تتحرك أبواق النظام المصري داخل أروقة مجلس الشيوخ لإطلاق دعوات مشبوهة تستهدف تعديل مواد الدستور الحالية بهدف تمكين قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي من البقاء في السلطة لمدد رئاسية إضافية تتجاوز ولايته الحالية التي شارفت على الانتهاء تماماً.
تربط هذه المحاولات البائسة بين استمرار رأس النظام وبين الحفاظ على استقرار البلاد المزعوم في ظل مخاطر إقليمية وتحديات جسيمة، وبالتالي تعكس هذه التوجهات رغبة جامحة في احتكار السلطة لعقود طويلة دون أي اعتبار لإرادة الجماهير.
يؤكد السياسي المعارض محمد حمدي أن هذه الدعوات ليست مجرد آراء فردية بل عملية تمهيد متدرجة ومعتادة لتهيئة الرأي العام، كما أن النظام يدرك حجم الأزمات المتراكمة ويعلم أن تمرير التعديل يحتاج وقتاً طويلاً من الترويج الممنهج.
لزيادة على ذلك يرى حمدي أن إثارة الملف مبكراً تمنح السلطة فرصة ذهبية لاختبار ردود الفعل الشعبية وقياس حجم المعارضة، لذلك يسعى النظام لقياس حجم الاعتراض قبل إعادة صياغة المشروع بالشكل الذي يحقق أهدافه الخبيثة في البقاء.
محاولة بائسة لإضفاء غطاء شعبي زائف
ومن ثم تبدو استطلاعات الرأي والحملات المؤيدة محاولة بائسة لإضفاء غطاء شعبي زائف على قرار حسم مسبقاً في الغرف المغلقة، غير أن المواطن الذي يواجه أعباء معيشية غير مسبوقة أصبح ينتظر التغيير الحقيقي بعيداً عن هذه المسرحيات الهزلية.
علاوة على ذلك وصف الباحث الإعلامي خالد الأصور هذه التحركات بالمسلسل السخيف الذي يكرر تجارب الاستبداد السابقة في تاريخ مصر، بناءً على ذلك دعا للتوقف الفوري عن هذا العبث الدستوري الذي يفتح مدد الرئاسة للأبد أمام الحاكم.
وبالتالي انتقد الناشط جمال والي التلميحات غير المبررة الصادرة عن المنتفعين داخل الأجهزة السيادية والبرلمان الموالي للسلطة الحاكمة، ومن ثم يرى أن هذه الأصوات المأجورة تستهدف تدمير ما تبقى من مواد تحمي تداول السلطة السلمي في هذه البلاد.
كما أن والي تساءل باستنكار عما يمكن أن يقدمه السيسي في سنوات عمره المتقدمة بعد عقود طويلة قضاها في الحكم، لزيادة على ذلك فإن سنوات حكمه العجاف لم تسفر إلا عن مزيد من التدهور في كافة القطاعات الحيوية.
لذلك يرى مراقبون أن النظام يستغل التقارب الأخير مع القوى الدولية والظروف المواتية لتمرير أجندة البقاء الدائم في القصر، ومن ثم يتم تصوير الإشادات الخارجية كضوء أخضر لاستمرار القمع الممنهج وتجاوز كافة الخطوط الحمراء الدستورية والقانونية.
غير أن هذه الإشارات الدولية تتجاهل تماماً السجل الحقوقي الأسود للنظام وسياسات الاقتراض التي أرهقت كاهل الدولة المصرية بشدة، علاوة على ذلك يتم توظيف الملفات الإقليمية كأوراق ضغط لضمان صمت المجتمع الدولي عن الجرائم المرتكبة بحق المعارضين.
بناءً على ذلك تأتي التحركات الدستورية تقديراً لدور النظام المخابراتي في رسم ملامح الوضع الأمني بالمنطقة المحيطة بقطاع غزة، وبالتالي يتم التضحية بحقوق المصريين في التغيير السلمي مقابل وعود وهمية بالحفاظ على المصالح الدولية المشتركة في الإقليم.
إضافة لما سبق تعزز هذه السياسات مكانة السيسي لدى القوى الكبرى بينما تزيد من عزلة المواطن المطحون محلياً داخل بلاده، لزيادة على ذلك يتم استغلال كل أزمة إقليمية لتبرير تمديد مدد الرئاسة وشرعنة البقاء في سدة الحكم.
مستويات ديون غير مسبوقة
لذلك يرى الخبير الاقتصادي مصطفى شاهين أن سياسات بيع أصول الدولة لن تحل أزمة الديون المتفاقمة أبداً مهما زادت الصفقات، ومن ثم فإن التنازل عن الشركات الكبرى والأراضي الاستراتيجية يمثل رهناً لمستقبل الأجيال القادمة بالكامل دون وعي.
بالمقابل يعاني الاقتصاد المصري من تبعات سياسات الاقتراض الجنونية التي أدت لارتفاع الديون لمستويات غير مسبوقة في التاريخ، علاوة على ذلك تسببت هذه التوجهات في انهيار قيمة العملة المحلية وتآكل القوة الشرائية لمعظم فئات الشعب الكادح حالياً.
