أعلنت جماعة أنصار الله الحوثيين، في 8 يونيو الجاري، فرض حظر بحري كامل على الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، واعتبرت كل تحرك بحري للاحتلال هدفا عسكريا، بما يفتح باب تصعيد مباشر حول باب المندب وقناة السويس.

 

وجاء الإعلان بينما تتسع المواجهة بين إيران والاحتلال الإسرائيلي، وتواصل غزة ولبنان دفع كلفة العدوان، في وقت تبدو فيه الحكومات العربية، وفي مقدمتها القاهرة، عاجزة عن حماية مصالحها البحرية إلا ببيانات حذرة لا تمنع الخطر.

 

الحظر البحري يربط باب المندب بحرب إيران ويكشف هشاشة الممرات

 

قال المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع إن القرار جاء ردا على العدوان الإسرائيلي على إيران ولبنان وغزة، وأعلن في البيان نفسه إطلاق دفعة صواريخ على أهداف حساسة في منطقة يافا، مؤكدا تحقيق أهداف العملية.

 

بهذا المعنى، لم يقدم الحوثيون القرار باعتباره إجراء يمنيا منفصلا، بل وضعوه داخل معادلة وحدة الساحات، وهي صيغة تمنح الجماعة دورا يتجاوز حدود اليمن نحو الاشتباك المباشر مع أعداء طهران.

 

ويرى أستاذ العلوم السياسية إسماعيل السهيلي أن الإعلان يمثل تطورا أمنيا وجيوسياسيا يتجاوز مناصرة غزة، لأن الجماعة توظف موقع اليمن على البحر الأحمر لتثبيت حضورها داخل صراعات المحور الإيراني.

 

كما يربط السهيلي بين الإعلان الحوثي وتصريحات إيرانية سبقت القرار، تحدثت عن وصل مضيق هرمز بباب المندب داخل معادلة ردع واحدة، تجعل أمن الطاقة والملاحة جزءا من أوراق الضغط الإقليمية.

 

وعليه، يتحول البحر الأحمر من ممر تجاري إلى ساحة مساومة عسكرية، لأن الجماعة لا تستهدف سفينة بعينها فقط، بل تعلن أن الحركة البحرية الإسرائيلية كلها أصبحت مجالا مشروعا للهجمات.

 

وتزداد خطورة القرار لأن باب المندب ليس ممرا محليا، بل بوابة تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس، وأي اضطراب طويل فيه يضغط على التجارة العالمية وإيرادات مصر البحرية.

 

هنا تظهر زاوية القاهرة الغائبة، إذ تعتمد الدولة المصرية على قناة السويس كمورد دولاري حساس، لكنها تتعامل مع توترات البحر الأحمر غالبا بخطاب دبلوماسي خافت لا يشرح للناس حجم المخاطر.

 

وبينما خفضت هجمات الحوثيين السابقة حركة الملاحة عبر البحر الأحمر، تحمل القاهرة كلفة مباشرة من تراجع العبور، من دون أن تقدم الحكومة كشفا شفافا عن الخسائر أو خطة حماية اقتصادية واضحة.

 

لذلك لا يقف سؤال الحظر عند حدود إسرائيل، لأن أي خطأ في تحديد السفن أو توسيع دائرة الاستهداف سيعيد شركات الشحن إلى طريق رأس الرجاء الصالح، بما يعني ضربة جديدة لقناة السويس.

 

ويؤكد هذا المسار أن القرار الحوثي يحمل رسالة مزدوجة، فهو يضغط على الاحتلال من جهة، ويكشف من جهة أخرى عجز الحكومات العربية عن إنتاج موقف يحمي فلسطين والملاحة والاقتصاد معا.

 

التوقيت يفضح هدف التصعيد ويضع اليمن في خدمة معركة طهران

 

قال رئيس مركز نشوان الحميري للدراسات عادل الأحمدي إن الإعلان خطوة تصعيدية، لكنه اعتبر أن أهمية القرار تكمن في توقيته لا في ألفاظه، لأنه جاء بعد مرحلة ارتباك أصابت إيران وأذرعها.

 

وبحسب الأحمدي، أحجمت الجماعة عن خطوة كهذه خلال الحملة الجوية الواسعة التي استهدفت إيران وقدراتها العسكرية، ثم ظهرت مساحة مناورة بعد مسار تفاوض لاحق أعطى طهران فرصة للهروب.

 

ومن هذه الزاوية، لا يبدو القرار الحوثي تحركا عفويا مرتبطا بغزة فقط، لأن توقيته جاء عندما احتاجت إيران إلى توسيع الضغط من أطراف الساحة، لا عندما احتاج اليمنيون إلى حماية مصالحهم.

 

كما يرى الأحمدي أن طهران وأذرعها لا تهتم بما تخسره البلدان من الحروب، بقدر ما تحافظ على وظيفة التخريب السياسي والعسكري، وهي وظيفة تدفع اليمنيين إلى مواجهة لا يملكون قرارها.

 

ويكشف هذا التقدير مأزق اليمن نفسه، فالجماعة التي ترفع شعار مواجهة الاحتلال، تجر بلدا منهكا إلى احتمالات ضربات أمريكية وإسرائيلية جديدة، بينما لا يملك المدنيون اليمنيون أدوات دفع الكلفة.

