كشفت حكومة مصطفى مدبولي، عن رفع سقف برنامج إصدارات السندات الدولية متوسطة الأجل من 30 مليار دولار إلى 40 مليار دولار، بعد تحسن نظرة مؤسسات التصنيف الائتماني، بينما تمنح الخطوة وزارة المالية مساحة أوسع للاقتراض الخارجي خلال السنوات المقبلة.

 

وتأتي الخطوة في وقت تتحمل فيه الموازنة العامة ضغطا مباشرا من خدمة الدين، إذ تلتهم الفوائد والالتزامات جزءا كبيرا من الإيرادات، بينما يدفع المواطن كلفة هذا المسار عبر ضرائب ورسوم وتراجع إنفاق فعلي على الخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية.

 

سقف أعلى للاقتراض تحت عنوان المرونة

 

بحسب مصدر حكومي تحدث إلى إنتربرايز، لا تعني زيادة سقف البرنامج أن الحكومة ستصل إلى حد 40 مليار دولار، لكنها تمنح وزارة المالية قدرة أكبر على التحرك في الأسواق الدولية وفق احتياجات التمويل السنوية وظروف الفائدة العالمية.

 

ومن الناحية العملية، تستهدف الحكومة إصدار سندات دولية بقيم تقترب من الالتزامات المستحقة سنويا، مع خصم يتراوح بين مليار وملياري دولار من إجمالي الالتزامات، بهدف خفض المديونية الخارجية تدريجيا من دون وقف الاعتماد على أدوات الدين.

 

وتطرح الحكومة هذه السياسة بوصفها نهجا أكثر تحفظا، غير أن جوهرها يبقى إعادة تدوير الالتزامات القديمة عبر إصدارات جديدة، لأن الدولة لا تزال تحتاج إلى دخول الأسواق لسداد مستحقات قائمة وتمويل فجوة خارجية لم تغلقها موارد الإنتاج والتصدير.

 

ويرى الخبير الاقتصادي محمد فؤاد أن التركيز على ديون أجهزة الموازنة وحدها لا يكشف العبء الكامل، لأن الدين خارج الموازنة يظل عبئا اقتصاديا تتحمله الدولة في النهاية، وهو ما يجعل الحديث الرسمي عن تحسن المؤشرات غير كاف لتقييم المخاطر.

 

وتعد السندات الدولية أدوات دين تطرحها الحكومات في الأسواق العالمية للحصول على تمويل من مستثمرين أجانب، وتتعهد الدولة بسداد أصل الدين في موعد محدد ودفع فوائد دورية، وغالبا تصدر هذه السندات بالدولار أو اليورو لتمويل العجز أو إعادة تمويل ديون قائمة.

 

سندات اجتماعية باسم الحماية وموازنة مثقلة بالديون

 

وبالتوازي مع رفع السقف، تعتزم وزارة المالية طرح إصدار جديد من السندات الاجتماعية بقيمة مليار دولار خلال العام المالي المقبل 2026 إلى 2027، ضمن توسع حكومي في أدوات التمويل المستدام التي تشمل السندات الاجتماعية والخضراء وسندات التنمية المستدامة.

 

وتقول الحكومة إن الموازنة الجديدة تركز على البعد الاجتماعي، لذلك تتجه إلى إصدار أدوات مخصصة لتمويل مشروعات الحماية الاجتماعية وتحسين الخدمات الأساسية ودعم الفئات الأكثر احتياجا، لكن هذا الربط لا يغير حقيقة أن الأداة نفسها دين خارجي بفائدة واستحقاق.

 

وخلال مايو 2026، أصدرت مصر بالفعل أول سندات اجتماعية وتنموية بقيمة مليار دولار لأجل 8 سنوات، وبلغ العائد نحو 7.6%، وجذبت طلبات اكتتاب تجاوزت حجم الطرح بعدة مرات، في إشارة إلى شهية المستثمرين للعائد المرتفع لا إلى تحسن معيشة المواطنين.

 

وفي هذا المحور، تحذر مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري، من أن السياسة المالية المتشددة وضعف مستويات الاستثمار يظلان من التحديات التي تضغط على آفاق النمو في مصر، وهو تحذير يضع السندات الاجتماعية داخل سياق أوسع من القيود المالية.

 

وبناء على خطة وزارة المالية، تستهدف الحكومة إصدار سندات دولية تتراوح قيمتها بين 3 و4 مليارات دولار خلال العام المالي المقبل، ضمن إجمالي تمويلات وقروض خارجية مستهدفة يبلغ 11.2 مليار دولار، ما يؤكد استمرار الاعتماد على التمويل الخارجي لا تراجعه.

 

خدمة الدين تأكل الإيرادات والحكومة تبيع الطمأنة

 

وتسعى الحكومة إلى خفض تكلفة خدمة الدين العام التي تستحوذ حاليا على نحو 59% من الإيرادات الضريبية، مع استهداف تقليصها إلى نحو 35% من إجمالي المصروفات العامة خلال السنوات المقبلة، وهو هدف كبير لا تكفي له إعلانات الثقة وحدها.

 

كما تعلن الدولة أنها تعمل على خفض نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 17.8% بحلول يونيو المقبل، مقارنة بنحو 21.5% خلال العام الماضي، لكن خفض النسبة لا يعني بالضرورة انخفاض العبء الفعلي إذا بقيت الفوائد مرتفعة والعملة معرضة للضغط.

 

وفي العام المالي الحالي 2025 إلى 2026، أصدرت الحكومة سندات دولية متنوعة بقيمة 3.5 مليار دولار، بينها الإصدار الاجتماعي البالغ مليار دولار، بينما يتبقى نحو 500 مليون دولار يمكن طرحها قبل نهاية يونيو أو الاكتفاء بما جرى إصداره حسب ظروف الأسواق.

 

ويقول الخبير الاقتصادي هاني جنينة إن معالجة أزمة الدين تحتاج إلى نقل الاقتصاد من مرحلة سداد الفوائد إلى مرحلة الإنفاق الاجتماعي، ويربط ذلك بمقترحات تخفيف عبء الدين عبر مبادلات أو إعادة هيكلة داخلية تخلق مساحة حقيقية للخدمات بدلا من الفوائد.

 

لذلك تكشف زيادة سقف السندات إلى 40 مليار دولار عن أزمة إدارة لا عن حل نهائي، لأن الحكومة تواصل تقديم الاقتراض كمرونة مالية بينما تبقى الموازنة محاصرة بالفوائد والاستحقاقات، ويبقى المواطن أمام معادلة واضحة بين دين يتجدد وخدمات تتراجع.

 

وتنتهي القضية عند سؤال سياسي واقتصادي مباشر، هل تستخدم الحكومة تحسن التصنيف لتقليل الدين فعلا أم لتوسيع مساحة الاقتراض باسم الثقة، فالمشكلة ليست في قدرة الدولة على دخول الأسواق، بل في استمرار تحويل الديون إلى سياسة دائمة يدفع ثمنها المجتمع.