بدأت وزارة الإسكان والمجتمعات العمرانية الجديدة في مصر حملات موسعة في المدن الجديدة، أسفرت عن تسليم مئات الإنذارات لأصحاب وحدات إسكان اجتماعي مغلقة، تمهيدا لسحبها وإلغاء تخصيصها وإعادتها للصندوق.
وبالتالي، لا تقف القضية عند شقق لم يسكنها أصحابها، بل تكشف تناقضا قاسيا بين طوابير محتاجين ينتظرون مسكنا مدعوما، ومستفيدين يحبسون الوحدات سنوات كأنها مخزن استثماري لا بيت حياة.
كما أن استخدام عدادات الكهرباء والمياه لكشف عدم الإشغال يفضح حجم الخلل، فالدولة لم تكتشف المخالفة من احتياج المواطن للسكن، بل من قراءة صفرية على باب شقة مغلقة.
لذلك، تطرح الحملة سؤالا سياسيا واجتماعيا أوسع: كيف تحول دعم السكن إلى مساحة للتسقيع والسمسرة، بينما الأسر الفقيرة تدفع إيجارات مرهقة أو تنتظر سنوات في قوائم الحجز.
ومن ثم، تبدو إجراءات السحب ضرورية لحماية المال العام، لكنها لا تعفي وزارة الإسكان من مسؤولية الرقابة المبكرة، لأن اكتشاف مئات الوحدات المغلقة يعني أن المخالفة عاشت طويلا.
عدادات تكشف المستور في المدن الجديدة
غير أن آلية تتبع استهلاك الكهرباء والمياه تعني أن أجهزة المدن بدأت تعتمد على دلائل عملية لكشف الإشغال الوهمي، خصوصا عندما تظل القراءات عند الصفر أو عند معدلات متدنية جدا.
علاوة على ذلك، أعلنت مي عبد الحميد، الرئيس التنفيذي لصندوق الإسكان الاجتماعي، تحرير 12 ألفا و789 محضر مخالفة حتى أبريل، بما يوضح أن الظاهرة ليست حالات فردية عابرة.
بناء على ذلك، تصبح الإنذارات الرسمية خطوة أولى في مسار قانوني قد ينتهي بسحب الوحدة، إذا ثبت تركها دون إشغال فعلي أو استخدامها في البيع أو الإيجار أو تغيير النشاط.
في المقابل، ينص قانون الإسكان الاجتماعي على التزام المنتفع باستعمال الوحدة لسكناه وشغلها هو وأسرته بانتظام لمدة لا تقل عن 5 سنوات من تاريخ استلامها، باستثناءات يقررها الصندوق.
ثم إن القانون لا يحظر فقط بيع الوحدة أو تأجيرها قبل المدة المحددة، بل يجرم الحصول على الدعم دون وجه حق، ويفتح الباب لغرامات قد تصل إلى 100 ألف جنيه.
كذلك، تؤكد تصريحات مي عبد الحميد أن التصرف في الوحدة لا يجوز إلا بعد مرور 7 سنوات وبموافقة كتابية من الصندوق، بما يعكس تشديدا رسميا ضد سوق الباطن.
وفوق ذلك، فإن وجود خدمة رسمية للإبلاغ عن مخالفات الإسكان الاجتماعي عبر موقع الصندوق يوضح أن الدولة تعرف حجم المشكلة، لكنها مطالبة بتحويل البلاغات إلى رقابة عادلة لا انتقائية.
التسقيع يحرم المحتاجين من حق السكن
من ناحية أخرى، فإن ترك وحدة مدعومة مغلقة ليس مخالفة إدارية فقط، بل اعتداء مباشر على حق أسرة أخرى في السكن، لأن الدعم العام يفترض أن يذهب إلى محتاج فعلي.
غير أن ظاهرة التسقيع تكشف عجزا في فلترة المستفيدين، إذ يتسلل من يملك بدائل أو ينتظر ارتفاع الأسعار، بينما يفشل صاحب الاحتياج الحقيقي أحيانا في تجاوز شروط التمويل والدخل.
إضافة إلى ذلك، يرى الخبير الاقتصادي وليد جاب الله أن وحدات الإسكان الاجتماعي مخصصة لدعم الشرائح الأولى بالرعاية، وليست مجالا للبيع أو الإيجار، وهو جوهر فلسفة البرنامج.
كما أن عبد الخالق فاروق طالما انتقد اختلال سياسات الدعم حين لا تصل إلى مستحقيها، وهي زاوية تجعل الشقة المغلقة شاهدا على فشل العدالة لا على دهاء المالك فقط.
لزيادة وضوح الصورة، فإن الدعم في الإسكان الاجتماعي لا يقتصر على ثمن الوحدة، بل يشمل الأرض والمرافق والتمويل والتيسيرات، ما يجعل تجميدها خسارة عامة لا مجرد قرار شخصي.
لذلك، فإن مكافحة التسقيع يجب ألا تتحول إلى حملة عقابية فقط، بل إلى مراجعة كاملة لقواعد الاستحقاق، وربط البيانات بين الدخل والملكية والاستهلاك والإقامة الفعلية بشكل شفاف.
ومن ثم، فإن سحب الوحدات المخالفة وإعادة طرحها للمستحقين قد يكون إجراء عادلا، بشرط وجود تظلم حقيقي، لأن بعض حالات انخفاض الاستهلاك قد ترتبط بأسباب قهرية يجب فحصها.
السكن بين القانون والواقع الاجتماعي
في السياق نفسه، تواجه المدن الجديدة أزمة مزدوجة، فهي تملك وحدات مغلقة في مشروعات مدعومة، بينما يعاني مواطنون آخرون من ارتفاع الإيجارات وبعد المسكن وضعف الخدمات والمواصلات.
على الجانب الآخر، يحذر النائب والخبير العقاري طارق شكري في نقاشات الإسكان من ضرورة تنظيم العلاقة بين الدولة والقطاع والسكان، لأن أزمة السكن لا تحل بالكم وحده.
علاوة على ذلك، فإن المستفيد الذي يترك شقته مغلقة قد يفعل ذلك للمضاربة، لكنه أحيانا يهرب من مدينة بلا عمل أو مواصلات أو خدمات، وهي مسؤولية تخطيطية لا يجوز تجاهلها.
بناء على ذلك، لا يكفي أن تسأل الوزارة لماذا لم يسكن المواطن، بل يجب أن تسأل أيضا هل وفرت له حياة قابلة للسكن حول الوحدة، من نقل ومدارس وأسواق وفرص عمل.
غير أن القانون يبقى واضحا في منع تحويل الوحدة المدعومة إلى أداة ربح، لأن المال العام لا ينبغي أن يمول مضاربة عقارية تحت عنوان محدودي الدخل والإسكان الاجتماعي.
كما أن الحملات المفاجئة يجب أن تستمر على الجميع، لا على الحلقات الأضعف فقط، لأن سماسرة العقارات وشبكات البيع من الباطن هم المستفيد الأكبر من تراخي الرقابة وتردد الدولة.
وبالتالي، فإن عدادات الكهرباء كشفت المستور، لكنها كشفت أيضا سؤالا أعمق عن سياسة إسكان تنتج وحدات كثيرة، ثم تكتشف أن بعضها لا يتحول إلى بيوت حقيقية.
وفي النهاية، فإن سحب الشقق المغلقة إجراء لازم ضد التسقيع، لكنه لن يكفي وحده ما لم تتحول العدالة السكنية إلى سياسة كاملة، تعاقب السمسار وتحمي المحتاج وتراجع أسباب الهجر.

