شهدت قرية بهناي التابعة لمركز الباجور بمحافظة المنوفية إصابة أكثر من 10 مواطنين، بعد هجوم كلب ضال على الأهالي، ونقل المصابون إلى مستشفى الباجور التخصصي لتلقي الإسعافات والعلاج اللازم.

 

وبالتالي، لم تعد الواقعة مجرد حادث عقر في قرية ريفية، بل إنذار سياسي وإنساني قاس، يكشف دولة تترك المواطنين بين شوارع غير آمنة وخدمات محلية عاجزة وتحرك رسمي يبدأ بعد الإصابة.

 

كما أن رعب الأهالي في بهناي يلخص معاناة قرى كاملة، حيث يتحرك الأطفال والنساء وكبار السن بين البيوت والمدارس والحقول، بينما تتكاثر الكلاب الضالة في غياب خطة وقائية معلنة.

 

 

هجوم جماعي يفضح غياب الوقاية

 

لذلك، بدأت الواقعة بهجوم مفاجئ من كلب ضال على عدد من الأهالي، ما تسبب في إصابات متفرقة نتيجة العقر، وأثار حالة ذعر واسعة داخل القرية خوفا من تكرار الهجوم.

 

ومن ثم، تلقى مدير أمن المنوفية إخطارا من مأمور مركز شرطة الباجور، يفيد باستقبال مستشفى الباجور التخصصي حالات عقر من قرية بهناي، مع بدء تقديم الرعاية الطبية اللازمة للمصابين.

 

غير أن تحرير محضر بالواقعة والتحرك بعد الهجوم لا يجيبان عن السؤال الحقيقي، لماذا بقي الخطر في الشارع حتى أصاب أكثر من 10 مواطنين، قبل أن تتحرك الجهات المختصة.

 

علاوة على ذلك، فإن العقر ليس إصابة عادية، لأنه يفتح باب الخوف من السعار، ويدخل الأسرة في رحلة علاج وجرعات ومتابعة وقلق، كان يمكن تقليله بتحرك وقائي مبكر.

 

بناء على ذلك، تصبح بهناي نموذجا صغيرا لأزمة أكبر، حيث تتعامل المحليات مع الكلاب الضالة كملف موسمي، لا كخطر صحي يومي يحتاج حصر وتطعيم وتعقيم ومتابعة.

 

في المقابل، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن داء الكلب مرض يمكن الوقاية منه باللقاحات، لكنه يصبح قاتلا بعد ظهور الأعراض السريرية، ما يجعل سرعة العلاج مسألة حياة لا إجراء روتينيا.

 

إلى جانب ذلك، تشير المنظمة إلى أن الكلاب مسؤولة عن نقل الفيروس إلى البشر في غالبية حالات داء الكلب، وأن الأطفال من أكثر الفئات تعرضا للخطر، بسبب قربهم من الشوارع واللعب.

 

 

بين مستشفى يعالج وشارع يهدد

 

ومع ذلك، فإن نقل المصابين إلى مستشفى الباجور التخصصي يمثل بداية العلاج لا نهاية الأزمة، لأن المصل لا يمنع كلبا آخر من مهاجمة القرية، ولا يعالج فشل الوقاية.

 

فضلا عن ذلك، فإن توفير الإسعافات الأولية واجب طبي عاجل، لكنه لا يكفي وحده، لأن المواطن لا يجب أن يعيش على تعليمات ما بعد العضة، بل على نظام يمنع العضة.

 

وعليه، فإن إصابة أكثر من 10 أشخاص في واقعة واحدة تفرض تحركا صحيا وبيطريا جماعيا، لا مجرد علاج كل حالة منفردة داخل المستشفى وترك الشارع كما كان.

 

كذلك، تكشف الواقعة ضعف التنسيق بين المحليات والطب البيطري والصحة، لأن إدارة الخطر تحتاج بلاغا سريعا، وفريقا ميدانيا، وتتبعا للحيوان المصاب، وإعلانا واضحا لأماكن الأمصال واللقاحات.

 

ثم إن القرى لا تملك رفاهية انتظار الحملات المتقطعة، فانتشار القمامة والمخلفات حول البيوت والأسواق يخلق بيئة جاذبة للحيوانات الضالة، ويحول الشارع إلى مساحة تهديد مفتوحة.

 

ومن ناحية أخرى، يرى الدكتور مجدي حسن، نقيب الأطباء البيطريين، أن أزمة الكلاب الضالة تحتاج تمويلا كبيرا وخطة تمتد لسنوات، بما يكشف أن الحل ليس حملة عابرة.

 

في هذا السياق، يصبح عجز المحليات أكثر وضوحا، لأنها تتعامل مع النتائج لا الأسباب، وتنتظر غضب الأهالي بعد العقر، بدلا من بناء منظومة رصد تمنع تحول الحيوان إلى خطر.

 

كما أن الدكتورة شيرين زكي، الخبيرة البيطرية، تشدد على أهمية البرامج المنظمة للتعقيم والتحصين والإيواء، وهي رؤية تكشف أن الحل العلمي يتطلب بنية وتمويلا، لا قرارات ارتجالية.

 

 

أزمة كلاب ضالة لا تحل بالمطاردة فقط

 

إضافة إلى ذلك، فإن التعامل العشوائي مع الكلاب الضالة لا يقدم حلا مستداما، لأن الخطر يعود كلما بقيت مصادر الغذاء والمخلفات مفتوحة، وكلما غاب التعقيم والتحصين والحصر البيطري.

 

ومن هنا، تبدو واقعة بهناي نتيجة طبيعية لملف مؤجل، فالمواطنون لا يطالبون بترف، بل بحق بسيط في السير داخل قريتهم دون خوف من عقر أو سعار.

 

على صعيد متصل، يؤكد الدكتور خالد سليم، نقيب الأطباء البيطريين السابق، أن مكافحة السعار وحماية المواطنين تحتاج خططا واضحة للتحصين والمتابعة، لا انتظار الحوادث الفردية حتى تتحول إلى رعب جماعي.

 

لكن هذه الرؤى العلمية تصطدم بواقع محلي فقير في التنفيذ، حيث تغيب خرائط الانتشار، وتضعف حملات التحصين، وتتحول البلاغات إلى رد فعل محدود ينتهي بانتهاء الضجة.

 

لزيادة الفاعلية، تحتاج المنوفية إلى خطة فورية داخل بهناي، تبدأ بحصر مناطق الخطر، وتوفير الأمصال، ومتابعة المصابين، وتنظيم حملة بيطرية آمنة، وإعلان نتائج التحرك للأهالي.

 

وبالمقابل، لا يجوز استخدام الأزمة لتبرير العنف العشوائي ضد الحيوانات، لأن الحل المسؤول يحمي الإنسان أولا، ويحترم معايير الصحة العامة والرفق بالحيوان، ويمنع تكرار الخطر بطريقة علمية.

 

لهذا، فإن حادث بهناي يجب أن يتحول إلى اختبار للمحافظة، فإما خطة واضحة للوقاية والتعامل البيطري، أو استمرار دائرة الرعب التي يدفع ثمنها الفقراء في القرى.

 

وفي المحصلة، لا يمكن اختزال المشهد في كلب ضال هاجم الأهالي، بل في دولة محلية غائبة عن الشارع، ومنظومة وقاية لا تتحرك إلا بعد أن يسقط المصابون.

 

وأخيرا، إذا لم تتحول إصابات بهناي إلى خطة معلنة في المنوفية، فسوف تتكرر الحوادث في قرى أخرى، ويبقى المواطن بين خوف الشارع وقلق المصل وانتظار تحرك متأخر.