وافقت لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب على قرض أوروبي بنحو 3.9 مليار يورو لتمويل الخطين الثاني والثالث من شبكة القطار الكهربائي السريع، في خطوة تضيف التزاما ضخما جديدا إلى ديون قطاع النقل.

 

وتأتي الموافقة بينما يواصل نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي ووزير النقل كامل الوزير ضخ المليارات في مشروعات نقل مرتفعة التكلفة، رغم أن تشغيل المرحلة الأولى من مونوريل شرق النيل لم يثبت بعد جدواه الجماهيرية أمام المواطنين.

 

قرض أوروبي جديد فوق قروض محلية مفتوحة

 

وبحسب ما نشرته الصحف المصرية، أقرت لجنة النقل اتفاقية القرض الأوروبي خلال اجتماعها في يونيو 2026، بينما قدمت الحكومة التمويل باعتباره وسيلة لاستكمال شبكة القطار الكهربائي السريع وربط المدن والموانئ الجديدة.

 

لكن القرار جاء بعد 15 شهرا فقط من إنهاء الهيئة القومية للأنفاق إجراءات قرض محلي بقيمة 5 مليارات جنيه، حصلت عليه من تحالف بنوك محلية لاستكمال الأعمال الإنشائية بخطي مونوريل العاصمة الإدارية و6 أكتوبر.

 

وعلى هذا المسار، تحولت مشروعات النقل التي يروج لها السيسي وكامل الوزير إلى سلسلة تمويلات متراكمة، تبدأ بقرض خارجي للمكون الأجنبي، ثم تتبعه قروض محلية لسداد مستحقات شركات المقاولات ومواصلة الإنشاءات.

 

كما لا يوجد تقدير رسمي منشور لحجم القروض المحلية الكاملة المرتبطة بالمونوريل، غير أن تقارير صحفية في 2023 أشارت إلى قروض محلية للمشروع وصلت إلى نحو 11 مليار جنيه.

 

وفي المقابل، تشير الأرقام المعلنة منذ التعاقد إلى أن تكلفة خطي مونوريل العاصمة الإدارية و6 أكتوبر بلغت 4.5 مليار دولار، بينما تضاف إليها كلفة خطوط أخرى في شبكة النقل الكهربائي السريع تصل إلى مليارات اليورو.

 

ومن هنا يظهر الخلل المالي في ترتيب الأولويات، لأن الدولة تقترض بالعملات الأجنبية لمشروعات تخدم مدنا جديدة محدودة الكثافة، بينما يواجه المواطنون في المدن القديمة نقصا في خدمات النقل العام الأرخص والأوسع استخداما.

 

وقد حذر الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق سابقا من أن التوسع في الديون فوق قدرة مصر على السداد يعيد تجربة رهن الأصول وممتلكات الدولة، وهو تحذير يضع قروض النقل داخل أزمة مالية أوسع.

 

وتمنح شهادة فاروق هذا المحور سياقه المالي، لأنها تكشف أن المشكلة لا تنحصر في مشروع بعينه، بل في نموذج حكم يمول الإنفاق الضخم عبر الاقتراض ثم ينقل التكلفة إلى الموازنة والمواطن.

 

 

مونوريل مكلف وطاقة معلنة تبحث عن ركاب

 

وتقول وزارة النقل إن خطي المونوريل يمتدان بطول يقارب 100 كيلومتر وبعدد 35 محطة، وتبلغ الطاقة الاستيعابية المعلنة لكل خط نحو 600 ألف راكب يوميا، وهي أرقام ضخمة مقارنة بالكثافة الحالية في مسارات المدن الجديدة.

 

لكن التشغيل المرحلي لمونوريل شرق النيل أظهر فجوة واضحة بين الدعاية الرسمية والطلب الفعلي، إذ لا تزال المناطق المخدومة مرتبطة أساسا بالعاصمة الإدارية والقاهرة الجديدة، وليس بمحاور الكثافة الشعبية اليومية في القاهرة الكبرى.

 

وبذلك يصبح السؤال الأساسي متعلقا بعدد الركاب الحقيقيين لا بعدد العربات والمحطات، لأن أي مشروع نقل عام لا يحقق إقبالا واسعا يتحول إلى عبء تشغيل وصيانة وسداد أقساط على الخزانة العامة.

 

كما أن الخط الأول الذي يربط مدينة نصر بالعاصمة الإدارية لا يخدم مركزا سكانيا مستقرا بكثافة كافية، بل يعتمد على انتقال موظفين وزوار إلى مدينة ما زالت تحتاج إلى سنوات طويلة لتكوين طلب منتظم.

