شفت بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية اليوم الثلاثاء عن تراجع حاد في معدل الادخار المحلي ليصل إلى 1.2 بالمائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي 2024-2025 مما وضع البلاد أمام أزمة هيكلية خانقة.
يعكس هذا الانهيار التاريخي حالة من الإفلاس المعيشي الذي يعاني منه المواطن المصري نتيجة سياسات نقدية ومالية فاشلة أدت لتآكل الدخول الحقيقية واتساع فجوة الموارد المحلية لتصل إلى 11.7 بالمائة من الناتج الإجمالي للدولة.
وبالتالي فإن الاعتماد الكلي على تحويلات المصريين بالخارج والقروض الأجنبية لسد هذه الفجوة يمثل مغامرة خطيرة بمستقبل الاقتصاد الوطني الذي أصبح مكشوفا تماما أمام التقلبات الخارجية وضغوط الدائنين الدوليين الذين يتحكمون في القرار السيادي.
كما أن تراجع معدلات الادخار من 14.3 بالمائة في عام 2022 إلى هذا المستوى المتدني يكشف عن فشل ذريع في حماية مدخرات الأسر التي التهمها التضخم الجامح وارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية بشكل غير مسبوق.
انهيار الادخار وتآكل الثروات
أكد الخبير الاقتصادي تامر عبد المنعم راضي أن موجات التضخم المتتالية التي بلغت ذروتها عند 33.9 بالمائة خلال عام 2023 تسببت في تحويل الجزء الأكبر من دخل الأسر المصرية نحو الإنفاق الاستهلاكي الضروري للبقاء على قيد الحياة.
بينما يرى راضي أن انتشار ظاهرة الشراء بالتقسيط والالتجاء لبيع الأصول والذهب يمثل استنزافا للمدخرات السائلة التي كانت توفر الأمان المالي للملايين مما أخرج الطبقة الوسطى تماما من قائمة أصحاب الودائع والمدخرات البنكية الرسمية.
لذلك فإن استمرار الضغوط السعرية وتراجعات سعر صرف الجنيه أدت لتحول الادخار إلى ترف لا تملكه أغلب الأسر التي باتت تصارع من أجل توفير الغذاء والطاقة وسداد الالتزامات اليومية المتراكمة في ظل غياب الرؤية.
ومن ثم يصبح الحديث الحكومي عن الشمول المالي مجرد أرقام ورقية لا تعكس الواقع المرير حيث لا يزال 60 بالمائة من السكان خارج المنظومة المصرفية الرسمية بسبب ضعف الثقة في السياسات النقدية المتبعة حاليا بالبلاد.
توسع الاقتصاد غير الرسمي
أشار الخبير الاقتصادي تامر راضي إلى أن اتساع حجم الاقتصاد غير الرسمي يساهم في حرمان البنوك من سيولة نقدية ضخمة كان يمكن توجيهها لتمويل الاستثمارات الإنتاجية بدلا من بقائها خارج النظام المصرفي الرسمي للدولة المصرية.
غير أن الناشطة الحقوقية منى سيف ترى أن تدهور الأوضاع المعيشية والفقر المائي والخدمي يدفع المواطنين للبحث عن بدائل اقتصادية بعيدة عن رقابة الدولة التي لا تقدم لهم سوى الجباية والديون والشروط التعجيزية الخانقة يوميا.
علاوة على ذلك فإن ضعف ثقافة الادخار لدى الموظفين والطبقة الوسطى بمصر يعود بالأساس إلى غياب الفائض المالي الحقيقي بعدما أصبحت الزيادات في الأجور أقل بكثير من الارتفاعات المتراكمة في تكاليف المعيشة والخدمات الأساسية.
بناء على ذلك فإن دعوات إصلاح أدوات الادخار طويلة الأجل لن تجدي نفعا دون تحسين حقيقي في دخول المواطنين وقدرتهم على توفير احتياجاتهم الأساسية بكرامة بعيدا عن دوامة الديون والقروض التي تبتلع الأخضر واليابس بمصر.
