كشفت الهيئة العامة للتنمية الصناعية في مصر موافقة التمويل على 40 منشأة فقط من أصل 224 طلبا ضمن مبادرة تشغيل المصانع المتعثرة، بينما يبلغ إجمالي المصانع المتعثرة 13 ألف مصنع، لتبقى أغلب الأزمة خارج الحل.

 

وبالتالي، لا تبدو الأرقام مجرد نتيجة فنية لفرز الطلبات، بل شهادة قاسية على عجز اقتصادي وسياسي ترك آلاف العمال والمصنعين بين الديون والفوائد ونقص الخامات، بينما تتحول المبادرات إلى بوابات ضيقة للنجاة.

 

كما أن قبول أقل من خمس الطلبات المقدمة يطرح سؤالا مباشرا عن جدوى المبادرات المعلنة، فالمشكلة لا تقف عند مصنع فاشل، بل عند بيئة صناعية طاردة صنعت التعثر ثم انتقت عددا محدودا لإنقاذه.

 

40 موافقة في مقابل 13 ألف مصنع متعثر

 

لذلك، فإن موافقة التمويل على 40 منشأة فقط من أصل 224 طلبا تكشف فجوة هائلة بين الخطاب الرسمي عن إنقاذ الصناعة، والقدرة الفعلية على التعامل مع آلاف المصانع العاجزة عن التشغيل.

 

ومن ثم، يصبح الرقم الأخطر ليس عدد المقبولين فقط، بل عدد المستبعدين، لأن 184 طلبا لم يحصلوا على الموافقة، رغم أن أصحابها طرقوا باب المبادرة بحثا عن تمويل أو تسوية أو فرصة تشغيل.

 

غير أن الهيئة تقول إن استبعاد بعض الحالات جاء بسبب اختلالات إدارية جسيمة تعوق التشغيل مستقبلا، وهي حجة قد تبدو منطقية فنيا، لكنها لا تعفي الدولة من مسؤولية صناعة بيئة التعثر.

 

علاوة على ذلك، أكد صبري الشافعي، رئيس وحدة دعم الصناعة، أن التمويل لا يمنح إلا بعد التأكد من توجيهه للتشغيل وزيادة الطاقة الإنتاجية، وربطه بمؤشرات أداء واضحة ومتابعة محددة.

 

بناء على ذلك، تبدو الدولة وكأنها تعالج التعثر بمنطق انتقائي صارم، لا بمنطق إنقاذ واسع، فتقبل المصانع الأقرب للتعافي، وتترك الأكثر احتياجا للتمويل في مواجهة الدائنين والضرائب والمرافق.

 

في المقابل، يعكس رقم 13 ألف مصنع متعثر حجما أكبر من قدرة أي مبادرة محدودة، لأن المشكلة تحولت إلى مرض صناعي ممتد، لا أزمة طارئة يمكن احتواؤها بقرار تمويلي ضيق.

 

إلى جانب ذلك، فإن تعثر المصانع يعني عمالة مهددة، وطاقة إنتاجية معطلة، وأرضا صناعية بلا عائد، وسوقا يزداد اعتماده على المستورد، في وقت تتحدث فيه الحكومة عن توطين الصناعة.

 

تمويل محدود أمام أزمة مركبة

 

ومع ذلك، جرى تعديل المبادرة التمويلية البالغة 30 مليار جنيه لتشمل تمويل المواد الخام إلى جانب الآلات والمعدات، وهي خطوة تعترف ضمنا بأن المشكلة لم تعد في خطوط الإنتاج فقط.

 

فضلا عن ذلك، فإن نقص السيولة وصعوبة تدبير العملة الأجنبية لاستيراد الخامات والآلات جعلا كثيرا من المصانع عاجزة عن العودة، حتى إذا امتلكت مباني وتراخيص وعمالا وأسواقا محتملة.

 

وعليه، يرى الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن أزمة الصناعة لا تنفصل عن ضعف الإنتاج والصادرات وضغوط العملة، وهو طرح يفسر لماذا لا يكفي التمويل وحده إذا بقي الدولار عائقا للإنتاج.