نتيجة لذلك قفزت أرقام الديون الخارجية والداخلية لمعدلات كارثية تهدد بإفلاس الدولة وضياع مدخرات المصريين البسطاء في البنوك، وبالتالي أصبح المواطن هو الضحية الوحيدة لهذه السياسات التي تخدم بقاء النظام في سدة الحكم المطلق والظالم دائماً.
حيث أن تراجع قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية أدى لارتفاع جنوني في أسعار كافة السلع والخدمات الأساسية للمعيشة اليومية، لزيادة على ذلك تشير تقديرات المؤسسات الدولية لزيادة مرعبة في نسب الفقر والجوع بين فئات المجتمع المصري المطحون.
تباعاً تستمر السلطة في فرض قرارات رفع أسعار الوقود والكهرباء والخبز لتعويض فشلها الذريع في إدارة الملف الاقتصادي والمالي، ومن ثم يتم تحميل الشعب فاتورة الفساد والمشاريع العملاقة التي لا تعود بأي نفع حقيقي على المواطن.
التفريط في السيادة الوطنية
بينما قررت الحكومة التخارج من قطاعات حيوية وطرح الشركات العامة للبيع أمام الصناديق السيادية الأجنبية والخليجية بشكل مهين، علاوة على ذلك يتم التفريط في الفنادق التاريخية والأراضي الاستراتيجية بأسعار لا تعبر عن قيمتها الوطنية الحقيقية للأجيال.
تأسيساً على ذلك مثلت الصفقات الكبرى الأخيرة ذروة التفريط في السيادة الوطنية مقابل حفنة من الدولارات السريعة لسداد الديون، وبالتالي يتم استخدام هذه الأموال لتثبيت أركان الحكم بدلاً من توجيهها لإصلاح هيكلي حقيقي ينقذ الاقتصاد المنهار.
كذلك واصل النظام غلق المجال العام بالكامل وملاحقة كافة الأصوات المعارضة والزج بها في غياهب السجون المظلمة لسنوات، لزيادة على ذلك تؤكد المنظمات الحقوقية وجود عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين الذين يواجهون ظروفاً قاسية جداً ومميتة.
بناءً عليه يرى المهندس ممدوح حمزة أن السياسات الحالية تمهد لواقع مظلم يشبه فترات الاحتلال في تجريف الموارد والثروات الوطنية، ومن ثم يحذر من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى كارثة وطنية كبرى لا يمكن تدارك آثارها المدمرة.
انسداد سياسي كامل
بينما تقابل هذه التحذيرات بتجاهل تام من السلطة التي تمضي قدماً في خططها لتعديل الدستور والقوانين لخدمة الفرد، علاوة على ذلك يتم استخدام القضاء كأداة لقمع أي محاولة للتغيير أو الاعتراض على سياسات النظام الحاكم بقوة.
استناداً لهذا فإن محاولات تأبيد الحكم تأتي في ظل انسداد سياسي كامل وغياب لأي منافسة حقيقية في الانتخابات، وبالتالي تزيد هذه الخطوات من حالة الاحتقان الشعبي الذي قد ينفجر في أي لحظة نتيجة الضغوط المعيشية والسياسية الخانقة.
إضافة لذلك تقضي هذه التوجهات على آمال التحول الديمقراطي وتكرس لحكم الفرد المطلق الذي دمر مستقبل البلاد والعباد تماماً، لزيادة على ذلك تعمق الأزمة من انقسام المجتمع وتزيد من حدة الكراهية تجاه المؤسسات الأمنية والسيادية الداعمة.
لأجل ذلك يبقى السؤال حول توقيت الإعلان الرسمي عن هذه التعديلات التي يتم طبخها الآن في الغرف المغلقة بعيداً، ومن ثم يتوقع مراقبون أن يتم طرحها في توقيت يضمن للنظام السيطرة الكاملة على ردود الفعل الغاضبة والمحتملة.
التلاعب بالدستور لتمديد فترات الحكم يمثل بداية النهاية
رغم ذلك تؤكد دروس التاريخ أن التلاعب بالدستور لتمديد فترات الحكم يمثل بداية النهاية لكل الأنظمة السلطوية المستبدة دائماً، علاوة على ذلك فإن الاستناد للقوة الأمنية وحدها لا يضمن البقاء للأبد في ظل الانهيار الشامل الحاصل.
تبعاً لهذا يجب على كافة القوى الوطنية الاصطفاف لرفض هذا المسلسل الهزلي وحماية ما تبقى من الدستور المصري، وبالتالي فإن الصمت تجاه هذه الجريمة يمثل مشاركة في تدمير مستقبل مصر وضياع حقوق أجيالها القادمة في العيش الكريم.
بيد أن التغيير السلمي يظل المخرج الوحيد للأزمة الراهنة بعيداً عن سياسات فرض الأمر الواقع بقوة السلاح والترهيب المستمر، لزيادة على ذلك يجب فتح المجال العام فوراً والإفراج عن كافة المعتقلين لبدء حوار وطني جاد وحقيقي.
أخيراً فإن الشعب المصري الذي ثار ضد الاستبداد لن يقبل بالعودة لعهود حكم الفرد المطلق مرة أخرى مهما كان، ومن ثم ستظل المقاومة السلمية لكل أشكال التلاعب بالدستور هي السبيل الوحيد لاستعادة الدولة من يد هذا النظام.

