مع بداية فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية في مختلف المحافظات، يعود ملف أوضاع السجون ومقار الاحتجاز إلى واجهة النقاش الحقوقي مجدداً، في ظل تحذيرات متزايدة من تحول موجات الحر إلى تهديد مباشر لحياة آلاف المحتجزين، خاصة مع استمرار شكاوى تتعلق بالتكدس وضعف التهوية ونقص الرعاية الصحية داخل عدد من السجون وأماكن الاحتجاز.
وتتزامن موجات الحر التي تشهدها مصر خلال صيف 2026 مع تقارير حقوقية محلية ودولية تتحدث عن ظروف احتجاز وصفتها بالقاسية، معتبرة أن ارتفاع درجات الحرارة لا يمثل مجرد ظرف مناخي موسمي، بل عاملًا إضافيًا يفاقم معاناة السجناء والمحبوسين احتياطيًا، خصوصًا المرضى وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
الحرارة تتحول إلى أزمة إنسانية داخل الزنازين
في الوقت الذي يسعى فيه المواطنون خارج السجون إلى مواجهة درجات الحرارة المرتفعة عبر وسائل التبريد المختلفة، يجد آلاف المحتجزين أنفسهم داخل غرف ضيقة ومغلقة، تعاني من ضعف التهوية وارتفاع الكثافة العددية، ما يجعل درجات الحرارة داخل الزنازين تتجاوز في أحيان كثيرة المعدلات المسجلة خارجها بعدة درجات.
وتشير شهادات معتقلين سابقين وتقارير حقوقية إلى أن التكدس الشديد داخل بعض الزنازين يؤدي إلى تفاقم الإحساس بالاختناق والإجهاد الحراري، خاصة في ظل محدودية فترات التريض، وانقطاع المياه أو ضعف تدفقها في بعض الأوقات، فضلاً عن عدم توافر وسائل التهوية المناسبة.
وبحسب إفادات متطابقة لعدد من السجناء السابقين، فإن الزنازين التي صُممت لاستيعاب أعداد محدودة من المحتجزين تستقبل أحيانًا أعدادًا تفوق طاقتها الاستيعابية بأضعاف، ما يحولها خلال أشهر الصيف إلى بيئة خانقة يصعب فيها النوم أو الحركة أو حتى التنفس بصورة طبيعية.
تقارير حقوقية تتحدث عن أوضاع متدهورة
العديد من المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية أبدت خلال السنوات الأخيرة قلقها إزاء أوضاع المحتجزين، مشيرة إلى استمرار شكاوى تتعلق بظروف الاحتجاز والرعاية الصحية.
وأكدت تقارير حقوقية أن آلاف السجناء والمحبوسين احتياطيًا يواجهون أوضاعًا معيشية صعبة داخل أماكن الاحتجاز، تتضمن الحبس لفترات طويلة في غرف مغلقة، وضعف الخدمات الطبية، والقيود المفروضة على التواصل مع الأسر، فضلاً عن مشكلات مرتبطة بالاكتظاظ.
كما تحدثت منظمات حقوقية عن حالات وفاة داخل أماكن الاحتجاز، معتبرة أن بعض هذه الحالات ارتبطت بتأخر الرعاية الصحية أو تدهور الأوضاع المعيشية والصحية داخل السجون.
المرضى وكبار السن في دائرة الخطر
وتزداد المخاوف خلال فصل الصيف بالنسبة إلى السجناء المرضى وكبار السن، الذين يُعدون الفئة الأكثر تأثرًا بارتفاع درجات الحرارة داخل أماكن الاحتجاز.
ويرى حقوقيون أن الجمع بين الحرارة المرتفعة وقلة الحركة وضعف التهوية ونقص الخدمات الصحية قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة لأصحاب الأمراض المزمنة، خاصة مرضى القلب والضغط والسكري والجهاز التنفسي.
وتشير شهادات متداولة إلى أن بعض المحتجزين تعرضوا خلال السنوات الماضية لأزمات صحية حادة نتيجة الظروف المناخية داخل الزنازين، في حين تتحدث أسر معتقلين عن صعوبات تواجهها في توفير الرعاية أو الأدوية اللازمة لذويها.
شهادات معتقلين سابقين تكشف تفاصيل المعاناة
ويروي عدد من المعتقلين السابقين تجاربهم مع الصيف داخل السجون، مؤكدين أن ارتفاع درجات الحرارة كان يمثل أحد أصعب التحديات اليومية.
ويقول بعضهم إن الزنازين كانت تضم أعدادًا تفوق قدرتها الاستيعابية بأكثر من الضعف، مع غياب شبه كامل لوسائل التهوية، الأمر الذي كان يدفع المحتجزين إلى استخدام وسائل بدائية للتخفيف من حدة الحرارة، مثل تبليل الملابس بالماء أو استخدام قطع القماش في محاولة لتحريك الهواء داخل الغرف.
كما تحدث آخرون عن معاناة خاصة داخل سيارات الترحيلات وغرف الاحتجاز المؤقتة، حيث يؤدي التكدس وانعدام التهوية إلى ارتفاع شديد في درجات الحرارة، ما يتسبب في حالات إغماء وإجهاد بدني ونفسي بين المحتجزين.
سجون النساء.. معاناة لا تقل قسوة
ولا تقتصر الشكاوى على سجون الرجال فقط، إذ تكشف شهادات لسجينات سابقات عن ظروف مشابهة داخل بعض سجون النساء، حيث تحدثن عن الاكتظاظ وضعف التهوية وانتشار الحشرات وصعوبة الحفاظ على النظافة الشخصية خلال فترات الحر الشديد.
وتشير بعض الروايات إلى أن ارتفاع درجات الحرارة داخل أماكن الاحتجاز يؤدي إلى انتشار مشكلات صحية متعددة، من بينها الأمراض الجلدية وحالات الإغماء والإجهاد، فضلاً عن الضغوط النفسية الناتجة عن الظروف المعيشية الصعبة.
بين السجون التقليدية ومراكز الإصلاح الجديدة
ورغم التوسع في إنشاء ما تعرف رسميًا بـ"مراكز الإصلاح والتأهيل"، فإن تقارير حقوقية ترى أن تغيير البنية التحتية أو المسميات لا يكفي لمعالجة المشكلات الأساسية المتعلقة بظروف الاحتجاز.
وتؤكد هذه التقارير أن التحديات المرتبطة بالرعاية الصحية والتواصل مع الأسر والتهوية والاكتظاظ ما زالت محل جدل واسع، مع استمرار ورود شكاوى من محتجزين وأسرهم بشأن الأوضاع داخل بعض المنشآت الجديدة.
ومع استمرار موجات الحر التي تضرب البلاد، تتجدد مطالب المنظمات الحقوقية وأسر المعتقلين بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لتحسين ظروف الاحتجاز، تشمل تخفيف التكدس، وتوفير وسائل تهوية مناسبة، وضمان وصول المياه بشكل منتظم، وتقديم الرعاية الطبية اللازمة، خاصة للفئات الأكثر عرضة للمخاطر الصحية.