 

كذلك، يحذر الخبير الاقتصادي وائل النحاس في تحليلاته من أثر الفائدة المرتفعة وتكلفة الاقتراض على الاستثمار والإنتاج، وهو ما يجعل مبادرات التمويل أقل أثرا عندما يظل المناخ العام خانقا.

 

ثم إن تراكم الفوائد البنكية والمديونيات الحكومية للضرائب والتأمينات والمرافق يحول المصنع المتعثر إلى ملف مثقل قبل أن يبدأ الإنتاج، فيدخل التمويل الجديد إلى حفرة قديمة بدلا من بناء تشغيل مستدام.

 

ومن ناحية أخرى، يشير الدكتور مدحت نافع، خبير التمويل والتنمية المستدامة والحوكمة، إلى أهمية الحوكمة وكفاءة الإدارة في إنقاذ المشروعات، وهي نقطة تفسر اشتراطات الهيئة لكنها لا تبرر ضيق الباب.

 

في هذا السياق، لا يمكن إنكار أن بعض المصانع تعاني سوء إدارة وتسويق وتقادم خطوط إنتاج، لكن تركها حتى الانهيار ثم رفضها بسبب الاختلالات يمثل عقوبة متأخرة لا سياسة إصلاح.

 

كما أن منافسة المنتجات المستوردة للمصانع المحلية تكشف خللا في حماية الصناعة، لأن المصنع المصري لا ينافس بسعر عادل إذا كان يدفع فوائد مرتفعة، ويبحث عن الدولار، ويطارد الخامات.

 

صندوق جديد أم تدوير للأزمة

 

إضافة إلى ذلك، أعلنت التنمية الصناعية قرب إطلاق صندوق تمويل وإعادة هيكلة المصانع المتعثرة برأسمال مبدئي يبلغ مليار جنيه، بالتعاون مع البنك المركزي، لاستهداف المنشآت المتوسطة ذات المديونيات البنكية الكبيرة.

 

ومن هنا، يستهدف الصندوق المصانع التي تتراوح مديونياتها بين 30 و50 مليون جنيه، عبر منصة إلكترونية وزيارات ميدانية، مع اشتراط قدرة المنشأة على التعافي بنسبة نجاح لا تقل عن 70%.

 

على صعيد متصل، لن تتجاوز مساهمة الصندوق 49% من رأسمال الشركة، لضمان عدم السيطرة الكاملة والحفاظ على كفاءة الإدارة، وفق التصور الرسمي المعلن لإعادة الهيكلة والتشغيل.

 

لكن السؤال الصعب يبقى مطروحا، هل يكفي مليار جنيه أمام 13 ألف مصنع متعثر، أم أن الصندوق سيكرر منطق اختيار القليل القابل للنجاة، وترك الكتلة الكبرى خارج المعالجة.

 

لزيادة الوضوح، فإن المبادرات الصناعية خلال السنوات الماضية وصلت إلى 14 مبادرة بين تمويل ميسر ورأس مال عامل وآلات ومعدات وخامات، ومع ذلك ظل رقم التعثر ضخما ومقلقا.

 

وبالمقابل، إذا كانت 14 مبادرة لم تنجح في خفض الأزمة جذريا، فإن المشكلة ليست في نقص عناوين المبادرات، بل في غياب إصلاح شامل للتمويل والضرائب والطاقة والتراخيص وسعر الصرف.

 

لهذا، تبدو مبادرة الـ30 مليار جنيه والصندوق الجديد خطوة ناقصة ما لم تصاحبهما تسويات حقيقية للديون، وخفض تكلفة التمويل، وتدبير خامات، وحماية تنافسية عادلة أمام الواردات.

 

وفي المحصلة، تكشف موافقة 40 منشأة فقط أن الصناعة المصرية لا تحتاج مؤتمرات وبيانات، بل إنقاذا واسعا يعيد المصانع للعمل، ويحمي العمال، ويوقف نزيف الاستيراد، ويحاسب من صنع التعثر.

 

وأخيرا، فإن إنقاذ المصانع المتعثرة ليس منحة لأصحاب الأعمال، بل ضرورة للأمن الاقتصادي، لأن كل مصنع مغلق يعني بطالة أعلى، وصادرات أقل، وضغطا أكبر على الدولار، وفشلا جديدا في وعد الإنتاج.