 

وفي هذا السياق، انتقد أستاذ الهندسة المصري المقيم في اليابان محمد سيد علي حسن أرقام كامل الوزير حول تكلفة المونوريل، واعتبر أن حساب تكلفة الكيلومتر الذي عرضه الوزير شابه خطأ واضح في القسمة والتقدير.

 

وتخدم مداخلة محمد سيد هذا المحور لأنها تضع الجدل الفني أمام الرأي العام، فالمشكلة لا تتعلق فقط بانخفاض الركاب، بل أيضا بطريقة تسويق التكلفة باعتبارها رخيصة رغم وصولها إلى مليارات الدولارات.

 

ثم زادت تصريحات الوزير في مايو 2026 حدة الجدل، بعدما قال إن تكلفة المونوريل بلغت 2.8 مليار دولار فقط، بينما سبق أن نشرت مصادر اقتصادية عند التعاقد أن تكلفة خطي المشروع بلغت 4.5 مليار دولار.

 

ولهذا لم تعد أزمة المونوريل محصورة في التشغيل، بل امتدت إلى تضارب الأرقام الرسمية وشبه الرسمية، وهي فجوة تضع وزارة النقل أمام سؤال الشفافية في المشروعات التي تمولها الديون العامة.

 

ورغم ذلك، واصلت الحكومة الدفاع عن القروض الخارجية بزعم أنها أوفر من الاقتراض المحلي، بينما يتجاهل هذا الخطاب أن العملة الأجنبية نفسها أصبحت مصدر ضغط كبير على الموازنة وسعر الصرف وخدمة الدين.

 

 

مشروعات فاخرة وأولويات اجتماعية مؤجلة

 

ومع توسع وزارة النقل في المونوريل والقطار السريع والقطار الكهربائي الخفيف، تتراجع قدرة الدولة على تمويل قطاعات أكثر إلحاحا مثل الصحة والتعليم والنقل الجماعي التقليدي داخل الأحياء المزدحمة والقرى والمدن القديمة.

 

ولذلك تبدو مشروعات السيسي وكامل الوزير أقرب إلى شبكة مخصصة لخدمة العمران الجديد والاستثمار العقاري، لا إلى خطة نقل اجتماعية تستجيب لأزمة ملايين المواطنين الذين يعتمدون على المترو والأتوبيسات والميكروباص يوميا.

 

ويعزز هذا المعنى ما كتبه الباحث والاقتصادي عمرو عادلي عن مشروعات البنية التحتية في مصر، إذ أشار إلى أن الاستثمارات المكثفة في هذا القطاع لا ترفع الإنتاجية تلقائيا بسبب مشكلات هيكلية أعمق في الاقتصاد.

 

وتساعد قراءة عادلي على فهم ضعف الجدوى، لأن البنية التحتية تصبح عبئا عندما تنفصل عن الصناعة والإنتاج وفرص العمل، وتتحول إلى إنفاق إنشائي كبير تديره الدولة بالديون وتخدمه الضرائب لاحقا.

 

ثم جاءت موافقة لجنة النقل على قرض 3.9 مليار يورو لتؤكد أن البرلمان لا يراجع فلسفة الاقتراض، بل يمنح الغطاء التشريعي لقرارات جاهزة تواصل توسيع الديون باسم التحديث والربط والتنمية.

 

وبالتوازي، تواصل الهيئة القومية للأنفاق تحميل المشروع قروضا محلية جديدة، كما حدث في مارس 2025 مع قرض 5 مليارات جنيه، وهو مبلغ موجه لاستكمال الإنشاءات لا لتحسين خدمة قائمة يستخدمها ملايين المواطنين.

 

ومن الناحية السياسية، يكشف هذا النمط أن الحكومة تفضل المشروعات ذات الافتتاحات الكبرى على إصلاح منظومة النقل القائمة، لأن صورة القطار المعلق أسهل دعائيا من معالجة زحام المترو وسوء الأتوبيسات وارتفاع كلفة التنقل.

 

وعلى مستوى الديون، يضع القرض الأوروبي الجديد رقما ثقيلا فوق كلفة المونوريل المعلنة، في وقت تتزايد فيه أعباء خدمة الدين وتستنزف فوائد القروض مساحة الإنفاق الاجتماعي في الموازنة العامة.

 

لذلك، يصبح الإصرار على خطوط جديدة لمشروع المونوريل قبل إثبات نجاح الخط الأول سياسيا وماليا قرارا مكلفا، لأن الدولة تضاعف الرهان على نفس النموذج رغم أن مؤشرات الركاب لا تبرر هذا الاندفاع.

 

وفي الخاتمة، لا يواجه المصريون مشروع نقل واحدا بل سياسة إنفاق كاملة، يقودها السيسي وكامل الوزير عبر قروض متلاحقة ومشروعات فاخرة، بينما يظل المواطن محاصرا بين تذكرة أغلى وخدمة أقل ودين أكبر.