قاسم قصير

باحث وكاتب سياسيي من لبنان

 

لا تزال مذكرة التفاهم التي وقعت بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأمريكا الأسبوع الماضي، والتي تم التوصل إليها بعد جهود باكستانية وقطرية كبيرة وبدعم العديد من الدول العربية الإسلامية، محور النقاش والمتابعة سواء على الصعيد الدولي أو الإقليمي أو في كلا البلدين، وكذلك في داخل الكيان الصهيوني، حيث أثارت هذه المذكرة المخاوف الكبيرة داخل الكيان من نتائجها وتداعياتها على تراجع الدور الإسرائيلي في المنطقة في مقابل تصاعد الدور الإيراني، وتغير الأوضاع الإقليمية لصالح نشوء محور إقليمي جديد يضم تركيا وباكستان ومصر والسعودية.

 

فما هي أبرز النتائج والمتغيرات التي سيؤدي اليها هذا التفاهم، وخصوصا في حال نجحت المفاوضات المستمرة بين البلدين خلال الستين يوما للوصول إلى اتفاق شامل؟ وما هي المراجعات المطلوبة عربيا وإسلاميا لمواكبة المرحلة المقبلة؟

 

من خلال متابعة العديد من ردود الفعل والدراسات والمقالات التي كتبت حول المذكرة الأمريكية- الإيرانية، أكدت معظم ردود الفعل أن هذه المذكرة جاءت لصالح الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بعد فشل الحرب الأمريكية- الإسرائيلية في إنهاء النظام الإيراني والقضاء عليه أو تغييره وإقامة نظام جديد يعيد الأوضاع على ما كانت عليه قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران، قبل الحادي عشر من فبراير 1979 ووصول الإمام الخميني إلى الحكم.

 

وإضافة إلى توقف الحرب على إيران وإعادة ترتيب العلاقات بين أمريكا وحلفائها من جهة وبين إيران وحلفائها من جهة أخرى، فإن تضمن المذكرة بندا أساسيا في وقف الحرب على الجبهة اللبنانية شكّل انتصارا مهمة للمقاومة في لبنان، بعد الرهان الإسرائيلي على القضاء على المقاومة وفرض معادلات جديدة في الواقع اللبناني سياسيا وأمنيا. ورغم أن قادة العدو الإسرائيلي أعلنوا عدم التزام الكيان الصهيوني ببنود المذكرة فإن الوقائع الميدانية أكدت العكس، وخصوصا بعد تشكيل لجنة خاصة لمتابعة وقف إطلاق النار في لبنان بعد الاجتماع الذي عقد في سويسرا للبحث في آليات تطبيق المذكرة.

 

ورغم أن المذكرة لم تذكر الجبهة الفلسطينية أو الحرب على غزة فإن الكثير من المحللين اعتبروا أن هذا التفاهم ستكون له تأثيرات مهمة على الكيان الإسرائيلي وعلى القضية الفلسطينية. وقد نشر رئيس مركز الزيتونة للدراسات والتوثيق الباحث الدكتور محسن صالح دراسة مهمة حول تأثير هذه المذكرة على القضية الفلسطينية والدور الإسرائيلي وقوى المقاومة في المرحلة المقبلة.

 

وقد أدى استبعاد الكيان الصهيوني من مراحل التفاوض الرئيسية حول المذكرة؛ إلى توجيه انتقادات حادة داخل الكيان للاتفاق ولطريقة البيت الأبيض في إدارة المفاوضات. وقد بدا واضحًا أن حالة الاعتراض الحالية تتجاوز مجرد الخلاف حول بعض البنود التفصيلية، لتعكس مخاوف أوسع تتعلق بقدرة إسرائيل على التأثير في قرارات الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بالملف الإيراني، ومستقبل التوازنات الإقليمية خلال المرحلة المقبلة.

 

وقد أظهرت ردود الفعل الإسرائيلية تجاه الاتفاق الأمريكي الإيراني حالة من الغضب الشديد داخل الأوساط السياسية والأمنية والإعلامية؛ حيث اعتبر الكثيرون أن الاتفاق لا ينسجم مع الأهداف التي سعت إسرائيل إلى تحقيقها خلال المواجهة الأخيرة مع إيران.

