أثار عضو الأمانة العامة لنقابة الأطباء المصرية، خالد أمين، بالقاهرة في 2026، مقترحا بتحديد أسعار كشف العيادات الخاصة عند 1000 جنيه للاستشاري و500 جنيه للأخصائي مع إضافة 300 إلى 500 جنيه للأجهزة، موجة غضب واسعة بين المواطنين والأطباء، وفتح نقاشا حادا حول تكلفة العلاج في مصر والقدرة الفعلية للمرضى على تحملها.
وتزامن هذا الطرح مع تصاعد انتقادات سياسية واقتصادية تتعلق بارتفاع نسب الفقر وتراجع مخصصات الصحة وزيادة الاعتماد على القطاع الخاص، في سياق يعتبره معارضون اتجاها ممنهجا لتحويل العلاج إلى سلعة مرتبطة بالدخل وليس بحق أساسي، ما يعمق أزمة العدالة الصحية داخل البلاد.
محاولة إعادة تسعير الكشف بين القطاعين العام والخاص
استند خالد أمين في طرحه إلى مبررات تتعلق بتكاليف التشغيل وارتفاع النفقات داخل العيادات الخاصة، مؤكدا أن الطبيب يملك حق تحديد أتعابه وفق واقع اقتصادي متغير.
ويرى اقتصاديون أن هذا الطرح يعكس اتجاها متزايدا لرفع كلفة العلاج على المواطن في ظل تضخم مستمر وانخفاض القدرة الشرائية، بينما تشير بيانات صحية إلى أن ملايين المصريين يعتمدون على دخل محدود لا يتجاوز بضعة آلاف جنيه شهريا.
وفي هذا السياق، أوضحت الباحثة في الاقتصاد الصحي منى عزت أن أي تحرير غير منضبط للأسعار داخل القطاع الطبي الخاص يؤدي إلى توسع الفجوة العلاجية بين الفئات الاجتماعية، ويجعل الوصول للخدمة الصحية مرتبطا بالقدرة المالية وليس بالحاجة الطبية الفعلية.
وبناء على هذا التوجه، تتزايد المخاوف من انتقال ضغط الأسعار إلى كامل المنظومة الصحية، خاصة مع غياب سقف تنظيمي واضح يوازن بين تكلفة الخدمة وحقوق المرضى.
تراجع المنظومة الحكومية وارتفاع كلفة العلاج
تظهر بيانات رسمية أن مخصصات قطاع الصحة في مصر لا تتجاوز نحو 1.72 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة أقل من الحد الدستوري المعلن، ما يعكس فجوة تمويلية مزمنة في المستشفيات الحكومية.
ويؤكد أستاذ الإدارة الصحية سامي عبد المنعم أن ضعف التمويل أدى إلى تراجع الخدمات داخل المستشفيات العامة، سواء من حيث التجهيزات أو الأدوية أو جودة الرعاية المقدمة للمرضى.
ومع استمرار هذا التراجع، أصبحت المستشفيات الحكومية بالنسبة لشرائح واسعة من المواطنين خيارا محدود الفاعلية، في ظل قوائم انتظار طويلة ونقص في المستلزمات الأساسية، ما يدفع المرضى نحو القطاع الخاص رغم ارتفاع تكلفته.
وبذلك يتشكل واقع صحي مزدوج يجمع بين خدمة شبه مجانية ضعيفة التأثير داخل الدولة وخدمة خاصة مرتفعة التكلفة خارجها، دون وجود توازن فعلي بين الطرفين.
توسع القطاع الخاص وإعادة تشكيل سوق العلاج
وشهد القطاع الطبي الخاص في مصر توسعا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، مع دخول استثمارات محلية وأجنبية وإسناد إدارة بعض المنشآت الصحية لشركات خاصة، وفق تشريعات حديثة أقرها البرلمان.
وترى الباحثة في السياسات العامة هالة منصور أن هذا التوسع لم يرافقه تنظيم صارم للأسعار أو حماية كافية للمرضى محدودي الدخل، ما جعل السوق الطبي أكثر خضوعا لمنطق العرض والطلب.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن جزءا كبيرا من الإنفاق الصحي في مصر يتم من جيب المواطن مباشرة، سواء عبر الكشف أو الدواء أو التحاليل، وهو ما يضع الأسر تحت ضغط مالي متزايد.
ومع استمرار هذا الاتجاه، تتعمق الفجوة بين من يستطيع تحمل تكلفة العلاج ومن يُستبعد فعليا من الحصول على خدمات طبية مناسبة.
أزمة النقابة بين الدفاع عن الطبيب وضغط المجتمع
أثارت تصريحات النقابة انقساما بين من يرى ضرورة تحسين دخل الأطباء، ومن يعتبر أن تحميل المواطن التكلفة الكاملة يمثل عبئا غير محتمل في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
ويقول الخبير النقابي أحمد جابر إن نقابة الأطباء تواجه معضلة مزدوجة تتمثل في ضعف أجور العاملين داخل المستشفيات الحكومية مقابل توسع القطاع الخاص الذي يحدد أسعاره بحرية شبه كاملة.
وفي المقابل، يربط منتقدون بين هذه التصريحات وبين غياب سياسات واضحة لضبط العلاقة بين تكلفة الخدمة الطبية والدخل العام للأسر، ما يخلق حالة احتقان مجتمعي متصاعد.
وبين هذين الاتجاهين، تبقى النقابة في موقع وسيط غير قادر على فرض توازن حقيقي بين حماية الطبيب وحماية المريض في الوقت نفسه.
انعكاسات اجتماعية على المواطنين محدودي الدخل
تظهر شهادات مواطنين أن تكلفة الكشف الطبي أصبحت تشكل عبئا إضافيا على الأسر التي تعاني أصلا من ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والسكن، وتوضح الباحثة الاجتماعية رنا يوسف أن الأسر الفقيرة تضطر غالبا إلى تأجيل العلاج أو اللجوء إلى بدائل غير كافية بسبب ارتفاع تكلفة الكشف والأدوية.
ومع استمرار هذا الوضع، تتزايد الفجوة بين الحاجة الطبية والقدرة المالية، ما يؤدي إلى تفاقم الأمراض المزمنة وتأخر التشخيص والعلاج في مراحل مبكرة.
وبذلك يتحول العلاج تدريجيا من حق أساسي إلى خدمة انتقائية تعتمد على الدخل، وهو ما ينعكس سلبا على الصحة العامة في المجتمع.
وفي النهاية يعكس الجدل حول تسعير العيادات الخاصة في مصر أزمة أعمق تتعلق ببنية النظام الصحي وتمويله وتوازن العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص.
ومع استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات الحكومية، تتسع الفجوة بين المواطنين وقدرتهم على الحصول على العلاج، في ظل غياب سياسات واضحة لضبط السوق الصحي وحماية الفئات الأكثر هشاشة.

