كشفت وزارة الصناعة عن اتجاه الحكومة لفرض قيود وضوابط جديدة على استيراد السيارات، بعدما قال الوزير خالد هاشم إن معارض صغيرة تستورد كميات كبيرة وتخلق سوقا غير منظمة وتضغط على حصة الشركات المصنعة.
وتعيد الخطوة الحكومية سوق السيارات إلى دائرة القيود التي صنعت الأزمة منذ 2022، حين أدى شح الدولار ووقف الاستيراد وتضييق الاعتمادات إلى نقص المعروض وارتفاع الأسعار وظهور "الأوفر برايس" على حساب المستهلك.
قيود جديدة بعد فوضى صنعتها الحكومة
وبحسب تصريحات هاشم على هامش ندوة المركز المصري للدراسات الاقتصادية، ترى الوزارة أن استيراد المعارض الصغيرة للسيارات بكميات كبيرة يقلل الحصة السوقية المتاحة للشركات العاملة في التصنيع المحلي داخل مصر.
لكن هذا التبرير يتجاهل أن الحكومة هي التي فتحت الباب لاختلالات السوق، بعدما رفعت حصة التجار من استيراد السيارات إلى 86.2% في 2025 مقابل 24% فقط في 2023.
وفي الوقت نفسه، حدّدت الحكومة حصة سيارات ذوي الهمم عند 5.9% في 2025 مقارنة مع 56% في 2023، بينما تراجعت واردات الاستخدام الشخصي إلى 7.6% مقابل 20% في 2023.
لذلك لا تبدو الأزمة نتيجة معارض صغيرة فقط، بل نتيجة قرارات متقلبة نقلت السوق من منع واسع إلى توسع مفاجئ في حصة التجار، ثم عادت الحكومة لتقديم القيود كعلاج جديد.
كما تطرح تصريحات وزير الصناعة سؤالا مباشرا عن مسؤولية الدولة، لأن السوق لا يصبح عشوائيا بين يوم وليلة إلا عندما تغير الحكومة قواعد الاستيراد وتوزيع الحصص دون شفافية مستقرة.
وفي هذا المحور، يقول علاء السبع عضو شعبة السيارات إن فتح الاعتمادات واستقرار الدولار يزيدان المعروض ويساهمان في خفض الأسعار، وهو ما يضع أصل الأزمة عند إدارة العملة والاستيراد.
وتكتسب شهادة السبع أهميتها لأنها تعيد النقاش إلى السبب المباشر، فالمستهلك لا يدفع ثمنا مرتفعا بسبب كثرة التجار فقط، بل بسبب نقص المعروض الذي صنعته قيود الدولار.
وبينما تتحدث الحكومة عن حماية التصنيع المحلي، لم تقدم وزارة الصناعة جدولا واضحا يربط القيود الجديدة بزيادة إنتاج فعلي أو تخفيض أسعار أو رفع نسبة المكون المحلي في السيارات.
ومن ثم تتحول حماية الصناعة إلى شعار إداري يسمح بتقليل المنافسة، بينما يتحمل المواطن نتيجة أقل معروض وسعر أعلى وانتظار أطول للحصول على سيارة بسعر معلن وعادل.
سوق السيارات يدفع ثمن الدولار وقرارات المنع
وشهد سوق السيارات في مصر خلال السنوات الأربع الأخيرة واحدة من أسوأ أزماته، بعدما تزامن وقف الاستيراد مع أزمة الدولار وارتفاع تكاليف الشحن والتمويل وغياب المعروض الكافي.
وقد ترتب على هذا الخلل ظهور الأوفر برايس، حيث دفع المشترون مبالغ إضافية فوق السعر الرسمي للحصول على سيارات محدودة، بينما عجزت الأجهزة الرقابية عن وقف الممارسة في ذروتها.
ثم جاءت قرارات لاحقة لتعديل هيكل الواردات، بعدما أقرت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية إجراءات قالت إنها تستهدف القضاء على الممارسات الضارة وتعزيز المنافسة بين المنتجين والموزعين والوكلاء.
غير أن هذه الإجراءات لم تعالج أصل المرض، لأن المنافسة تحتاج إلى تدفق منتظم للسيارات وشفافية في التسعير وإتاحة للعملة، لا إلى قيود متلاحقة تغير شكل الأزمة فقط.
وفي سياق الأزمة نفسها، أكد خالد سعد الأمين العام لرابطة مصنعي السيارات أن تسعير بعض السيارات بالدولار مخالفة للقانون، وأن لجوء المواطنين للسوق السوداء لتوفير العملة يضعف الاقتصاد.