 

وفي حال نفذ الحوثيون هجمات بحرية فعلية، ترجح تقديرات السهيلي أن ترد واشنطن وتل أبيب بضربات جوية على القدرات الصاروخية والبحرية، وربما على منشآت مدنية يمنية مرتبطة بالبنية التحتية.

 

وهنا يصبح اليمن ساحة أمامية في صراع إيراني أمريكي إسرائيلي، بما يضعف فرص التسوية السياسية، ويمنح الحوثيين فرصة إضافية لتجميد الملف اليمني تحت عنوان المواجهة الإقليمية الواسعة.

 

كما يثير القرار مخاوف سعودية وخليجية، لأن ربط هرمز بباب المندب يهدد مسارات بديلة طورتها المملكة لتأمين صادراتها النفطية، وفي مقدمتها خط الأنابيب الممتد من الشرق إلى الغرب.

 

وعلى الرغم من أن الإعلان يستهدف الاحتلال، فإن كلفة أي تعطيل واسع ستقع على دول المنطقة، لأن صادرات النفط والغاز وسلاسل الإمداد لا تتحمل تحويل البحر الأحمر إلى حقل اختبار عسكري.

 

لذلك تبدو استجابة الحوثيين للمطالب الإيرانية عاملا حاسما، لأن الانتقال من الحظر الرمزي إلى تعطيل كلي أو جزئي لباب المندب سيجعل الأزمة أكثر اتساعا من بيان عسكري أو ضربة محدودة.

 

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل خطاب القاهرة عن الأزمة، لأن الحكومة المصرية تطالب عادة بتجنب التصعيد، لكنها لا تملك ضغطا سياسيا حقيقيا على الاحتلال، ولا تعلن بدائل اقتصادية لاهتزاز قناة السويس.

 

الرد الأمريكي الإسرائيلي قد يعيد الضربات ويعمق أزمة مصر الاقتصادية

 

ويرى الكاتب والمحلل السياسي ياسين التميمي أن الإعلان يدخل ضمن التصعيد الإيراني الأقصى في مواجهة الاحتلال، ويؤكد أن الحوثيين أصبحوا جزءا من الرأسمال العسكري لطهران في المنطقة.

 

ويضيف التميمي أن القرار لم يضع مصالح الشعب اليمني في الحساب، لأن الجماعة انخرطت في معادلة عسكرية هدفها منع تحول المواجهة بين إيران والاحتلال إلى حرب طويلة تستنزف طهران وحدها.

 

ومن هنا، يصبح إدراج غزة ولبنان داخل البيان الحوثي غطاء شعبيا ضروريا، لأن مظلومية الفلسطينيين واللبنانيين تمنح القرار شرعية خطابية، بينما يبقى الهدف العسكري الأقرب هو إسناد إيران في لحظة ضغط.

 

كما يستبعد التميمي تنفيذ حصار شامل فعلي، لأن ذلك يحتاج جهدا عسكريا كبيرا وإمكانات مستمرة وتحملا لتداعيات قاسية، لكنه لا ينفي أن مجرد التهديد يكفي لرفع تكلفة التأمين والملاحة.

 

وتتعامل الولايات المتحدة وإسرائيل مع الإعلان بوصفه جزءا من مصفوفة التهديدات الإيرانية، ولذلك قد تعيد واشنطن النظر في تفاهمات سابقة حدت من استهداف السفن والمصالح الأمريكية في البحر الأحمر.

 

وبالتوازي، قد تعزز واشنطن حضورها العسكري والاستخباراتي في جنوب البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، لأن أي توسع للعمليات الحوثية سيهدد خطوطا تجارية وطاقة لا تخص الاحتلال وحده.

 

وعند هذه النقطة، تتحول قناة السويس إلى ضحية صامتة، لأن مصر لا تتحكم في باب المندب، لكنها تخسر من أي تحويل للملاحة، بينما تواصل الحكومة تحميل المواطنين فاتورة نقص الدولار والديون.

 

ويعني ذلك أن السلطة المصرية تواجه اختبارا لا تكفي فيه بيانات وزارة الخارجية، لأن الدفاع عن قناة السويس يبدأ بسياسة إقليمية مستقلة تضغط لوقف العدوان على غزة وتمنع توسيع الحرب.

 

لكن القاهرة اختارت خلال الشهور الماضية خطاب الوسيط الحذر، فبدت أقرب إلى مراقب ينتظر تفاهمات أمريكية إيرانية، بينما تتلقى ميزانيتها صدمات المرور البحري وتكتفي بتطمينات لا تغير الواقع.

 

وبالمحصلة، يكشف إعلان الحوثيين أن البحر الأحمر لم يعد هامشا جغرافيا، بل صار مركزا لصراع تتداخل فيه غزة وإيران واليمن والطاقة وقناة السويس، وسط غياب عربي رسمي عن صناعة القرار.

 

وتبقى الخلاصة الأكثر قسوة أن الاحتلال يجر المنطقة إلى حرب مفتوحة، وإيران تستخدم أذرعها لرفع كلفة المواجهة، والحوثيون يحولون اليمن إلى منصة ضغط، بينما تدفع الشعوب ثمن العجز الرسمي.