تشهد حديقة الزهرية حالة من القلق المتصاعد بين المهتمين بالشأن البيئي والتراثي، بعد بدء أعمال تخطيط ميداني داخل مساحاتها الخضراء خلال الأسبوع الماضي، في خطوة يرى مراقبون أنها قد تمهّد لتحولات إنشائية واسعة ضمن مشروع تطوير لا تزال تفاصيله النهائية غير معلنة.
وبحسب مصدر داخل الحديقة، بدأت أعمال وضع علامات بالجير على أجزاء من المساحة المفتوحة، في مؤشر اعتُبر تمهيدًا لتنفيذ أعمال بناء محتملة ضمن خطة تطوير تم الكشف عن ملامحها قبل نحو ثمانية أشهر، دون أن تتضح حتى الآن الجهة المسؤولة عن التنفيذ أو الجدول الزمني للمشروع.
وكانت مخططات تطوير تم تداولها في سبتمبر الماضي قد أثارت جدلًا واسعًا، بعدما أظهرت تصورًا يحوّل أجزاء من الحديقة إلى مكونات ذات طابع استثماري، تشمل مطاعم ومرفقًا فندقيًا صغيرًا وأنشطة ترفيهية، وهو ما اعتبره مختصون خروجًا عن طبيعة الحدائق النباتية التراثية، التي تُقيّد فيها نسب البناء بشكل صارم للحفاظ على الطابع البيئي.
ورغم مرور أشهر على الكشف عن تلك المخططات، لم تُسجّل أعمال تنفيذ فعلية داخل الحديقة حتى بداية ظهور علامات التخطيط الأخيرة، والتي وثّقت صور متداولة امتدادها داخل مناطق مزروعة وبالقرب من أشجار قائمة، ما أثار مخاوف من تأثيرات مباشرة على الغطاء النباتي.
وفي هذا السياق، يرى خبراء في علوم النبات أن أي تدخل إنشائي داخل الحدائق التاريخية لا يمكن فصله عن انعكاساته البيئية طويلة المدى.
ويؤكد أحد أساتذة بحوث الأشجار أن التعامل مع الحدائق النباتية يجب أن يقتصر على أعمال الصيانة والترميم البيئي وإعادة إحياء النباتات، وليس إعادة تشكيل الاستخدامات العمرانية للمكان، مشيرًا إلى أن أعمال الرفع المساحي والتخطيط غالبًا ما تعني إعادة توزيع الوظائف داخل الموقع، وليس مجرد تطوير تجميلي.
ويحذر مختصون من أن البناء داخل بيئات الأشجار لا يقتصر تأثيره على إزالة محتملة للغطاء النباتي، بل يمتد إلى الإضرار بجذور الأشجار التي تنتشر أفقيًا لمسافات واسعة، ما قد يؤدي إلى تدهور تدريجي في صحة الأشجار حتى دون اقتلاعها مباشرة، نتيجة فقدان التهوية والمياه وتغير خصائص التربة.
وتزداد المخاوف من تأثيرات المشروع المحتمل على النظام البيئي الدقيق للحديقة، إذ يؤكد خبراء أن تغطية أجزاء من التربة أو تغيير طبيعتها يؤدي إلى اختلال التوازن الحيوي الذي تعتمد عليه النباتات في النمو والاستمرار، بما في ذلك الكائنات الدقيقة التي تعيش في التربة وتدعم خصوبتها.
وتُعد حديقة الزهرية واحدة من أقدم الحدائق النباتية في القاهرة، إذ تعود نشأتها إلى عهد الخديوي إسماعيل في القرن التاسع عشر، حين أُنشئت كمختبر نباتي متخصص في تأقلم النباتات المستوردة من مناطق مختلفة حول العالم.
وبعد انتقال تبعيتها إلى وزارة الزراعة عام 1917، تحولت إلى مركز بحثي متخصص في إكثار النباتات ودراستها، وظلت لسنوات طويلة مقتصرة على الباحثين والدارسين قبل أن تُفتح جزئيًا للجمهور في السنوات الأخيرة.