وتخدم شهادة سعد هذا العنوان لأنها تكشف أثر اضطراب العملة على السوق، فحين تفشل الحكومة في توفير الدولار الرسمي، ينتقل الضغط إلى المستهلك عبر التسعير الخفي والسوق السوداء.
وبناء على ذلك، لا تستطيع الحكومة تحميل المعارض الصغيرة وحدها مسؤولية سوق غير منظمة، لأن السلطات النقدية والتجارية هي التي صنعت فجوة بين الطلب الطبيعي والمعروض المتاح.
كما أن الحديث عن جذب مستثمرين ومنافسة دول الجوار التي تمتلك مصانع كبيرة مثل رينو يحتاج إلى بيئة مستقرة، لا إلى قرارات مفاجئة تجعل الاستيراد والتصنيع رهينة مزاج إداري.
وحين تتغير قواعد الدخول إلى السوق بهذه السرعة، يواجه المستثمر المحلي والأجنبي مخاطرة إضافية، لأن أي خطة إنتاج أو تجميع تحتاج إلى توقعات مستقرة للطلب والجمارك والعملات.
لذلك يصبح المستهلك المصري الحلقة الأضعف، فهو لا يستفيد من حماية التصنيع المحلي ولا يحصل على سوق مفتوحة، بل يظل محاصرا بين سعر مرتفع ومعروض محدود وقرار حكومي جديد.
التصنيع المحلي لا يبرر خنق المستهلك
وتقول الحكومة إن القيود الجديدة تستهدف الحد من العشوائية ودعم الشركات العاملة في التصنيع، لكنها لا تشرح لماذا عجزت استراتيجية السيارات عن إنتاج منافسة حقيقية بعد سنوات من الوعود.
كما أن رفع حصة التجار إلى 86.2% في 2025 يكشف أن الحكومة نفسها استخدمت التجار لإعادة ضخ المعروض بعد أزمة خانقة، ثم بدأت اليوم في اتهامهم بتهديد السوق.
وعلى الجانب الآخر، أدى تراجع حصة ذوي الهمم من 56% في 2023 إلى 5.9% في 2025 إلى نقل عبء سوء الرقابة إلى فئة تحتاج حماية لا تضييقا جماعيا.
وفي هذا الإطار، قال أسامة أبو المجد رئيس رابطة تجار السيارات إن سوق السيارات شهدت تراجعا في الأسعار مع زيادة المعروض واستقرار الدولار، وهو ما يثبت أثر العرض مباشرة.
وتوضح شهادة أبو المجد أن علاج الأسعار لا يبدأ من تقليص الاستيراد، بل من توسيع المعروض وتنظيم السوق بعدالة ومحاسبة المخالفين دون معاقبة كل المشترين والتجار بقرارات شاملة.
ومن زاوية الصناعة، تحتاج مصر إلى سياسة مختلفة عن الحظر المقنع، لأن التصنيع لا ينهض بمجرد تقييد المنافسين، بل يحتاج إلى مورّدين محليين وتمويل إنتاجي وتكنولوجيا وتعاقدات تصدير.
لكن الحكومة اختارت الطريق الأسهل، حيث تقدم القيود باعتبارها حماية للصناعة، بينما تبقى المصانع المحلية عاجزة عن توفير بدائل كافية بالسعر والجودة والكميات التي يحتاجها السوق.
إضافة إلى ذلك، يؤثر تقليص الاستيراد في سوق المستعمل أيضا، لأن نقص السيارات الجديدة يدفع المشترين إلى المستعمل، فيرفع سعره ويحول السيارة من سلعة نقل إلى أصل مضاربي.
ومع استمرار هذا النمط، يدفع المواطن ضريبة مزدوجة، إذ يتحمل تكلفة انخفاض الجنيه عند الاستيراد، ثم يتحمل تكلفة القيود عندما تمنع الحكومة المنافسة وتترك السوق لموجات تسعير جديدة.
وفي النهاية، لا تبدو القيود المنتظرة إصلاحا لسوق السيارات بقدر ما تبدو محاولة حكومية لتغطية خطأ سابق بخطأ جديد، بينما يظل أصل الأزمة في الدولار والمنع وسوء الإدارة.
خاتمة التقرير أن حكومة السيسي صنعت نقص المعروض ثم اشتكت من فوضاه، ورفعت حصة التجار ثم لوّحت بتقييدهم، وتركت المستهلك بين وعود التصنيع وسوق لا يحكمها إلا الندرة والسعر.

