد التصريحات.

 

ومع ذلك، لا يكفي تعليق المسؤولية على مهندس أو عامل تشغيل، فالمطلوب مراجعة منظومة العقود كاملة، من التصميم إلى الاختبار إلى الصيانة، ومن قبول التسليم إلى إدارة الأعطال والطوارئ.

 

من هنا، يجب نشر تقرير فني مستقل عن أسباب التوقفات، وتحديد زمن الإصلاح، وإعلان ما إذا كانت هناك عيوب تشغيلية أو برمجية أو كهربائية، مع محاسبة واضحة لا بيانات مطمئنة.

 

كذلك، يحتاج البرلمان والجهات الرقابية إلى سؤال الوزارة عن كلفة التشغيل والصيانة، وخطط السلامة، ومسؤولية الشركة المشغلة، لأن المرفق الذي يتعطل مبكرًا قد يتحول لاحقًا إلى نزيف دائم.

 

في النهاية، لا تقاس حداثة النقل بارتفاع القضبان ولا بلمعان العربات، بل بانتظام الخدمة وقت الزحام، واحترام الركاب عند الأزمة، ووجود مسؤول يخبر الناس بالحقيقة قبل أن يكتشفوها بالفيديو.

 

وبذلك، يصبح تعطل المونوريل رسالة سياسية واضحة: لا قيمة لمشروع ضخم بلا تشغيل منضبط، ولا معنى لشعار الجمهورية الجديدة إذا ظل المواطن عالقًا في عربة معطلة ينتظر بيانًا لا يأتي.