 

وفيما أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدم ارتباط إسرائيل بالاتفاق، صعَّد وزراء في الحكومة، مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، من لهجتهم تجاه الاتفاق؛ وشدد الاثنان على مواصلة الضغوط على إيران ومنعها من امتلاك سلاح نووي والحفاظ على حرية عمل الجيش الإسرائيلي في لبنان، وعدم القبول بأي ترتيبات تحد من عملياته ضد حزب الله.

 

وفي إحدى الدراسات التي أعدها أحد مراكز الدراسات المعنية بالشأن الإسرائيلي حول أسباب المعارضة الإسرائيلية للاتفاق، أشارت الدراسة إلى النقاط التالية:

 

أولا: الشعور بتهميش الدور الإسرائيلي في إدارة أحد أهم الملفات المرتبطة بالأمن القومي الإسرائيلي، وهو الملف النووي الإيراني والملف الإيراني بشكل عام.

 

ثانيا: انتقاد رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب على إيران دون ترتيبات استراتيجية جديدة بعد الفشل في إسقاط النظام الإيراني وعدم معالجة الملفات الأساسية، وخصوصا المنظومة الصاروخية في إيران ودور حلفاء إيران في المنطقة.

 

ثالثا: القلق الإسرائيلي من بقاء قوة إيران وتزايد نفوذها في المنطقة، وبروز تكتل عربي- إسلامي حديد يضم إلى جانب إيران كلا من تركيا وباكستان ومصر والسعودية، وفشل المشروع الإسرائيلي لقيام إسرائيل الكبرى وتغيير الشرق الأوسط لصالح إسرائيل ونفوذها في المنطقة.

 

رابعا: الخشية من قيام إيران بمضاعفة قوتها ودورها الإقليمي بسبب المكاسب المالية التي ستحصل عليها، وإنهاء العقوبات عليها وإعادة تعزيز علاقاتها الإقليمية والدولية.

 

خامسا: الفشل في إنهاء محور المقاومة وتفكيك الجبهات عن بعضها البعض وإعادة ربط الجبهة اللبنانية بالجبهة الإيرانية، وانعكاس ذلك أيضا على كل قوى المقاومة في المنطقة.

 

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن الغضب الإسرائيلي المتصاعد تجاه الاتفاق الأمريكي الإيراني لا يرتبط بمضمونه فقط، بل يعكس مخاوف أوسع تتعلق بمكانة إسرائيل الإقليمية ودورها في إدارة الملف الإيراني خلال المرحلة المقبلة؛ حيث ترى تل أبيب أن الاتفاق لا يحقق الأهداف التي سعت إليها خلال الحرب، كما أنه يمنح إيران مكاسب سياسية واقتصادية مهمة مع الإبقاء على عناصر قوتها الاستراتيجية. وبجانب ذلك، كشف مسار التفاوض عن تراجع قدرة إسرائيل على التأثير في القرارات الأمريكية الاستراتيجية، وهو ما قد يدفعها خلال الفترة المقبلة إلى تكثيف ضغوطها السياسية على واشنطن، والتمسك بعدم الانسحاب من لبنان بهدف فرض واقع جديد يؤدي تدريجيًا إلى إفشال التوصل إلى ترتيبات دائمة تعيد رسم المشهد الإقليمي بما لا يتوافق مع مصالحها.

 

كل هذه المعطيات تؤكد أننا سنكون، في حال تم استكمال تطبيق الاتفاق، أمام مرحلة جديدة إقليمية ودولية وعلى صعيد دور إيران وقوى المقاومة، وهذا يتطلب إجراء مراجعة شاملة لكل المرحلة الماضية وتقييم الحروب التي خاضتها إيران وقوى المقاومة وتحديد نقاط القوة ونقاط الضعف، ووضع استراتيجية جديدة للمرحلة المقبلة في إدارة الصراع في مواجهة الكيان الصهيوني، والاستفادة من كل المتغيرات التي حصلت عالميا منذ معركة طوفان الأقصى إلى اليوم.

 

ولا بد من وقف كل الصراعات المذهبية والسياسية والداخلية والذهاب إلى بناء نظام إقليمي جديد قادر على مواجهة مختلف التحديات الداخلية والخارجية، وأن دماء الشهداء والتضحيات التي قدمت خلال كل مراحل الصراع وخصوصا في السنوات الأخيرة لن تذهب هدرا، بل ستصنع عالما جديدا أكثر عدالة وتساهم في إنهاء مأساة الشعب الفلسطيني.