أعادت واقعة اصطياد قرش من نوع “ماكو” قرب شواطئ مدينة القصير بمحافظة البحر الأحمر خلال الأيام الماضية، فتح ملف التعامل مع الكائنات البحرية المفترسة، وكشفت عن أزمة أعمق تتعلق بغياب منظومة علمية موحدة لإدارة القروش، في ظل تضارب الروايات بين الجهات الرسمية وخبراء البيئة والعاملين في قطاع الغوص.
وتحوّلت الحادثة، التي بدأت بمقاطع مصوّرة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر مطاردة القرش قبل اصطياده قرب الشاطئ، إلى قضية رأي عام بيئي وسياحي، بعدما انقسمت الآراء بين من اعتبر ما حدث “إجراءً وقائيًا لحماية المصطافين”، وبين من وصفه بأنه “تصرف عشوائي يفتقر للمنهج العلمي”.
بيان علمي مثير للجدل وحذفه يزيد التساؤلات
بدأت موجة الجدل تتصاعد عقب صدور بيان عن المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، انتقد فيه طريقة التعامل مع القرش، معتبرًا أن ما جرى يمثل “سلوكًا مرفوضًا علميًا وبيئيًا”، وأن التعامل مع الكائنات البحرية الكبيرة يجب أن يتم وفق بروتوكولات دقيقة وبإشراف مختصين.
لكن المفارقة أن البيان جرى حذفه بعد ساعات من نشره دون توضيحات رسمية، ما فتح الباب أمام تساؤلات بشأن آلية اتخاذ القرار داخل المؤسسات العلمية والرقابية.
ورفضت رئيسة المعهد عبير منير التعليق على أسباب الحذف، في وقت لم تصدر فيه وزارة البيئة أي توضيح حول الواقعة أو حول مصير مشروع تتبع القروش الذي أُطلق قبل سنوات.
“العيب في النظام”.. خبراء ينتقدون غياب التنسيق
يرى خبراء في البيئة البحرية أن الإشكال لا يتعلق بظهور القرش ذاته، بل بغياب منظومة إدارة متكاملة للتعامل مع هذه الحالات.
ويقول ياسر بهاء، رئيس مركز غوص “أكوانوت ريد سي”، إن القروش ليست كائنات عدائية بطبيعتها، وإن أغلب الحوادث المرتبطة بها تحدث نتيجة سلوكيات بشرية غير محسوبة في المياه الضحلة، مثل الحركات العشوائية أثناء السباحة أو الغوص.
ويضيف أن الأزمة الأساسية تتمثل في غياب التنسيق بين الجهات المختلفة، موضحًا أن كل جهة تعمل بمعزل عن الأخرى، سواء المحميات الطبيعية أو الجهات البحثية أو قطاع السياحة البحرية، ما يؤدي إلى قرارات ميدانية غير منضبطة.
تشريح القرش: جدل علمي جديد
من جانبه، كشف أستاذ الأحياء البحرية بمعهد علوم البحار بالغردقة محمود معاطي، أن نتائج تشريح القرش أظهرت أنه كان يعاني من حالة جوع شديدة.
وأوضح أن الكبد كان أقل بكثير من المعدلات الطبيعية مقارنة بوزن الجسم، وأن المعدة كانت خالية تمامًا، معتبرًا أن حالة القرش كانت “غير طبيعية من الناحية البيولوجية”.
وأشار إلى أن قرش الماكو يعيش عادة في أعماق البحر بعيدًا عن المناطق الساحلية، ما يجعل ظهوره قرب شواطئ يرتادها الأطفال أمرًا غير مألوف، رغم رفضه لطريقة اصطياده دون الرجوع إلى المختصين.
خسائر بيئية وسياحية محتملة
في السياق نفسه، حذر الخبير في السياحة البيئية أيمن طاهر من أن التعامل مع القروش باعتبارها تهديدًا مباشرًا ينعكس سلبًا على قطاع السياحة البحرية في البحر الأحمر.
وأوضح أن القروش تُعد عنصر جذب رئيسي لسياحة الغوص، وأن رحلات مشاهدة الكائنات البحرية تمثل مصدر دخل كبيرًا، قد يصل إلى ملايين اليوروهات سنويًا في بعض المواقع المعروفة.
ويشير إلى أن قتل أو اصطياد القروش دون مبرر علمي قد يضر بسمعة البحر الأحمر كوجهة سياحية عالمية، ويؤثر على الاقتصاد المرتبط بالسياحة البيئية.
وتصنف القروش عمومًا ضمن الأنواع المهددة أو الحساسة بيئيًا وفق تصنيفات الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة.
رواية أخرى: “خطر محتمل” يبرر التدخل
في المقابل، يرى أستاذ البيئة البحرية بجامعة قناة السويس محمود حنفي أن قرار اصطياد القرش جاء في سياق استجابة لمخاوف حقيقية لدى السكان المحليين، خاصة مع تواجد القرش قرب منطقة يستخدمها الأطفال للسباحة.
وأوضح أن وجود حالات سابقة لهجمات قروش في البحر الأحمر خلال السنوات الماضية ساهم في تعزيز حالة القلق الشعبي، ما دفع بعض الأهالي للتصرف بشكل مباشر.
لكنه في الوقت نفسه أقر بأن التعامل الأمثل كان يجب أن يكون عبر محاولات توجيه القرش إلى المياه العميقة بدلًا من اصطياده.
تاريخ من الحوادث يعمّق المخاوف
تشير وقائع السنوات الأخيرة إلى تسجيل عدة هجمات لأسماك القرش في مناطق مختلفة من البحر الأحمر، بينها الغردقة ومرسى علم وشرم الشيخ والقصير، ما أسفر عن وقوع ضحايا ومصابين، سواء من المصريين أو السائحين.
هذه الحوادث ساهمت في تكوين صورة ذهنية مرتبطة بالخطر، رغم تأكيد خبراء أن أغلب أنواع القروش ليست عدائية تجاه البشر.
مشروع التتبع المتعثر.. ملايين بلا نتائج
في قلب الجدل، عاد الحديث مجددًا عن مشروع تتبع القروش الذي أُطلق قبل سنوات بهدف رصد سلوكها في البحر الأحمر، لكنه لم يحقق نتائج واضحة حتى الآن.
ووفق مصادر مطلعة، فقد تم التعاقد على عشرات أجهزة التتبع، لكن لم يُشغل منها سوى عدد محدود، بينما بقيت بقية الأجهزة غير مستخدمة، دون إعلان رسمي عن أسباب التعثر أو خطة بديلة لاستكمال المشروع.
ويقول مسؤولون سابقون في قطاع حماية الطبيعة إن التعامل مع ملف القروش ما زال يتم بطريقة “رد الفعل”، حيث تُعالج كل واقعة بشكل منفصل دون بناء قاعدة بيانات علمية تراكمية.
ويضيفون أن غياب الدراسات الميدانية طويلة المدى يحول دون فهم سلوك القروش أو التنبؤ بتحركاتها، ما يفتح الباب أمام تكرار الأزمات نفسها عند كل ظهور قرب الشواطئ.

