أدان خبراء ومراقبون واقعة الاعتداء على معلمة داخل لجنة امتحانية بالشرقية، بعد منع الغش وفق الروايات المتداولة، وطالبوا بإجراءات رادعة تحمي المعلمين وتؤمن اللجان خلال الامتحانات.
وتكشف الواقعة أزمة سياسية وإنسانية داخل التعليم، لأن الوزارة التي تطالب المعلم بضبط اللجنة تتركه بلا حماية كافية، ثم تحاصره بين غضب أولياء الأمور وضغط الطلاب وتراجع هيبة المدرسة.
المعلم في مواجهة الأهالي بلا حماية حقيقية
وجاءت الإدانة بعد حالة غضب واسعة أثارتها الواقعة، حيث تحولت لجنة امتحانية إلى ساحة اعتداء، بينما كان الأصل أن تكون المدرسة مساحة آمنة للطلاب والمعلمين لا منطقة مفتوحة للفوضى.
كما قال المتحدث باسم الحزب محمود تركي إن الاعتداء على المعلمين داخل لجان الامتحانات يمثل تجاوزا خطيرا، وأكد أن تكرار مثل هذه الوقائع يفرض تحركا عاجلا لا يكتفي بالإدانة.
غير أن جوهر الأزمة لا يقف عند بيان حزبي أو تحرك برلماني لاحق، لأن الخلل الحقيقي يبدأ من مدرسة فقدت قدرتها على حماية معلم يؤدي واجبه في لحظة امتحان حساسة.
لذلك تبدو الواقعة نتيجة مباشرة لتراكم الإهمال، فالمعلم يدخل اللجنة محملا بمسؤولية منع الغش، بينما لا تضمن له الوزارة وجود حماية واضحة تمنع اقتحام الأهالي أو ترهيب المراقبين.
وفي هذا الإطار، يرى الخبير التربوي كمال مغيث أن التعامل الأمني وحده مع الغش لا يكفي، لأن الأزمة تتصل بضعف جودة التعليم واعتماد الطلاب على الحفظ بدلا من الفهم.
وبهذا المعنى، لا يستطيع المعلم وحده إصلاح ما أفسده النظام التعليمي طوال العام، لأن اللجنة تصبح آخر نقطة في أزمة تبدأ من الفصل والمناهج والكثافة والدروس الخصوصية.
ثم يزداد الضغط عندما تتزامن امتحانات الإعدادية مع الاستعداد لامتحانات الثانوية العامة التي تبدأ في 21 يونيو 2026 وتستمر حتى 16 يوليو 2026، بما يوسع دائرة القلق داخل المدارس.
وعليه، كان واجبا على وزارة التربية والتعليم أن تتعامل مع لجان الامتحانات باعتبارها منشآت حساسة، وأن تضع خطة حماية معلنة قبل وقوع الاعتداء لا بعد انتشار الغضب.
الغش لم يعد مخالفة فردية بل ضغطا اجتماعيا منظما
ويضع بيان الحزب يده على نقطة مركزية حين يربط الاعتداء برفض الغش، لأن الغش لم يعد مجرد محاولة طالب مرتبك، بل تحول في بعض المناطق إلى ضغط اجتماعي على المراقب.
إضافة إلى ذلك، صار ولي الأمر طرفا في معركة النتيجة، بعدما حملته الدولة أعباء الدروس والكتب والمواصلات، ثم تركته أمام امتحان يحدد مستقبل ابنه في ساعات محدودة.
لكن هذا الضغط لا يبرر الاعتداء، لأنه يحول الطالب المجتهد إلى ضحية ثانية، ويسمح لمن يملك صوتا أعلى أو قدرة على الترهيب بأن يسرق حق غيره في فرصة عادلة،ومن هنا، تصبح مكافحة الغش قضية عدالة لا قضية ضبط إداري فقط، لأن كل ورقة إجابة جرى دعمها بالغش تعني خصما مباشرا من حق طالب التزم بالقواعد.
وقد حذر كمال مغيث في أكثر من مناسبة من أن الغش يرتبط بطبيعة الامتحانات نفسها، حين يتحول الامتحان إلى هدف منفصل عن التعلم، وتصبح النتيجة أهم من الفهم، لذلك لا تكفي الكاميرات ولا التفتيش ولا عقوبات التسريب، إذا ظلت المدرسة عاجزة عن تعليم حقيقي، وإذا ظل الطالب يشعر أن الامتحان فخ لا قياس عادل لما تعلمه.