فشل القطاعات الإنتاجية
أوضح الخبير الاقتصادي أحمد خزيم أن ملايين الأسر المصرية فقدت القدرة على الادخار تماما بعد الارتفاعات الجنونية في أسعار الغذاء والطاقة التي جعلت من تأمين وجبة الطعام اليومية تحديا يفوق طاقة المواطن البسيط والفقير والمنعدم.
بينما يؤكد خزيم أن أسعار الفائدة المرتفعة لم تنجح في جذب مدخرات جديدة بل ساهمت في زيادة تكلفة التمويل للشركات الإنتاجية مما حد من قدرتها على تحقيق أرباح قابلة لإعادة الاستثمار في قطاعات الصناعة والزراعة.
لذلك فإن انهيار معدل الادخار المحلي يعكس خللا هيكليا أوسع نطاقا يشمل مدخرات الشركات والحكومة التي تآكلت نتيجة ارتفاع تكلفة الطاقة والخامات المستوردة واضطرابات سوق الصرف الأجنبي المستمرة التي تضرب مفاصل الإنتاج الوطني بالبلاد.
ومن ثم فإن ضعف مساهمة القطاع الإنتاجي في توليد فوائض مالية مستدامة يضع الاقتصاد المصري في تبعية كاملة لرؤوس الأموال الأجنبية المتقلبة والقروض الخارجية التي ترهن الأصول الوطنية وتزيد من حدة الأزمة المالية المتفاقمة والخطيرة.
رهن المستقبل للاستثمار الأجنبي
أكد الخبير الاقتصادي عبد الفتاح الجبالي أن جذب الاستثمار الأجنبي لا يمكن أن يكون بديلا دائما عن تعبئة المدخرات المحلية التي تمثل الوقود الأساسي لأي نهضة اقتصادية حقيقية ومستدامة تهدف لبناء المصانع وتوفير فرص عمل حقيقية.
بينما يرى الجبالي أن تجارب التنمية الناجحة في العالم أثبتت أن زيادة الادخار المحلي هي الشرط الأساسي لتكوين رأس المال الوطني وتحقيق نمو اقتصادي مستقل بعيدا عن إملاءات الصناديق الدولية والقوى الكبرى المانحة للقروض والمنح.
علاوة على ذلك فإن ابتعاد المصريين عن الادخار في البنوك يعكس مخاوف مشروعة من تآكل قيمة العملة الوطنية وضياع شقاء العمر في ظل تضخم لا يرحم وسياسات نقدية تخدم الدائنين على حساب أصحاب المدخرات الصغيرة.
بناء على ذلك فإن تحول الاقتصاد المصري للاعتماد الكلي على القروض لسد احتياجاته التمويلية يمثل تهديدا وجوديا للدولة المصرية التي باتت عاجزة عن تمويل مشروعات البنية الأساسية والتوسع الإنتاجي من مواردها الذاتية المحدودة والمنهارة.
وأخيرا تظل أزمة انهيار الادخار المحلي في مصر صرخة تحذير أخيرة من مغبة الاستمرار في سياسات اقتصادية تقوم على الجباية والاقتراض وإهمال القطاعات الإنتاجية الحقيقية التي تبني الأمم وتصون كرامة المواطنين من العوز والحاجة والفقر.
كما أن الأرقام الصادمة التي كشفت عنها وزارة التخطيط هي نتاج طبيعي لسنوات من تجاهل التحذيرات الصادقة من الخبراء المستقلين الذين طالبوا بضرورة حماية القوة الشرائية للجنيه ودعم الصناعة والزراعة بدلا من الإنفاق البذخي على مشاريع وهمية.
وفي النهاية يجد المواطن المصري نفسه وحيدا في مواجهة تضخم يلتهم مدخراته ومستقبل أبنائه المرهون للدائنين في الخارج وسط غياب كامل لأي رؤية حكومية قادرة على انتشال البلاد من هذا المستنقع المالي والاجتماعي الخطير والمظلم. إن استعادة معدلات الادخار تتطلب أولا استعادة الثقة في الاقتصاد الوطني عبر سياسات تنحاز للفقراء والمنتجين وتوقف نزيف الديون الخارجية التي باتت تهدد كيان الدولة المصرية واستقرارها في ظل عالم لا يرحم الضعفاء والمدينين.