في المقابل، يضع قانون مكافحة أعمال الإخلال بالامتحانات رقم 205 لسنة 2020 عقوبات مشددة على نشر أو طباعة أو ترويج أسئلة وأجوبة الامتحانات بطرق غير مشروعة،إلا أن وجود القانون لم يمنع تمدد الخوف داخل اللجان، لأن النصوص العقابية لا تحمي المراقب لحظة المواجهة، ولا تمنع تحالف الغضب العائلي مع ثقافة الغش المستقرة.
ولهذا تحتاج الوزارة إلى مسار واضح يبدأ من منع دخول الغرباء لمحيط اللجان، ويمر بمحاضر فورية للاعتداءات، وينتهي بعقوبات معلنة لا تسمح بإعادة إنتاج الواقعة في مدرسة أخرى.
مدارس مكتظة وتمويل هزيل ينتجان العنف داخل اللجان
وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن التعليم قبل الجامعي ضم 28.9 مليون تلميذ في عام 2024 و2025، وهي كتلة ضخمة تحتاج إدارة وتمويلا وحماية.
كما بلغت كثافة الفصول الرسمية 39 طالبا في الابتدائي و41 طالبا في الإعدادي، وهي متوسطات تخفي واقعا أشد قسوة داخل قرى ومناطق شعبية تتكدس فيها الفصول.
وفي هذه البيئة، لا يحصل المعلم على سلطة تربوية حقيقية، لأن الفصل المزدحم يضعف علاقته بالطلاب، ويحول المدرسة إلى مكان احتواء يومي لا مؤسسة تعليم منضبطة.
وقد وصف الدكتور شبل بدران، أستاذ التربية، العنف المدرسي بأنه ظاهرة واضحة داخل المدارس، وربط ظهوره بخلل تربوي واجتماعي لا يمكن إنكاره أو اختزاله في حادث منفرد، ومن ثم، فإن الاعتداء على معلمة داخل سياق امتحاني لا يعبر عن غضب لحظي فقط، بل يكشف تفككا أعمق في علاقة المجتمع بالمدرسة والمعلم وقيمة التعليم العام.
وتؤكد المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن مصر تواجه عجزا كبيرا في أعداد المعلمين يقدر بنحو 655 ألف معلم ومعلمة، نتيجة سياسات وقف التعيين وتراجع الاستثمار في التعليم.
كما تؤكد المبادرة أن نقص الفصول يصل إلى 250 ألف فصل، وهو رقم يفسر لماذا تتحول المدرسة إلى فضاء ضغط، ولماذا يعجز المديرون والمعلمون عن السيطرة اليومية.
وبحسب هيومن رايتس ووتش، أدى تراجع التمويل إلى تقويض الحق في التعليم، إذ انخفض إنفاق مصر على التعليم بالقيمة الحقيقية منذ 2014، وسط تراجع مخصصات القطاع.
وقال بسام خواجا، نائب مديرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، إن ضعف الإنفاق يترك الطلاب في مدارس مكتظة وضعيفة التمويل، وهو توصيف يشرح أصل الانهيار الحالي.
وعلى هذا الأساس، لا تبدو واقعة الشرقية حادثا معزولا، بل نتيجة لسياسة تعليمية رفعت شعارات التطوير، بينما تركت الفصول مزدحمة والمعلمين ناقصي الحماية والطلاب تحت ضغط الامتحان.
لذلك تتحمل الحكومة المسؤولية الأولى عن بيئة تعليمية تسمح بتحول الغش إلى صراع، وتحول المعلم إلى خصم أمام الأهالي، وتحول المدرسة إلى مساحة قابلة للاقتحام.
كما تتحمل وزارة التربية والتعليم مسؤولية مباشرة عن غياب الردع العملي، لأن حماية المعلم لا تبدأ بعد تداول الفيديو، بل تبدأ بخطة تأمين واضحة قبل دخول الطلاب إلى اللجان.
وفي النهاية، لا يمكن إنقاذ نزاهة الامتحانات ببيانات الغضب وحدها، لأن كرامة المعلم هي خط الدفاع الأول عن التعليم، وإذا سقط هذا الخط فلن يبقى للامتحان معنى.
وتبقى الرسالة الأوضح أن الدولة التي تطلب من المعلم منع الغش مطالبة أولا بحمايته، والدولة التي تتحدث عن تطوير التعليم مطالبة بمدرسة آمنة لا تترك موظفيها للضرب والإهانة.

